الذهب والفضة: جدوى العودة إلى معيار الذهب

تم النشر 27/08/2025, 01:56

تألقت المعادن الثمينة هذا العام، حيث أصبح الذهب أحد أفضل الأصول أداءً منذ بداية العام، فيما تقترب الفضة من اللحاق به.

مقدمة
يحتل الذهب مكانة خاصة في التاريخ البشري كأصل يُجسّد مفهوم الملاذ الآمن؛ إذ تعود دلائل تقدير الإنسان له إلى مقبرة فارنا منذ 6500 عام. وتخدم المعادن الثمينة أغراضًا متعددة، من الحُليّ إلى التكنولوجيا المتقدمة، إلا أن أهميتها الكبرى تكمن في قدرتها على الحفاظ على ثروات المستثمرين في أوقات عدم اليقين.

الجانب المحوري في قيمة الذهب والفضة خلال فترات الاضطراب هو ملموسيتهما. فعلى عكس الأصول “الاصطناعية” الأخرى، يستمد المستثمرون ثقتهم من حقيقة أنهم قادرون على امتلاك ما يعادل استثماراتهم في صورة مادية ملموسة أمامهم. ومع الأداء القوي للمعادن، يبرز سؤال أعمق: هل يُعَدّ تجدد الطلب على الأصول الملموسة أول إشارة إلى تحول أوسع نحو العودة إلى معيار نقدي يستند إلى المعادن؟

لماذا معيار الذهب وليس الفضة؟
لسنوات طويلة، ارتبطت الفضة بالنقود أكثر من الذهب. وحتى القرن التاسع عشر، كان الاقتصاد العالمي يقوم على قاعدة ثلاثية من الذهب والفضة والنحاس، وكانت الغلبة فعليًا للفضة كنظام شبه رسمي. ومع تزايد المعروض من الفضة وتراجع قيمتها مقارنة بالذهب والنحاس، أصبحت أكثر انتشارًا واستخدامًا في التجارة اليومية وأنظمة العملات.

شهد القرن التاسع عشر ما أصبح يُعرف بـ “الجدل الكبير” حول ما إذا كان ينبغي اعتماد الذهب أو الفضة كمعيار رسمي. فقد جرت محاولات مبكرة لتحقيق الاستقرار بين المعدنين عبر تثبيت أسعار الصرف الوطنية عند نسب ثابتة، وغالبًا ما كانت عند 15.5 إلى 1، لكن هذه الترتيبات سرعان ما أصبحت غير مستقرة مع تغيرات العرض والطلب. ومع اتساع الفجوة بين القيم السوقية والأسعار المفروضة من الدولة، ظهرت تشوهات مهدت لانهيار نظام المعدنين.

ومع توسع التجارة العالمية تحت هيمنة بريطانيا، وجدت الدول ميزة سياسية واقتصادية في الارتباط بنظام نقدي مدعوم بالذهب. وقد عززت الاعتبارات العملية هذا الخيار؛ إذ سمح المعيار الذهبي باستخدام الفضة كعملة رمزية بقيمة اسمية أعلى من قيمتها المعدنية الفعلية. وبما أن الفضة أُزيلت من مركزها النقدي، فقد وفر ذلك استقرارًا للنظام وتفادى الوقوع في فخ "قانون غريشام"، الذي كان سيؤدي إلى اختفاء الذهب من التداول.

في النهاية، لم يكن التخلي عن الفضة سببه أن الذهب كان "مالًا أفضل" من الناحية الاقتصادية. فقد استمرت الفضة في أداء دور فعال في التجارة المحلية والإقليمية. لكن على المستوى الدولي، فإن الثقل السياسي لبريطانيا العظمى وشركائها التجاريين، إلى جانب عدم استقرار نسب المعدنين الثابتة، دفع العالم نحو اعتماد المعيار الذهبي. كان الاختيار انعكاسًا لمزيج من القوة والبراغماتية أكثر من كونه نتيجة لخصائص المعدن الجوهرية.

أسعار الذهب والفضة

المصدر: بلومبرغ بروفيشنال (الذهب و الفضة)

بلغ هذا التحول الدولي ذروته مع الاعتماد الرسمي للمعيار الذهبي، وهو نظام تُربط فيه عملة الدولة مباشرة بالذهب. إذ إن السعر الثابت للذهب كان يُستخدم لتحديد قيمة العملات الوطنية. وبهذا ربط المعيار الذهبي العملات بمورد ملموس، على عكس النقود الورقية التي تعتمد فقط على سلطة الحكومات.

الجدل الحالي حول المعيار الذهبي: ضغوط الاقتصاد في 2025


رغم أن أي دولة لا تستخدم المعيار الذهبي اليوم، فإن تصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي خلال السنوات الماضية أعاد الدعوات لعودته.

عاد الذهب إلى مركز الساحة المالية مدفوعًا برغبة المستثمرين في الأمان، الأمر الذي يُعيد تشكيل الاقتصاد العالمي. ففي الأشهر الأخيرة، فضّل المستثمرون السبائك الذهبية على غيرها من فئات الأصول مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، ما عزّز جاذبيته كملاذ آمن.

أحد المحركات الأساسية لهذه الموجة هو المخاطر وحالة عدم اليقين الناتجة عن السياسة الخارجية الأمريكية. فقد ساهمت حرب الرئيس ترامب التجارية، إلى جانب التوترات الجيوسياسية المتزايدة والأسئلة حول الدور طويل الأجل للدولار الأمريكي، في موجة صعود لافتة في أسعار الذهب.

وقد تسببت الرسوم الجمركية التي وصفها الرئيس بـ "يوم التحرير" في هزّ الأسواق، مما دفع المستثمرين نحو الأصول التي يمكن أن تحميهم من التداعيات. فيما أكد ترامب لاحقًا أن الذهب لن يخضع لتلك الرسوم، وهو ما أبرز دوره المستمر كأصل آمن في ظل تقلبات السوق.

المعيار الذهبي والضغوط الاقتصادية

المصدر: تطوّر سعر الذهب خلال فترات الركود، إليمنتس من فيجوال كابيتاليست

يعطينا التاريخ الدرس ذاته: في أوقات الاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية، يميل الناس إلى تفضيل العملات التي تحتفظ بقيمة مستدامة على تلك التي تتآكل قيمتها. وقد برز هذا الاتجاه عندما تجاوز الذهب العام الماضي اليورو ليصبح ثاني أكبر أصل احتياطي في العالم لدى البنوك المركزية العالمية.

هذا العام، تجاوز الذهب مستوى 3,000 دولار للأونصة، ليعيد إلى الأذهان أزمات سابقة. إذ اخترق حاجز 1,000 دولار أثناء الأزمة المالية العالمية عام 2008، وتجاوز 2,000 دولار خلال جائحة كوفيد-19. هذه المحطات تؤكد التأثير القوي للجغرافيا السياسية على تقييم الذهب. فعندما تهتز أسس الاقتصاد العالمي، يظهر الذهب كمرساة ثابتة.

إنه يمثل في النهاية "تجارة الارتباك"، كونه مخزنًا للقيمة بعيدًا عن التأثير السياسي. ولم تقتصر التداعيات على الذهب فقط، إذ استفاد أيضًا الفضة من أوقات الأزمات، مسجلة أعلى مستوياتها في 13 عامًا.

ومع تصاعد الشكوك حول متانة الدولار، الذي ما يزال العملة الاحتياطية الفعلية عالميًا، يستعيد الأصل التقليدي الآمن اهتمامًا متجددًا. فعدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي في الولايات المتحدة بدأ يثير تساؤلات حول هيمنة الدولار طويلة الأمد، ما جعل دولًا أخرى مترددة في الاحتفاظ باحتياطياتها على شكل أصول مقومة بالدولار الأمريكي.

المستثمرون يتجهون إلى الذهب، وبشكل متزايد إلى الفضة، كتحوط ضد ضعف الدولار الأمريكي. ويُعد هذا التراجع المفاجئ في الثقة بالعملات الرئيسية عاملًا آخر يغذي موجة صعود المعادن الثمينة، إذ في فترات الأزمات يمنح امتلاك أصل ذي قيمة متجذرة شعورًا بالطمأنينة.

عمليات الشراء بدافع الملاذ الآمن أضافت زخمًا إلى موجة صعود يدعمها بالفعل شراء البنوك المركزية. فعلى مدى عقود، تركزت الأصول الاحتياطية في الأصول المقومة بالدولار الأمريكي، خاصة في سوق سندات الخزانة الأمريكية البالغ حجمه 29 تريليون دولار. لكن في السنوات الأخيرة، عادت البنوك المركزية إلى الذهب في محاولة لتقليل اعتمادها على الدولار. وتتصدر الصين والهند وروسيا وعدة دول أخرى هذا التحول، في إشارة إلى تنامي الشكوك بشأن استقرار الدولار على المدى الطويل.

ورغم أن ديناميكيات السوق أسهمت في صعود الذهب، فإن الزخم السياسي بدأ يلعب دورًا متزايدًا في تشكيل الجدل الدائر حوله. ففي الولايات المتحدة، لم تعد الدعوات للعودة إلى غطاء الذهب حبيسة الأوساط الأكاديمية. إذ أعلنت ولاية فلوريدا بالفعل عن خطوة ملموسة تقضي باعتبار عملات الذهب والفضة عُملة قانونية بدءًا من عام 2026. ويعكس ذلك اهتمامًا متزايدًا بإعادة إدماج المعادن في الاستخدام النقدي اليومي، حيث ستُقبل العملات الذهبية والفضية ذات درجة نقاء محددة كأموال معتمدة.

وعلى المستوى الوطني، يطرح مشروع "هيريتدج فاونديشن" المعروف باسم مشروع 2025، وهو مخطط مقترح لولاية ثانية لترامب، فكرة إلغاء الاحتياطي الفيدرالي لصالح العودة إلى غطاء الذهب. وتوضح هذه التحركات كيف أن حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي والاقتصادي الراهنة، مقترنة بانعدام الثقة في النقود الورقية والمؤسسات المصرفية المركزية، تعيد المعيار الذهبي إلى قلب النقاش السياسي.

 

حُجّة العودة إلى معيار الذهب/الفضة

يدافع أنصار العودة إلى معيار الذهب أو الفضة عن أن ربط النقود بالمعادن الثمينة من شأنه أن يعيد النظام والاستقرار إلى النظام المالي. فمع ارتفاع الدين الأمريكي وتزايد الشكوك حول العملات الورقية، يعتقد هؤلاء أن ربط النقود بالذهب أو الفضة يوفر حماية ضد تجاوزات الحكومات وعدم الاستقرار النقدي.

الحُجّة المركزية في هذا السياق هي أن معيار الذهب يعزز استقرار الأسعار. ففي ظل نظام نقدي معدني، تكون عملية إصدار العملة مقيدة بما تملكه الدولة من احتياطيات ذهب أو فضة، ما يمنع الحكومات من تضخيم الكتلة النقدية بشكل اعتباطي. ويصبح التضخم أقل شيوعًا، كما يتم تجنّب شبح التضخم المفرط تمامًا، إذ لا يمكن للنقود أن تنمو إلا بالقدر الذي تُكتشف فيه احتياطيات جديدة من المعدن. وغالبًا ما تُستشهد الفترات التاريخية التي خضعت لمعيار معدني بأنها نماذج لقوة الشراء المستقرة نسبيًا.

ويرى المؤيدون أيضًا أن مثل هذا النظام قد يُفيد التجارة الدولية. إذ يوفّر النظام القائم على الذهب أسعار صرف ثابتة بين الدول المشاركة، مما يقلل من تقلبات العملات ويوفر قدرًا أكبر من القدرة على التنبؤ. هذا الاستقرار يعزز ثقة التجار والمستثمرين على حد سواء، ويدعم التجارة عبر الحدود والاستثمارات طويلة الأجل.

وتقدم حالة غانا في نوفمبر 2022 مثالًا حديثًا: فمع تعرضها لضغوط في أسواق العملات التقليدية، وقّعت غانا اتفاقًا مبدئيًا مع الإمارات العربية المتحدة لشراء النفط بالذهب بدلاً من الدولار الأمريكي. وبالإضافة إلى ضمان إمدادات الطاقة، كان الهدف من الاتفاق طمأنة الشركاء الاقتصاديين بشأن ملاءتها المالية في وقت كانت الأسواق التقليدية تشكك في وضعها المالي. هذا المثال يوضح كيف يمكن للذهب أن يظل وسيلة موثوقة في التجارة العالمية عندما تهتز الثقة بالعملات الورقية.

وبذلك، فإن هذه الحجج تُقدّم معيار الذهب والفضة ليس فقط كخيار اقتصادي، بل أيضًا كدرع واقٍ ضد التضخم وتآكل الثقة في النقود في زمن يتسم بتصاعد الشكوك والاضطرابات العالمية.

الحُجّة ضد معيار الذهب/الفضة

على الرغم من وجود أصوات تدعو إلى العودة لمعيار الذهب، فإن هذا الرأي لا يُعتبر تيارًا رئيسيًا، بل يُنظر إلى الذهب في الغالب على أنه أصل استراتيجي وأداة للتحوّط النقدي. ويحذّر المنتقدون من أن العودة إلى معيار الذهب ستُقيد بشكل كبير قدرة الحكومات على تطبيق السياسات النقدية، إذ تحدّ من قدرتها على توسيع المعروض النقدي، وهو أحد أهم الأدوات لمواجهة حالات الركود ودعم النمو الاقتصادي.

كما أن هذا النظام سيجعل من الصعب معالجة الاختلالات في التجارة العالمية، مانحًا ميزة طبيعية للدول المنتجة للذهب على حساب تلك التي لا تملك احتياطيات كبيرة.

وتتزايد الشكوك أيضًا بشأن الأسس التي تستند إليها احتياطيات الذهب الأمريكية نفسها؛ إذ لم تخضع الكمية المعلَن عنها — 8,133 طنًا — لمراجعة شاملة منذ عقود، مما يثير تساؤلات حول الحجم الفعلي وجودة هذه المخزونات. ويذهب بعض المحللين أبعد من ذلك، مشيرين إلى احتمالية وجود التزامات على جزء من هذه الاحتياطيات عبر ترتيبات مقايضة مع صندوق النقد الدولي أو بنك التسويات الدولية أو غيرها من المؤسسات المالية، رغم تسجيلها رسميًا كأصول تابعة لوزارة الخزانة الأمريكية.

الخلاصة

إن عودة الذهب والفضة لا تقتصر على كونها مجرد دورة في الأسواق، بل تكشف عن تنامي الشعور بفقدان الثقة في النقود الورقية.  فالمصارف المركزية والمستثمرون والحكومات جميعهم يعودون إلى المعادن باعتبارها مرتكزات استراتيجية في أوقات الاضطراب. وسواء كان هذا التحول مؤقتًا أم هيكليًا، فإن العودة إلى “المال القديم” تعكس بوضوح حالةً عميقة من عدم يقين وهشاشة الثقة في ق

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.