2025: السنة التي غيّرت وظيفة الذهب

تم النشر 02/01/2026, 09:54

لم يكن عام 2025 مجرد سنة استثنائية في أداء المعادن النفيسة، بل شكّل لحظة كاشفة لانهيار نموذجٍ تسعيريٍ استمر لعقود. في هذا العام، لم يعد الذهب والفضة يتحركان كتوابع مباشرة لسعر الفائدة أو لتقلبات الدولار، بل أعادا تعريف نفسيهما كأصول سيادية غير مكتوبة، تُسعَّر بالثقة والندرة والمخاطر الجيوسياسية. لقد انتقلنا من منطق “التسعير النقدي” إلى منطق “التسعير الهيكلي”، حيث أصبح المعدن في حد ذاته تعبيرًا عن خلل النظام المالي العالمي.

الذهب في 2025: حين تحوّل من أصل بلا عائد إلى مقياس للثقة

سجّل الذهب في ديسمبر 2025 قممًا تاريخية قاربت 4,794 دولارًا للأونصة، قبل أن يُغلق العام ضمن نطاق 4,320–4,330 دولارًا، محققًا مكاسب سنوية تقارب 62–64% — وهي الأعلى منذ عام 1979. هذه الأرقام لا تعكس موجة مضاربية عابرة، بل انتقالًا نوعيًا في وظيفة الذهب داخل النظام المالي العالمي.

التصحيح السريع من القمم إلى منطقة 4,300 لم يكن إشارة ضعف، بل كان عملية إعادة تموضع صحية أعادت بناء دعم نفسي–فني جديد. السوق، ببساطة، أعاد تعريف “القاع المقبول” للذهب في ظل عالم تتآكل فيه الثقة بالعملات الورقية، وتتضخم فيه الديون السيادية بلا سقف واضح.

محركات الصعود: لماذا انفجر الذهب بهذه القوة؟

1) الطلب الرسمي – الذهب يعود إلى خزائن السيادة: واصلت البنوك المركزية، للعام الثالث على التوالي، شراء أكثر من 1,000 طن سنويًا خلال 2022–2024، وهو نمط غير مسبوق تاريخيًا. في 2025، اتسعت قاعدة المشترين، خصوصًا في الأسواق الناشئة، ما خلق أرضية هيكلية تمنع الانهيارات العميقة وتحوّل أي تصحيح إلى فرصة تراكم.

2) الفيدرالي – من التشدد إلى التيسير المحسوب: أنهى الاحتياطي الفيدرالي 2025 بثلاث تخفيضات متتالية خلال الربع الأخير، ليستقر النطاق عند 3.50–3.75%. الأهم من الخفض ذاته هو الإشارة الضمنية: عصر العوائد الحقيقية المرتفعة يقترب من نهايته. تاريخيًا، لا يحتاج الذهب إلى تضخم جامح ليصعد؛ يكفيه تآكل العائد الحقيقي.

3) الجغرافيا السياسية – علاوة الخوف تعود بقوة: من التعريفات التجارية إلى ملفات آسيا والتوترات الجيوسياسية، ارتفعت علاوة المخاطر العالمية، وأُعيد إحياء الذهب كأداة تحوّط سيادي لا ترتبط بالتزامات طرف ثالث.

القراءة الفنية للذهب: أين يقف السوق الآن؟

تكوّنت منطقة دعم محورية بين 4,300–4,250 دولارًا، تُعد حاليًا العمود الفقري للحركة المتوسطة. في المقابل، تتدرج المقاومات عند 4,500–4,600، . تكتيكيًا، يُفضَّل التعامل مع الذهب كأصل تراكم في التراجعات لا كأصل مطاردة قمم، مع انتظار إشارات انعكاس واضحة قرب الدعوم أو اختراقات مؤكدة فوق المقاومات.

الفضة 2025: خروج "المعدن المتقلب" من الظل

إذا كان الذهب قد استعاد دوره الكلاسيكي، فإن الفضة أعادت كتابة قصتها بالكامل. تخطيها مستوى 80 دولارًا للأونصة في أواخر ديسمبر — مع قمم داخلية فوق 83 — لم يكن حدثًا تقنيًا فقط، بل إعلانًا صريحًا عن انتقالها من ملاذ ثانوي إلى مادة استراتيجية في قلب الاقتصاد الصناعي الجديد.

الفضة أنهت العام على مكاسب تقارب 147% وفق السجلات الأمريكية، في عام اتسم بتذبذبات حادة تعكس حساسية المعدن لسيولة المشتقات وهوامش البورصات. لكن خلف هذا العنف السعري يكمن تحول أعمق: الطلب الصناعي بات هو المحرك الأساسي، لا الذهب وحده.

لماذا تفوقت الفضة بهذا الشكل؟

الدور الصناعي – معدن الثورة التقنية: الطلب على الفضة في الإلكترونيات عالية الكثافة، والطاقة الشمسية (PV)، ومراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بلغ مستويات قياسية. ورغم محاولات خفض التحميل، لا تزال الفضة تحتفظ بأفضلية كهربائية يصعب تعويضها على المدى المتوسط.

العجز الهيكلي – معروض لا يستجيب للسعر: الفضة تُنتج غالبًا كمنتج جانبي، ما يجعل استجابة المعروض لارتفاع الأسعار بطيئة وغير مرنة. النتيجة: عجز مستمر، مخزونات شحيحة، وحساسية مفرطة لأي صدمة في سلاسل الإمداد.

الصين تغيّر قواعد اللعبة: الفضة كمادة استراتيجية

اعتبارًا من 1 يناير 2026، بدأت الصين تطبيق نظام تراخيص صارم لصادرات الفضة، عبر قائمة محددة من الشركات المعتمدة. هذا القرار، وإن لم يكن حظرًا مباشرًا، يعادل فعليًا ترقية الفضة إلى مادة استراتيجية تُدار بعقلية العناصر النادرة.

النتيجة المتوقعة: احتكاكات لوجستية، أزمنة موافقات أطول، وأقساط فورية أعلى للمستوردين، خصوصًا في الولايات المتحدة وأوروبا. بعبارة أخرى، السوق لم يعد يسعّر الفضة فقط، بل يسعّر إمكانية الوصول إليها.

2026: حين تتقاطع السياسة النقدية مع ندرة الموارد

الفيدرالي يدخل 2026 بحذر معلن، فيما تُسعّر الأسواق خفضين محتملين. أي تراجع إضافي في العائد الحقيقي أو ضعف في الدولار يُمثل رياحًا خلفية مباشرة للمعادن. في الوقت ذاته، استمرار مشتريات البنوك المركزية للذهب يرسّخ خط دعم هيكلي يصعب كسره، بينما القيود الصينية تُبقي الفضة عالية الحساسية لأي صدمة إمداد.

سيناريوهات 2026: خريطة الطريق للمخاطر والعوائد

السيناريو الأساسي: تيسير محسوب، ذهب باتجاه 4,700–5,000، وفضة تعود إلى 76–80 مع اندفاعات مؤقتة.

سيناريو التباطؤ العميق: خفض أسرع، ذهب يتجاوز 5,200، وفضة تندفع نحو 90 مع تقلبات حادة.

سيناريو التشدد المفاجئ: ضغط على المعادن، تصحيحات أعمق، لكن مع قابلية انعكاس سريعة عند أي صدمة إمداد.

قواعد الاشتباك في عالم جديد

في 2026، لم تعد إدارة المخاطر خيارًا، بل شرط بقاء. الذهب يُدار كأصل استراتيجي طويل النفس، والفضة كأصل عالي العائد عالي التذبذب. الرافعة تُستخدم بحذر، والقمم لا تُطارَد، والسياسة النقدية وملف الإمدادات يُراقبان يوميًا.

المعادن ليست تجارة… بل موقف استثماري

ما بعد 2025 ليس امتدادًا لما قبله. الذهب لم يعد مجرد تحوّط، بل أصبح تعبيرًا عن فقدان الثقة بالنظام النقدي القائم. والفضة لم تعد ظلًا للذهب، بل مادة استراتيجية في قلب التحول الصناعي العالمي. في عالمٍ تتقاطع فيه الديون، والسياسة، وندرة الموارد، تصبح المعادن النفيسة ليست صفقةً ذكية، بل موقفًا استثماريًا يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المرحلة القادمة

في زمن تتآكل فيه الثقة قبل العملات، لا يُقاس الاستثمار بالعائد فقط… بل بقدرته على الصمود

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.