مؤشر داو جونز يتجاوز 50,000 للمرة الأولى مع ارتفاع أسهم الشركات الكبرى
في خضمّ مشهد عالمي يتغيّر بسرعة مذهلة، يعيش الاقتصاد واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا منذ نهاية الحرب الباردة.
فأسعار الذهب تسجّل قممًا تاريخية يومًا بعد يوم، متجاوزة حاجز 4400 دولار للأونصة في 17 أكتوبر 2025، في حين تواصل الفضة اندفاعها نحو 55 دولارًا، في مسار صاعد يبدو وكأنه فقد أي ارتباط بالمنطق الاقتصادي التقليدي.
وفي الخلفية، تتعمق التحولات الكبرى في موازين القوى بين الشرق والغرب؛ الصين تصعد بثبات كقوة مالية وتكنولوجية هائلة، والولايات المتحدة تجد نفسها في موقع دفاعي داخل النظام الذي كانت تقوده لعقود، بينما يتذبذب الدولار الأمريكي بين فقدان الثقة العالمية وتآكل مكانته كعملة احتياط مهيمنة.
الذهب.. مرآة الخوف وصوت التحول الصامت
شهدت أسعار الذهب ارتفاعًا غير مسبوق منذ بداية العام 2025 ، لتصبح الأونصة عند حدود 4400 دولار،(نسبة الزيادة في سعر الذهب من متوسط عام 2024 (2,400 دولار) إلى السعر الحالي في أكتوبر 2025 (4,400 دولار) هي 83.33% وهو مستوى لم تتوقعه حتى أكثر المؤسسات المالية تفاؤلًا.
اللافت أن هذا الصعود لم يتأثر بعوامل كانت تُعدّ تقليديًا معاكسة، مثل قوة الدولار أو ارتفاع مؤشرات الأسهم الأمريكية. فالذهب يصعد مع ارتفاع الدولار ومع انتعاش الأسهم، وهو ما يشير إلى تغيّر جذري في سلوك المستثمرين العالميين.
لم يعد الذهب مجرد ملاذ آمن وقت الأزمات، بل تحوّل إلى عملة موازية عالمية تمثل الثقة الحقيقية في نظام نقدي يواجه اختلالات عميقة.
البنوك المركزية، خصوصًا في آسيا،والمحافظ الاستثمارية الكبرى تتسابق في شراء المعدن الأصفر بوتيرة غير مسبوقة منذ نصف قرن. فقد أظهرت بيانات صندوق النقد الدولي أن الصين وحدها أضافت أكثر من 300 طن من الذهب إلى احتياطاتها منذ مطلع 2024، لتتجاوز بذلك 2600 طن رسميًا، بينما تقدّر المصادر المستقلة أن الاحتياطي الحقيقي يتجاوز 5000 طن إذا ما احتُسبت المشتريات غير المعلنة.
الصين.. العملاق الذي غيّر قواعد اللعبة
منذ اندلاع الحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، برزت الصين بوصفها القوة الوحيدة التي استطاعت مواجهة واشنطن اقتصاديًا على قدم المساواة.
اليوم، تقود الصين أكبر عملية إعادة تموضع اقتصادي في التاريخ الحديث.
فبرغم تباطؤ الاقتصاد العالمي، حققت الصين نموًا سنويًا بنسبة 5.2% في 2025، بينما تراجعت حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية إلى نحو 55% فقط — أدنى مستوى منذ ثلاثة عقود.
في المقابل، ارتفعت حصة اليوان الصيني والذهب كأدوات احتياط آمنة وبديلة، وتجاوزت احتياطيات الصين من النقد الأجنبي 3.3 تريليون دولار، مع استثمارات خارجية غير دولارية تصل إلى 180 مليار دولار خلال العام الجاري.
ومن خلال مبادرة الحزام والطريق، أعادت الصين رسم شبكة اقتصادية تمتد من آسيا إلى إفريقيا وأوروبا، مانحةً نفسها ثقلاً استراتيجياً يتجاوز حدود التجارة نحو النفوذ المالي والسياسي.
ولم يكن صعود الذهب بمعزل عن صعود الصين، فكل ارتفاع في نفوذ بكين يقابله تراجع في هيمنة واشنطن.
حيث ان الصين لم تعد تكتفي بدور "المصنع العالمي"، بل أصبحت المموّل العالمي، حيث لم تعد المعادلة "واشنطن تُقرّر والباقي يُنفّذ" قائمة.
هذه التحولات تعني ببساطة أن ميزان القوة المالية يتحوّل شرقًا. واشنطن لم تعد قادرة على فرض سياساتها النقدية بنفس الفاعلية، إذ فقد الدولار كثيرًا من قدرته على امتصاص الصدمات أو توجيه الأسواق كما في السابق. حتى حلفاؤها في أوروبا واليابان بدأوا يتعاملون بحذر أكبر مع سياسات الاحتياطي الفيدرالي، الذي وجد نفسه محاصرًا بين تضخم مرتفع (بلغ 3.9% في سبتمبر 2025) وعجز في الموازنة تجاوز 2.1 تريليون دولار
اهتزاز الثقة بالدولار وبداية نهاية الهيمنة الأحادية
التاريخ يكرر نفسه، لكن بنسخة أكثر خطورة. فعندما ترتفع أسعار الذهب بهذه الوتيرة المتسارعة، بينما يضعف الدولار أمام العملات الصاعدة، وتزيد الحكومات الشرقية احتياطياتها من المعدن الأصفر — فإن العالم يعلن، وإن بصمت، عن نهاية مرحلة الدولار الأحادي.
المستثمرون لم يعودوا يثقون في الأوراق النقدية غير المغطاة، والبنوك المركزية تدرك أن النظام المالي القائم منذ اتفاق بريتون وودز عام 1944 لم يعد مستدامًا.
الولايات المتحدة فقدت جزءًا من قوتها التصنيعية وتعتمد بشكل كبير على الدين العام، بينما تبني الصين نموذجًا يعتمد على الذهب، الإنتاج، والاحتياطي النقدي الحقيقي، لتصبح المنافس الوحيد القادر على تقديم بديل واقعي للنظام الغربي الحالي.
الفضة.. المؤشر الخفي للتحولات الاقتصادية
الفضة تجاوزت 55 دولارًا للأونصة، مدفوعة بالطلب الصناعي في الطاقة الشمسية والتكنولوجيا، إلى جانب كونها أداة استثمارية موازية للذهب.
ارتفاعات الفضة الحادة تعبّر عن تسارع وتيرة التغير الهيكلي في النظام الاقتصادي، كمؤشر ثانوي لكنه بالغ الأهمية على انتقال الثروة من الأوراق المالية إلى الأصول الملموسة
فالمشهد الحالي يشبه لحظة ما قبل انهيار "اتفاق بريتون وودز" عام 1971، حين أوقفت الولايات المتحدة تحويل الدولار إلى ذهب. لكن الفارق اليوم أن العالم لا ينتظر إعلانًا رسميًا، بل يقوم فعليًا ببناء نظام نقدي جديد يقوم على الأصول الحقيقية لا على الوعود الورقية.
توقعات أسعار الذهب المستقبلية
مع استمرار ارتفاع الذهب إلى حدود 4400 دولار للأونصة، يتوقع المحللون السيناريوهات التالية:
نطاق صعود محتمل: 4600–5,000 دولار للأونصة خلال الأشهر المقبلة إذا استمر الطلب من البنوك المركزية وتزايد التوتر الجيوسياسي والجبواقتصادي .
سيناريو متفائل: 5,000–5,500 دولار للأونصة خلال 2026 في حال استمرار شراء اسيا، والطلب المؤسسي، وتفاقم المخاطر الجيوسياسية.
العوامل الداعمة للصعود: شراء البنوك المركزية، ضعف الدولار، خفض أسعار الفائدة الأمريكية، تصاعد التوترات، تضخم عالمي.
العوامل المعيقة للصعود: تشديد الفيدرالي الأمريكي، تصحيح السوق، انفراج اقتصادي، تباطؤ الصين، تشبع السوق أو جني أرباح.
ولذلك
ما نشهده اليوم ليس مجرد موجة صعود في المعادن الثمينة، بل إعادة هيكلة شاملة للنظام النقدي العالمي.
صعود الذهب والفضة، وتزايد احتياطيات الصين، وتراجع هيمنة الدولار، ليست ظواهر معزولة، بل علامات على ولادة نظام اقتصادي متعدد الأقطاب، حيث لم تعد واشنطن القطب المهيمن، بل عالم يتحرك وفق التوازن بين الشرق والغرب.
الذهب اليوم لا يصرخ، بل يهمس:
"النظام القديم ينهار، والعصر الذهبي الجديد قد بدأ."
