أزمة السندات: هل دخل الاقتصاد الأمريكي في منطقة الخطر؟

تم النشر 22/05/2025, 10:00

أزمة السندات: هل دخل الاقتصاد الأمريكي في منطقة الخطر؟

 



في لحظة حرجة من عمر الاقتصاد الأمريكي، ومع تصاعد الضغوط السياسية والمالية، هزّت الأسواق موجة من القلق يوم الأربعاء الماضي، إثر نتائج مخيبة لمزاد سندات الخزانة طويلة الأجل، بالتزامن مع مخاوف متزايدة بشأن مشروع قانون ضريبي ضخم تقدّمه الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب.

عائدات ترتفع... وأسهم تتراجع

ارتفع عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عامًا إلى 5.096%، وهو أعلى مستوى منذ نهاية عام 2023. هذا الرقم ليس مجرد نسبة مئوية، بل يمثل ترجمة دقيقة لمدى القلق الذي يعيشه المستثمرون حاليًا. فالطلب الضعيف على السندات في المزاد الأخير عكس فقدان الثقة، لا في الأداء الاقتصادي فقط، بل في الاتجاهات المستقبلية للمالية العامة الأمريكية.

بالتوازي مع ذلك، تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 1.2%، ما يُشير إلى إحجام واضح عن الأصول المرتبطة بالمخاطر، وعودة تدريجية نحو الحذر في أروقة وول ستريت.

ترامب والضرائب: مشروع قانون يُقلق الجميع

الضجة لا تتعلق فقط بالبيانات، بل بالمشهد السياسي كذلك. فخطة ترامب الضريبية، التي وصفها بأنها "جميلة وضخمة"، قد تُضيف وفقًا لبعض التقديرات أكثر من 3 تريليونات دولار إلى الدين العام الأمريكي خلال السنوات العشر المقبلة.

وهذا الرقم وحده كافٍ لإعادة صياغة توقعات السوق، إذ دفع وكالة "موديز" مؤخرًا إلى خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة، في ضربة جديدة لمكانة الاقتصاد الأمريكي عالميًا، بعد أن كانت البلاد تحتفظ بتصنيف ممتاز لعقود طويلة.

السندات... من يشتري ولماذا؟

لغير المتخصصين، تبدو السندات الحكومية أشبه بأدوات مالية معقدة، لكنها في جوهرها وسيلة للحكومة لجمع التمويل من الأسواق. فهي أشبه بوعد مكتوب بسداد الدين في وقت معين، بفائدة محددة. وتُفضّل المؤسسات المالية الكبرى – مثل صناديق التقاعد والبنوك المركزية – هذا النوع من الاستثمار بسبب ما يفترض فيه من أمان نسبي.

لكن، عندما يتزايد العجز وتقل ثقة السوق، تبدأ هذه المعادلة في الانهيار.

مزاد متعثر... ورسائل سلبية

خلال مزاد يوم الأربعاء، عرضت وزارة الخزانة سندات بقيمة 16 مليار دولار لأجل 20 عامًا، لكن الطلب جاء ضعيفًا. البنوك الرئيسية – التي تُجبر على شراء السندات المتبقية – اشترت ما نسبته 16.9% فقط، مقارنة بمتوسط 15.1%، وهي نسبة تعكس التراجع الواضح في شهية السوق.

وفي كلمات لا تخلو من القلق، قال "إيان لينغن" من BMO:

"المزاد كان ضعيفًا... والأسواق باتت تركّز بشدة على عجز الميزانية."

أما "بوجا كومرا" من TD Securities، فكانت أكثر صراحة:

"السوق لا ترغب في السندات طويلة الأجل الآن.

بماذا يهم هذا المواطن العادي؟

قد يظن البعض أن هذه التحركات لا تعنيه، لكن الحقيقة أن كل ارتفاع في عائد السندات يعني ارتفاع تكلفة الاقتراض في الاقتصاد ككل.

فالمنازل الجديدة تُصبح أغلى تمويلاً بسبب قفزة في معدلات الرهن العقاري.

  • بطاقات الائتمان ترتفع فوائدها.
  • الشركات الصغيرة تجد نفسها محرومة من التمويل الرخيص، ما يهدد نموها وحتى بقائها.

كما أن زيادة إنفاق الحكومة على فوائد الدين يعني أموالًا أقل للإنفاق على البنية التحتية، التعليم، والرعاية الصحية.الصين في الخلفية... لكن بظل ثقيل

من بين أكبر حاملي السندات الأمريكية نجد الصين، التي تُعد ثاني أكبر دائن للولايات المتحدة بعد اليابان. وخلال السنوات الأخيرة، وخصوصًا مع اشتداد الحرب التجارية، ارتفعت المخاوف من أن تستخدم بكين هذه الورقة كسلاح سياسي – عبر تقليص حيازتها من السندات أو حتى بيعها بكثافة في السوق.

هذا السيناريو، وإن كان نادرًا، يبقى كابوسًا للأسواق، وقد يؤدي إلى ارتفاع جنوني في العوائد وهروب جماعي من السندات، بما يُشعل أزمة ثقة حقيقية.

 

في الختام... هل نحن أمام بداية الانفجار؟

ارتفاع العوائد، تراجع المزادات، مشروع قانون ضريبي مثير للجدل، وتصنيف ائتماني مهدد… كلها إشارات لا يمكن تجاهلها.

الأسواق قد تتحمل بعض المخاطر لبعض الوقت، لكنها لا تتسامح مع فوضى مالية مستمرة.

ومن هنا، فإن الأيام والأسابيع المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الاقتصاد الأمريكي يتجه إلى تصحيح مالي طبيعي، أم أننا نقترب من مفترق طرق حقيقي يحمل في طياته عواقب عالمية.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.