لماذا تراجع النفط (WTI) رغم تصاعد التوترات في الشرق الأوسط؟

تم النشر 30/07/2026, 09:56
في هذا المقال:

لطالما كان النفط أول الأصول استجابةً للأزمات الجيوسياسية، إذ يكفي اندلاع مواجهة عسكرية أو تصاعد التوتر في منطقة منتجة للطاقة حتى تقفز الأسعار بفعل ما يعرف بـ"علاوة المخاطر". إلا أن المشهد الحالي يبدو مختلفًا بصورة لافتة. فعلى الرغم من تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، واستمرار المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، واتساع المخاطر في البحر الأحمر، تراجع الخام الأمريكي دون مستوى 83 دولارًا للبرميل، في إشارة واضحة إلى أن السوق يعيد صياغة معادلة تسعير النفط.

ومن وجهة نظري، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد حركة تصحيحية، بل يعكس تحولًا هيكليًا في طريقة تفكير المستثمرين، حيث أصبحت الأسواق تميز بين المخاطر السياسية المحتملة والانقطاعات الفعلية في الإمدادات، وهو تحول ستكون له انعكاسات مهمة على اتجاه أسعار النفط خلال الأشهر المقبلة.

وبرأيي، فإن المستثمرين لم يعودوا يتعاملون مع الأخبار العسكرية بالطريقة نفسها التي اعتادوا عليها في العقد الماضي. فخلال السنوات الأخيرة، شهدت الأسواق العديد من الأحداث التي بدت في ظاهرها كفيلة بإشعال أسعار النفط، إلا أنها انتهت دون تأثير جوهري على تدفقات الخام العالمية.

وهذا التاريخ خلق حالة من الحذر لدى مديري المحافظ وصناديق التحوط، الذين أصبحوا ينتظرون الأدلة العملية على تعطل الإمدادات قبل إعادة تسعير المخاطر. ولهذا السبب، لم يكن مستغربًا أن تتغلب عمليات جني الأرباح بعد قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على أثر التصعيد العسكري، لأن السوق رأى أن العامل النقدي أكثر تأثيرًا في الأجل القصير من التهديدات التي لم تتحول بعد إلى أزمة حقيقية في جانب العرض.

وفي المقابل، لا أعتقد أن الأسواق على صواب في تجاهلها النسبي للمشهد الجيوسياسي. فالمنطقة تمر بمرحلة تتزايد فيها احتمالات سوء التقدير السياسي والعسكري، وهو العامل الذي لا يمكن قياسه بالنماذج الاقتصادية التقليدية. فكلما اتسعت دائرة الاشتباكات أو أصبحت الممرات البحرية الحيوية أكثر عرضة للاضطرابات، ارتفع احتمال انتقال الأزمة من البعد السياسي إلى البعد الاقتصادي، وهنا فقط ستتغير قواعد اللعبة. ولذلك، أرى أن المستثمرين يسعرون اليوم سيناريو الاستقرار أكثر مما يسعرون سيناريو التصعيد، وهو ما يجعل السوق معرضًا لتحركات عنيفة إذا جاءت التطورات الميدانية مخالفة للتوقعات.

وتزداد أهمية هذا التحليل عند النظر إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، اللذين يمثلان أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية. فمجرد استمرار التهديدات للملاحة البحرية يرفع تكاليف التأمين والنقل ويزيد من زمن وصول الشحنات، حتى وإن لم تتوقف الإمدادات بشكل مباشر. ومن وجهة نظري، فإن الأسواق لم تستوعب بالكامل التأثير التراكمي لهذه التكاليف، لأنها تركز على حجم الإنتاج أكثر من تكلفة إيصال البرميل إلى المستهلك النهائي. ومع استمرار الضغوط على حركة التجارة البحرية، قد يتحول هذا العامل تدريجيًا إلى عنصر داعم للأسعار حتى في غياب نقص فعلي في الإنتاج.

وفي الجانب الآخر من المعادلة، جاءت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية لتضيف عنصرًا لا يقل أهمية عن التطورات السياسية، بعدما أظهرت انخفاض مخزونات النفط الخام بأكثر من سبعة ملايين برميل، وهو تراجع تجاوز توقعات الأسواق بأكثر من الضعف.

وفي تقديري، فإن هذه البيانات تؤكد أن الطلب لا يزال أكثر تماسكًا مما كانت تتوقعه الأسواق، كما تشير إلى أن التوازن بين العرض والطلب لم يصل بعد إلى مرحلة الفائض التي يخشاها البعض. ولهذا أعتقد أن تجاهل الأسواق لهذه البيانات يعكس هيمنة المزاج الاستثماري قصير الأجل أكثر من كونه تقييمًا موضوعيًا لأساسيات السوق.

ولا يمكن فصل أداء النفط عن السياسة النقدية الأمريكية، فقرار الاحتياطي الفيدرالي بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير عزز من قوة الدولار وأبقى تكاليف التمويل مرتفعة، وهو ما حدّ من شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر والسلع الأولية.

لكن من وجهة نظري، فإن الأسواق ترتكب خطأ إذا افترضت أن السياسة النقدية ستظل العامل الوحيد المسيطر على حركة النفط. فالتاريخ يثبت أن الفيدرالي يستطيع التأثير في الطلب، لكنه لا يستطيع تعويض أي نقص مفاجئ في الإمدادات العالمية، وهو ما يجعل تأثير الجغرافيا السياسية أكثر حدة عندما يتحول من تهديد نظري إلى واقع عملي.

ومن زاوية استثمارية، أرى أن السوق يمر حاليًا بمرحلة صراع بين مدرستين؛ الأولى تراهن على تباطؤ الاقتصاد العالمي وضعف الطلب نتيجة استمرار أسعار الفائدة المرتفعة، بينما تراهن الثانية على أن المخاطر الجيوسياسية وتراجع المخزونات سيؤديان إلى إعادة فرض علاوة المخاطر على الأسعار. وحتى الآن، تبدو الكفة متوازنة، وهو ما يفسر استمرار التداول داخل نطاق سعري محدود رغم كثافة الأخبار المؤثرة.

وأعتقد إن كسر مستوى 83 دولارًا ليس إشارة كافية على تغير الاتجاه العام، بل أعتبره انعكاسًا لحالة التردد التي يعيشها المستثمرون. فالأسواق عادة لا تبدأ اتجاهًا هابطًا مستدامًا في ظل انخفاض المخزونات وارتفاع المخاطر الجيوسياسية، إلا إذا تزامن ذلك مع تدهور واضح في الطلب العالمي. وحتى اللحظة، لا توجد بيانات تؤكد هذا السيناريو بصورة قاطعة، ولذلك أعتقد أن أي تراجعات إضافية قد تتحول إلى فرص لإعادة بناء المراكز الشرائية إذا استمرت المؤشرات الأساسية في دعم السوق.

وفي تقديري، فإن الأشهر المقبلة ستشهد تغيرًا في ترتيب أولويات المستثمرين. فإذا استمرت المخزونات الأمريكية في الانخفاض، وواصلت أوبك+ التزامها بإدارة الإمدادات، بالتزامن مع أي تصعيد جديد في الشرق الأوسط، فإن السوق سيجد نفسه مضطرًا لإعادة تسعير المخاطر بسرعة، وقد تكون هذه التحركات أكثر حدة من الارتفاعات التدريجية المعتادة، لأن المستثمرين يدخلون المرحلة الحالية بمراكز أقل تحوطًا مقارنة بالفترات السابقة.

والخلاصة من وجهة نظري هي أن النفط لا يتجاهل الشرق الأوسط بقدر ما يؤجل تسعير مخاطره. فالسوق يعتقد أن الأحداث الحالية لم تصل بعد إلى مرحلة تهدد الإمدادات بشكل مباشر، ولذلك يمنح الأولوية للسياسة النقدية الأمريكية والبيانات الاقتصادية. غير أن هذا التوازن يبدو هشًا للغاية، لأن أي تغير في معادلة العرض، أو أي تعطيل فعلي للممرات البحرية أو الإنتاج، سيعيد الجغرافيا السياسية إلى صدارة المشهد، وقد يدفع النفط إلى تجاوز مستوياته الحالية بوتيرة أسرع مما تتوقعه الأسواق.

ولهذا أرى أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة اتجاه واضح بقدر ما ستكون مرحلة ارتفاع في التقلبات، حيث سيبقى النفط أسير معادلة دقيقة بين قوة الدولار، وتطورات الاقتصاد العالمي، ومخاطر الشرق الأوسط، وهي معادلة قد تنقلب في أي لحظة إذا تحولت التهديدات السياسية إلى اضطرابات حقيقية في سوق الطاقة العالمي.

أحدث التعليقات

👍
قم بتثبيت تطبيقاتنا
تابعونا على
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.