عاجل: عقود داو جونز تهبط بأكثر من 330 نقطة بعد أزمة ترامب وجرينلاند
سجّل البيتكوين يوم أمس قفزة تاريخية بوصوله إلى مستوى 122,400 دولار أمريكي، وهو أعلى مستوى له على الإطلاق. هذا الإنجاز لا يُقاس فقط رقميًا، بل يُمثّل تحوّلاً نوعيًا في موقع البيتكوين ضمن النظام المالي العالمي. فما كان يُنظر إليه قبل سنوات كأصل مضاربي محدود النطاق، بات اليوم يُستخدم كمخزن ذي سيولة عالية، ومحور اهتمام استراتيجي للمؤسسات المالية الكبرى.
الأسئلة التي تفرض نفسها اليوم ليست حول شرعية البيتكوين أو جدواه، بل حول حدود هذا الصعود، مخاطره، وفرصه المستقبلية في ظل نظام نقدي عالمي مضطرب.
السياق العالمي: لماذا يصعد البيتكوين الآن؟
من الناحية الاقتصادية الكلية، يعيش العالم لحظة انتقالية حرجة. السياسات النقدية التوسعية التي اعتمدتها البنوك المركزية الكبرى منذ جائحة كورونا وحتى اليوم، أدت إلى تضخم مرتفع لم يُعالج حتى بعد رفع أسعار الفائدة مرارًا.
في الولايات المتحدة، تشير البيانات الأخيرة إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي، مع بقاء التضخم الأساسي فوق 3.5%، وهو ما يضع المستثمرين في حالة بحث دائم عن ملاذات تحفظ القيمة. وفي هذا السياق، بات واضحًا أن البيتكوين أصبح يُنافس الذهب بجدارة، خصوصًا في شريحة المستثمرين دون الأربعين عامًا.
في الجانب الجيوسياسي، تزايدت حدة الصراعات العالمية في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، إلى جانب التوترات التجارية بين الصين والغرب، وكل ذلك ساهم في رفع الطلب على الأصول التي لا تخضع لسيطرة الحكومات أو البنوك المركزية. هذا ما جعل البيتكوين، بأمانه اللامركزي وشفافيته المطلقة، وجهة رئيسية في المحافظ الاستثمارية العالمية.
قوة الدفع الداخلية: البيتكوين كمؤسسة لا كمضاربة
الصعود الحالي ليس محض مضاربة من الأفراد كما كان الحال في 2017 أو حتى 2021، بل تقوده مؤسسات مالية ذات ثقل عالمي. على سبيل المثال، مؤسسة BlackRock، التي تدير أصولًا تفوق 10 تريليونات دولار، استثمرت رسميًا في بيتكوين عبر ETF مرخّص، بينما رفعت MicroStrategy حيازتها إلى أكثر من 200 ألف بيتكوين خلال النصف الأول من 2025.
الأهم من ذلك، أن البيانات على الشبكة تُظهر أن النسبة الأكبر من البيتكوين المتداول حاليًا لم يتحرك منذ شهور، وهو ما يشير إلى سلوك استثماري طويل الأمد، وليس إلى حركة بيع سريعة لتحقيق أرباح. هذا الاستقرار في حيازة الأصل الرقمي يُضفي نضجًا جديدًا على السوق ويزيد من ثقة الداخلين الجدد.
التحليل الفني في ضوء الأساسيات
من منظور فني، لا شك أن السوق في مرحلة تشبع شرائي نسبي، حيث تظهر مؤشرات مثل RSI عند مستويات مرتفعة، مما قد يُنذر بتصحيح في أي لحظة. إلا أن هذه الحالة ليست استثنائية في الأسواق الصاعدة، خصوصًا حين تكون مدفوعة بعوامل أساسية قوية كما هو الحال الآن.
البيتكوين تجاوز حواجز نفسية متعددة خلال الأشهر الماضية، بدءًا من 100,000 دولار، ثم 110,000، والآن 120,000، ما يدل على وجود طلب حقيقي لا يمكن تفسيره فقط بالتحليل الفني، بل يجب قراءته في سياق الطلب المؤسسي طويل الأجل، وتغيّر النظرة إلى البيتكوين بوصفه أصلًا موازيًا للنقد التقليدي.
المشهد التنظيمي: من المقاومة إلى التعايش
في الماضي، كان الخطر الأكبر على البيتكوين هو البيئة التنظيمية العدائية. لكن خلال 2025، شهد العالم تحولات جوهرية في هذا المجال. الولايات المتحدة أقرّت أطرًا واضحة لتداول العملات الرقمية عبر منصات مالية مرخّصة، بينما اعتمد الاتحاد الأوروبي الإطار التشريعي MiCA، الذي يُعد أول تنظيم شامل للأصول الرقمية في العالم الغربي.
حتى في الصين، التي لطالما اتخذت موقفًا متشددًا، ظهرت مؤشرات على استخدام تقنيات البلوكشين والرموز الرقمية بشكل تجريبي في مجالات مالية محددة. وهذا ما يدفع المحللين إلى الاعتقاد أن البيتكوين دخل مرحلة "التنظيم المرن"، وهي مرحلة لا تشترط الاعتراف الكامل، لكنها تُمكّن المؤسسات من العمل ضمن أطر قانونية واضحة.
نظرة مستقبلية للنصف الثاني من 2025
إذا نظرنا إلى الديناميكيات الحالية، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
أولًا، السيناريو الصاعد، حيث يستمر الطلب المؤسسي وتبني الحكومات والمؤسسات الكبرى، ويصل البيتكوين إلى مستويات تتراوح بين 145,000 و165,000 دولار خلال الربع الرابع من 2025.
ثانيًا، السيناريو التصحيحي، الذي قد ينتج عن ضغط تنظيمي مفاجئ أو تصحيح تقني طبيعي بعد موجة التشبع الشرائي، ويؤدي إلى تراجع نحو مستويات 100,000 – 110,000 دولار، قبل أن يعاود الارتداد.
ثالثًا، السيناريو المتوازن، حيث يتحرك البيتكوين بشكل عرضي ضمن نطاق 115,000 – 135,000 دولار، وهو ما يعكس حالة ترقب قبل مرحلة جديدة من النمو المحتمل بالتزامن مع تطورات اقتصادية عالمية مثل قرار الفيدرالي النهائي بشأن السياسة النقدية أو تغيرات في النظام النقدي الدولي.
البيتكوين كعنصر استراتيجي في عالم متعدد العملات
لم يعد البيتكوين أصلًا هامشيًا أو تجربة رقمية. نحن أمام أصل استراتيجي تتزايد أهميته داخل المحافظ الاستثمارية العالمية، في ظل بيئة لا مركزية، غير يقينية، وتخضع لإعادة تشكيل.
في هذا السياق، لم يعد سؤال المستثمر هو "هل أستثمر في بيتكوين؟" بل أصبح:
"كم من محفظتي يجب أن أخصص للبيتكوين؟"
إن لم يكن هذا الأصل ضمن مراكزك الاستراتيجية بعد، فقد يكون الوقت قد حان لإعادة تقييم موقعك في الاقتصاد العالمي الجديد.
