تبدو سياسات التعريفات الجمركية التي ينتهجها دونالد ترامب للوهلة الأولى وكأنها فوضى عشوائية تستهدف الحلفاء والخصوم على حد سواء، تثير تقلبات في الأسواق المالية، وتواجه انتقادات قوية باعتبارها غير متماسكة اقتصاديًا لكن تحت هذا السطح المضطرب، تكمن استراتيجية مدروسة تهدف إلى إعادة صياغة النظام الاقتصادي العالمي لصالح الولايات المتحدة هذه السياسات ليست مجرد ردود فعل متسرعة، بل هي رهان جريء لإحياء القطاع الصناعي في أمريكا، واستعادة قوتها الصناعية، والحفاظ على الدولار كعملة احتياطية عالمية.
الهدف: إحياء القطاع الصناعي الأمريكي وإعادة توجيه التجارة العالمية
في قلب هذه الاستراتيجية يكمن هدف واضح: مواجهة تراجع الصناعة التحويلية الأمريكية، التي انخفضت مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي من 28% في خمسينيات القرن الماضي إلى نحو 10% اليوم هذا التدهور لم يُفقر القاعدة الصناعية الأمريكية فحسب، بل أثار مخاوف أمنية وغذى دعمًا سياسيًا لترامب على سبيل المثال، أشار نائب الرئيس جي دي فانس إلى أن شركة صينية مملوكة للدولة صنعت في عام واحد سفنًا تجارية أكثر مما أنتجته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي فجوة قد تكون مصيرية في أي نزاع مستقبلي.
يرى فريق ترامب، بقيادة شخصيات مثل وزير الخزانة سكوت بيسينت والمستشار الاقتصادي ستيفن منوشين، أن التعريفات ليست مجرد أداة حماية، بل وسيلة لإعادة تشكيل العلاقات التجارية الدولية الهدف ليس فقط معاقبة الصين أو حماية صناعات محددة، بل استغلال الموقع الاقتصادي الفريد للولايات المتحدة لفرض نظام تجاري جديد يعزز مصالحها.
الدروس من التاريخ: بريتون وودز والنيوليبرالية
لفهم هذه الاستراتيجية، يجب النظر إلى النظامين الاقتصاديين اللذين هيمنت عليهما الولايات المتحدة في القرن الماضي:
1. **نظام بريتون وودز (1944-1971)**
بعد الحرب العالمية الثانية، ربطت الولايات المتحدة العملات العالمية بالدولار المدعوم بالذهب، وقدمت الحماية العسكرية، وفتحت أسواقها للحلفاء عزز ذلك مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية، لكنه سمح أيضًا لدول مثل اليابان بالنمو الصناعي على حساب أمريكا، مما أدى إلى تراجع القاعدة الصناعية الأمريكية بمرور الوقت مما ادلى ذلك الى انهيار النظام بسبب "معضلة تريفين"، حيث لم تتمكن احتياطيات الذهب من مواكبة الطلب العالمي على الدولار.
2. **النظام النيوليبرالي (الثمانينيات-2016)**
تبنى هذا النظام التجارة الحرة وأسعار الصرف المرنة، مما عزز هيمنة الدولار لكنه جعل الصادرات الأمريكية أقل تنافسية بسبب قوة العملة تفاقم الوضع مع انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، مما سرّع من تراجع القاعدة الصناعية الأمريكية ثم جاءت حرب ترامب التجارية في 2016 لتعلن نهاية هذا النظام، رافضة فكرة أن التجارة الحرة تصب دائمًا في مصلحة أمريكا.
يرى فريق ترامب أن هذين النظامين منحا أمريكا نفوذًا عالميًا مؤقتًا على حساب قوتها الصناعية، والتعريفات هي أداة لكسر هذا النمط.
الخطة الرئيسية: استراتيجية ثلاثية
صيغت خطة جريئة من ثلاث خطوات لإعادة بناء الصناعة الأمريكية مع الحفاظ على الدولار كعملة احتياطية:
1. الفوضى التعريفية لخلق النفوذ
تُفرض التعريفات بشكل واسع وغير متوقع على دول مثل كندا والصين لخلق ضغط تفاوضي يصف بيسينت التعريفات بأنها "الساق الثالثة" في استراتيجية التفاوض، حيث تتحمل أمريكا آلامًا قصيرة المدى (كتقلبات الأسواق) لإجبار الدول على التفاوض الهدف هو إثبات الجدية واستخدام مكانة أمريكا كأكبر سوق استهلاكي كسلاح.
٢. تعريفات متبادلة لتكافؤ الفرص
يُمهّد الاضطراب الطريق لنظام تعريفات متبادلة: فالدول التي تفرض رسومًا مرتفعة على السلع الأمريكية ستواجه رسومًا مماثلة. يعالج هذا النهج تلاعب الصين بالعملة وقمع الأجور، مما يُجبر الدول التي تعتمد على صادراتها بالدولار على الامتثال للمعايير المعمول بها.
٣. "اتفاقية مار-أ-لاغو"
الهدف النهائي هو إرساء اتفاقية عالمية جديدة تربط العملات بالدولار الأمريكي في هذا الإطار، تلتزم الدول المشاركة برفع قيمة عملاتها عند ارتفاع قيمة الدولار بشكل ملحوظ وصُممت هذه الاستراتيجية لتعزيز الصادرات الأمريكية، ومنح مزايا للدول "الخضراء" المتحالفة مع الولايات المتحدة، وفرض عقوبات على الدول "الحمراء" تهدف هذه الإجراءات إلى إضعاف الدولار استراتيجيًا، وبالتالي دعم الصناعة المحلية دون المساس بمكانته المهيمنة في السوق العالمية.
لماذا تبدو الخطة منطقية؟
تعتمد الخطة على نقاط قوة أمريكية فريدة:
- - هيمنة الدولار: كعملة احتياطية، يمنح الدولار أمريكا نفوذًا ماليًا هائلاً.
- - السوق الاستهلاكية: كأكبر مستورد عالمي، تملك أمريكا القدرة على الضغط على الاقتصادات المصدرة.
- - السوابق التاريخية: نجحت أمريكا سابقًا في إعادة تشكيل التجارة العالمية عبر أنظمة مثل بريتون وودز.
- يرى فريق ترامب أن النظام الحالي يهدد الأمن القومي بسبب ضعف الصناعة، والتعريفات هي أداة لفرض نظام جديد يركز على أمريكا.
- النجاح ليس مضمونًا، إذ تواجه الخطة تحديات كبيرة:
- - الثقة: يجب أن يثق الحلفاء بأمريكا، لكن سجل ترامب في تمزيق الاتفاقيات يثير الشكوك.
- - التداعيات الاقتصادية: قد تؤدي الفوضى الطويلة إلى ركود يضر بالهدف الأساسي.
- - الصين: قوتها الصناعية قد تعطل الخطة، مما يضع أمريكا أمام خيار بين الدولار والصناعة.
فوضى تعريفات ترامب ليست عشوائية، بل هي استراتيجية مدروسة تهدف إلى إعادة تشكيل نظام عالمي تعتبره إدارته ظالمًا للولايات المتحدة و تتضمن هذه الاستراتيجية استغلال نفوذ الرسوم الجمركية، والسعي إلى اتفاقيات تجارية متبادلة، والدعوة إلى اتفاق عالمي جديد تسعى الخطة إلى استعادة القوة الصناعية مع الحفاظ على هيمنة الدولار إنها تمثل رؤية طموحة تتطلب مرونة اقتصادية ومهارة دبلوماسية قد يؤدي فشل هذه الاستراتيجية إلى عزلة أمريكا، بينما قد يُبشر نجاحها بعصر اقتصادي جديد وهكذا، فإن ما يبدو فوضى هو في الواقع مقامرة كبيرة على مستقبل يتمحور حول المصالح الأمريكية.