موجة نزوح حادة تضرب صناديق بيتكوين الأمريكية… 681 مليون دولار تخرج
أنهى الذهب عام 2025 بعائد سنوي بلغ نحو 67%، وهو من أعلى العوائد المسجلة منذ عقود. هذا الأداء الاستثنائي لا يمكن تفسيره بعامل واحد مثل التضخم أو توقعات خفض الفائدة، بل يعكس تحولا أعمق في سلوك المستثمرين وفي طبيعة النظام المالي العالمي نفسه.
الذهب لم يرتفع لأنه أصل نادر فقط، بل لأنه أصبح المرآة التي تعكس مستوى القلق الكامن في الأسواق، قلق يتجاوز الدورات الاقتصادية التقليدية إلى بيئة عالمية تتسم بتراكم المخاطر السياسية والاقتصادية والمالية في آن واحد.
أولا، ما الذي دفع الذهب إلى هذه المستويات التاريخية؟
خلال عام 2025، سجل الذهب أكثر من خمسين قمة سعرية جديدة، ووصل إلى مستويات تاريخية أمام كل العملات الرئيسية. هذا الصعود لم يكن اندفاعا مفاجئا، بل مسارا تصاعديا منتظما، وهو ما يميزه عن كثير من فترات الارتفاع الحاد السابقة.
تحليل مصادر العائد يظهر أن العوامل المحركة لم تكن فقط انخفاض العوائد الحقيقية أو ضعف الدولار، رغم أهميتهما، بل جاء الجزء الأكبر من الدعم من ارتفاع مستويات عدم اليقين. تصاعد التوترات الجيوسياسية، اتساع نطاق السياسات التجارية العقابية، وعودة السياسة كعنصر ضاغط على الأسواق، كلها عوامل دفعت المستثمرين إلى البحث عن أصل لا يعتمد على وعود سياسية أو استقرار مؤسسي هش.
اللافت أن النماذج الكمية تفسر نحو 60% فقط من صعود الذهب، بينما يبقى جزء معتبر من الأداء خارج التفسير التقليدي. هذا الجزء غير المفسر يعكس طلبا هيكليا طويل الأجل، تقوده البنوك المركزية والمؤسسات الكبرى، وليس تدفقات مضاربية قصيرة الأجل.
ثانيا، لماذا كان الذهب مختلفا عن بقية المعادن النفيسة؟
رغم الصعود القوي للفضة والبلاتين في نهاية العام، إلا أن طبيعة هذا الارتفاع كانت مختلفة. الفضة والبلاتين تأثرتا بشكل واضح بقيود المعروض، والتغيرات في السياسات التجارية، وقرارات تنظيمية رفعت من علاوات الأسعار وخلقت اختناقات مؤقتة في السوق.
أما الذهب، فقد تحرك دون مظاهر ضغط حاد في المعروض، ودون تقلبات مفرطة. حتى في فترات تصفية المراكز الممولة وارتفاع متطلبات الهامش في الأسواق الآجلة، بقي نطاق تحرك الذهب أكثر هدوءا مقارنة ببقية المعادن. هذا السلوك يؤكد أن الطلب على الذهب لم يكن مدفوعا بالندرة الآنية، بل بالثقة في دوره كأصل استراتيجي.
ثالثا، الذهب والبنوك المركزية، علاقة تتجاوز التنويع
أحد أهم محركات الذهب في 2025 كان استمرار مشتريات البنوك المركزية. هذا الطلب لا يهدف إلى تحقيق عائد قصير الأجل، بل إلى تقليل الاعتماد على العملات الرئيسية، وعلى رأسها الدولار، في عالم تتزايد فيه المخاطر السياسية المرتبطة بالسياسة النقدية والتجارية.
عندما تشتري البنوك المركزية الذهب، فهي لا تراهن على سعر، بل على وظيفة. وظيفة التحوط من العقوبات، من تقلبات النظام النقدي، ومن تآكل الثقة في الأطر المالية القائمة. هذا النوع من الطلب يتميز بالاستمرارية، وهو ما يمنح الذهب قاعدة دعم يصعب كسرها بتصحيح سعري محدود.
رابعا، من الدولار إلى الذهب، تحول في مفهوم الملاذ الآمن
قبل عام 2022، كان الدولار الأمريكي هو المستفيد الأول من الصدمات الجيوسياسية. أما اليوم، فتشير البيانات إلى تحول واضح في هذا الدور لصالح الذهب. في الأزمات الأخيرة، كان رد فعل الذهب أقوى وأكثر استدامة مقارنة بالعملات التقليدية.
هذا التحول لا يعني نهاية دور الدولار، لكنه يعكس تراجعا في احتكاره لوظيفة الملاذ الآمن. في عالم ترتفع فيه الديون، وتتداخل فيه السياسة مع النقد، يصبح الأصل غير المرتبط بالتزامات سيادية خيارا أكثر جاذبية.
خامسا، السياسة النقدية والتضخم، دعم غير مباشر للذهب
رغم أن التوقعات بإعادة تسعير مسار الفائدة الأمريكية قد تشكل ضغطا مؤقتا على الذهب، إلا أن الصورة الأوسع تظل داعمة. تاريخيا، فترات خفض الفائدة العميق غالبا ما ترافقت مع انخفاض العوائد الحقيقية، حتى وإن تأخر هذا الأثر.
الأهم من ذلك أن التضخم، حتى وإن تراجع على المدى القصير، يظل أعلى وأكثر لزوجة مقارنة بدورات سابقة. هذا يعني أن الذهب يحتفظ بدوره كأداة تحوط ضد فقدان القوة الشرائية، وليس فقط كرهان على السياسة النقدية.
وأخيرًا السؤال الأهم، لماذا لا يبدو صعود الذهب مؤقتا؟
صعود الذهب في 2025 لم يكن نتيجة عامل عابر، بل نتاج تراكمي لتغيرات هيكلية في النظام المالي العالمي. نحن أمام عالم تتزايد فيه الصدمات، وتتراجع فيه فعالية أدوات التنويع التقليدية، وترتفع فيه حساسية الأسواق للسياسة والقرارات غير المتوقعة.
في هذا السياق، يصبح الذهب أقل ارتباطا بسيناريو واحد مثل التضخم أو الفائدة، وأكثر ارتباطا بفكرة أوسع، وهي فقدان اليقين. طالما استمر هذا الواقع، سيظل الذهب ليس مجرد أصل ضمن المحفظة، بل عنصرا مركزيا في إدارة المخاطر.
الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس على توقيت القمم أو القيعان، بل على فهم أن الذهب يعكس تغيرا في قواعد اللعبة، لا مجرد حركة سعرية عابرة.
