الذهب عالق بين 4,500 و4,900 دولار.. فمتى يتحول التذبذب إلى انفجار سعري؟
أهلًا بكم، في هذه القراءة أشارككم تقييمي الحالي لتطورات الملف الإيراني وانعكاسه المحتمل على الذهب والنفط ومؤشرات الأسهم والدولار الأمريكي خلال المدى القريب.
تدخل الأسواق العالمية مرحلة شديدة الحساسية، بعد أن أظهرت أحدث الإشارات الرسمية القادمة من طهران أن إيران رفضت وقف إطلاق النار بالصيغة المطروحة حاليًا، وأكدت بدلًا من ذلك أن أي حل يجب أن يقود إلى إنهاء دائم للحرب. وبحسب ما نقلته رويترز عن وكالة إرنا، فإن الرد الإيراني تضمن عشرة بنود، شملت قضايا مثل إنهاء الصراع الإقليمي، وبروتوكول المرور في مضيق هرمز، وتخفيف العقوبات، وإعادة الإعمار. الضبابية لا تزال مرتفعة، ولهذا نرى تحركات سريعة وغير مستقرة في الذهب، النفط، مؤشرات الأسهم، والدولار الأمريكي. وتفيد تقارير رويترز بأن واشنطن وطهران تدرسان مقترحًا لوقف إطلاق نار فوري، بوساطة باكستانية، يتبعه مسار تفاوضي أوسع خلال 15 إلى 20 يومًا.
هذا التطور مهم جدًا، لأنه يغيّر طريقة قراءة السوق للمشهد. قبل ساعات، كان هناك ميل للاعتقاد بأن هدنة مؤقتة أو اتفاقًا جزئيًا قد يكونان أقرب من انهيار المسار السياسي بالكامل، خاصة مع وجود إطار مطروح لوقف إطلاق نار فوري يتبعه مسار تفاوضي أوسع، نُقل للطرفين عبر وساطة باكستانية. لكن بعد الرد الإيراني الأخير، أصبح واضحًا أن طهران لا تريد أن تظهر بموقع القبول بتهدئة مؤقتة تحت الضغط، بل تسعى إلى رفع سقف التفاوض نحو شروط أوسع وأكثر ديمومة.
من وجهة نظري، هذا لا يعني أن باب الدبلوماسية أُغلق بالكامل، لكنه يعني أن فرصة التهدئة السريعة أصبحت أضعف قليلًا مما كانت تبدو عليه سابقًا. ولهذا فإن تقييمي الحالي خلال الساعات الـ24 إلى الـ72 المقبلة هو أن احتمال استمرار الشدّ السياسي والميداني، مع بقاء الوساطة قائمة من دون اختراق سريع، أصبح أعلى قليلًا من احتمال نجاح تهدئة فورية. أما الاتفاق الكامل والدائم، فما زال احتمالًا منخفضًا في هذه المرحلة، لأن الخلاف لم يعد فقط حول وقف إطلاق النار نفسه، بل حول شروط ما بعده أيضًا. هذا الاستنتاج مدعوم أيضًا باستمرار المساعي الدبلوماسية من جهة، وغياب الالتزام الإيراني النهائي من جهة أخرى.
المشكلة الأساسية في السوق الآن أن الدبلوماسية والتصعيد العسكري يتحركان معًا في الوقت نفسه. فبينما توجد مبادرات لوقف النار، لا يزال الضغط العسكري قائمًا، كما أن ملف مضيق هرمز ما زال نقطة حساسة جدًا في المعادلة. ووفق رويترز، فإن ضمان استخدام المضيق أصبح عنصرًا أساسيًا في أي تسوية محتملة، لأن أي اضطراب مستمر في هذا الممر يرفع المخاطر على تدفقات الطاقة العالمية ويُبقي الأسواق في حالة دفاعية.
السوق الآن لا يتعامل مع حدث سياسي واحد، بل مع مسارين متناقضين في وقت واحد: مسار وساطة ما زال حيًا، ومسار ميداني يضغط باتجاه مزيد من التصعيد. وهذا ما يفسر لماذا بقيت حركة الأصول سريعة ومتقلبة. النفط ما زال يتحرك عند مستويات مرتفعة في تداولات متقلبة، مع بقاء خام برنت قرب 109 دولارات للبرميل وغرب تكساس قرب 112 دولارًا، في ظل استمرار تعطل الإمدادات ورفض إيران إعادة فتح مضيق هرمز تحت التهديد. كما أن اضطراب المرور عبر المضيق، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، أبقى مخاطر الطاقة مرتفعة للغاية.
لهذا، أرى أن أقرب قراءة للسوق خلال الساعات أو الأيام القليلة المقبلة هي كالتالي:
السيناريو الأكثر احتمالًا هو وقف إطلاق نار مؤقت أو اتفاق جزئي أو تمديد نافذة التفاوض، يليه مباشرة سيناريو فشل المفاوضات وعودة موجة تصعيد جديدة، بينما يبقى الاتفاق النهائي والدائم هو الاحتمال الأضعف في المدى القريب. هذا الترتيب تدعمه أيضًا طريقة تفاعل الأسواق مع الأخبار؛ العقود الأمريكية الآجلة تماسكت، وأن أسعار النفط تراجعت من بعض قممها اللحظية بمجرد ظهور عناوين تتحدث عن هدنة محتملة، وهو ما يعكس أن المتعاملين لا يزالون يرون فرصة غير قليلة لتهدئة مؤقتة.
ماذا يعني ذلك للأسواق؟
أولًا: الذهب
الذهب لا يتحرك حاليًا كملاذ آمن بشكل بسيط ومباشر فقط. صحيح أن التوتر الجيوسياسي يدعم الطلب عليه، لكن في المقابل فإن ارتفاع أسعار النفط يزيد المخاوف التضخمية، وهذا قد يدفع الأسواق إلى تقليص رهانات خفض الفائدة الأمريكية، ما يحد من اندفاع الذهب لأن الفائدة المرتفعة تضعف جاذبية الأصول غير المولدة للعائد. الذهب بقي شبه مستقر قرب 4,680 دولار للأونصة، بينما يوازن السوق بين دعم التوترات الجيوسياسية وبين ضغوط السياسة النقدية الأمريكية.
رؤيتي هنا:
إذا تم الإعلان عن وقف إطلاق نار مؤقت، فقد يبقى الذهب متذبذبًا في البداية، لأن انحسار الخوف الجيوسياسي قد يضغط عليه، لكن إذا أدى ذلك أيضًا إلى هدوء النفط وتراجع مخاوف التضخم، فقد تخف الضغوط على توقعات الفائدة، وعندها يصبح اتجاه الذهب يرتفع بمساعدة انخفاض النفط.
أما إذا فشلت المفاوضات وتجدد التصعيد، فأرى أن الذهب سيكون من المتضررين على المدى القصير، خاصة إذا ترافق التصعيد مع مزيد من القلق بشأن مضيق هرمز والطاقة.
ثانيًا: النفط
النفط يبقى الأصل الأكثر حساسية في هذه الأزمة، لأن مضيق هرمز ليس مجرد عنوان سياسي، بل هو مسار حيوي جدًا لتدفقات الطاقة العالمية. أسعار النفط قفزت فوق 112 دولار للبرميل بفعل مخاوف الإمدادات، قبل أن تتراجع جزئيًا مع عودة الحديث عن هدنة. هذا يعني أن النفط حاليًا يتداول على احتمالات تعطّل الإمدادات أكثر من تداوله على العوامل التقليدية.
رؤيتي هنا:
إذا حصل وقف إطلاق نار أو تهدئة مؤقتة، فسيكون النفط مرشحًا للتراجع، لأن جزءًا كبيرًا من علاوة المخاطر الجيوسياسية قد يبدأ بالتلاشي.
أما إذا تدهور المسار السياسي، فأرى أن النفط قد يعود سريعًا إلى الارتفاع، لأن السوق سيعيد تسعير مخاطر الإمدادات بقوة أكبر.
ثالثًا: مؤشرات الأسهم
مؤشرات الأسهم، خصوصًا الأمريكية، تتحرك حاليًا بحذر شديد. ليست المشكلة فقط في الحرب نفسها، بل في ما تسببه من ضغط على أسعار الطاقة، والتضخم، ومسار الفائدة. وتوضح رويترز أن تدفقات الأسهم العالمية استفادت مؤخرًا من آمال التهدئة، لكن هذه الشهية تظل هشة جدًا ويمكن أن تنقلب بسرعة إذا انهارت المحادثات.
رؤيتي هنا:
إذا تم تثبيت وقف إطلاق نار مؤقت، فأرى أن المؤشرات ستتلقى دعمًا واضحًا، لأن السوق سيعتبر ذلك تراجعًا في المخاطر المباشرة على الطاقة والنمو العالمي.
أما إذا فشل التفاوض واستمر التصعيد، فالمؤشرات تبقى معرضة لضغوط جديدة، خصوصًا مع بقاء الفائدة الأمريكية المرتفعة لفترة أطول بسبب مخاوف التضخم.
رابعًا: الدولار الأمريكي
الدولار لا يزال مدعومًا نسبيًا بعاملين: الأول هو طلب الملاذ الآمن في أوقات التوتر،
والثاني هو تراجع احتمالات خفض الفائدة الأمريكية إذا بقي النفط مرتفعًا واستمرت الضغوط التضخمية. الدولار استقر بينما يراقب المستثمرون مزيجًا من تصعيد الحرب وآمال الهدنة، وهو ما يعكس حالة ترقب أكثر من كونه اتجاهًا حاسمًا.
رؤيتي هنا:
إذا ظهرت تهدئة موثوقة، فقد يفقد الدولار جزءًا من دعمه الدفاعي.
أما إذا فشلت المفاوضات، فأرى أن الدولار سيبقى مدعومًا، سواء من جانب التحوط أو من جانب الفائدة.
الخلاصة
من وجهة نظري، السوق لا يتداول الآن على التحليل الفني وحده، بل يتداول على العناوين السياسية، والمهل الزمنية، واحتمالات التصعيد أو التهدئة. وحتى تظهر إشارة رسمية وواضحة: إما وقف إطلاق نار فعلي، أو فشل صريح للمحادثات، ستبقى حركة الأسواق متذبذبة، سريعة، وحساسة جدًا لأي خبر جديد.
وبناءً على الصورة الحالية، أرى أن التهدئة المؤقتة ما زالت مرجحة بشكل طفيف على التصعيد الفوري الأوسع، لكن ليس بفارق مريح. لذلك، أي تفاؤل في السوق يبقى قابلًا للانعكاس السريع، وأي عنوان جديد قد يغير اتجاه الذهب، النفط، الأسهم، والدولار خلال وقت قصير جدًا.
