مؤشر داو جونز يتجاوز 50,000 للمرة الأولى مع ارتفاع أسهم الشركات الكبرى
في لحظات معينة من التاريخ، لا يُقاس سعر النفط بالدولار، بل يُقاس بالدخان المتصاعد من مضيق هرمز، وبالبيانات المرتبكة التي تصدر من واشنطن، وبالهلع الصامت الذي ينتشر في مراكز التداول حول العالم.
ها نحن اليوم، أمام مشهدٍ يتكرر بتوترٍ أشد، كأنما العالم لم يتعلم شيئًا من مآسيه. الشرق الأوسط – هذه الرقعة الجغرافية الملعونة بالنفط والجيوبوليتيك – تعود مجددًا لتتصدر النشرات، لكن هذه المرة، ليست مجرد مواجهة تقليدية، بل لعبة شطرنج نووية تُلعب على حافة برميل نفط.
تراجعت أسعار الخام صباح اليوم في الأسواق العالمية، رغم أنها أغلقت على مكاسب صاخبة بالأمس. البعض يراها حركة تصحيح، والبعض الآخر يهمس: إنها هدوء ما قبل العاصفة. الأسواق لم تعد تكتفي بقراءة الرسوم البيانية، بل باتت تراقب تصريحات الجنرالات، وتحلل مقاطع الفيديو المتسربة من منشآت محترقة.
النفط اليوم لم يعد مجرّد سلعة تُضارب عليها الصناديق، بل أصبح "حسّاسًا جيوسياسيًا"، يقيس نبض الصراع لا بحجم البراميل، بل بعدد الصواريخ المتبادلة بين تل أبيب وطهران.
لكن… لماذا لم ترتفع الأسعار أكثر؟ لماذا لم نشهد قفزات صاروخية كما حدث في أزمات سابقة؟ وهل هذا التراجع المفاجئ يعكس طمأنينة حقيقية، أم أنه فخ سيكولوجي تنصبه الأسواق قبل الانفجار؟
في هذا المقال، نغوص في عمق هذا المشهد المتوتر، ونفكك الخيوط المتشابكة بين منطق السوق وآلة الحرب، لنكشف أين تقف أسواق الطاقة في لحظة مفصلية… لحظة قد تعيد تشكيل معادلة الاقتصاد العالمي لعقدٍ قادم.
حين تتحدث السوق: قراءة في تراجع الأسعار رغم التصعيد
في جلسة الثلاثاء، قفز النفط قرابة 4% دفعة واحدة، مع تصاعد المخاوف من انقطاع محتمل للإمدادات عقب الهجمات الإسرائيلية على منشآت إيرانية. لكن هذا الصعود، الذي بدا منطقيًا في لحظته، انقلب صباح الأربعاء إلى تراجع بنسبة تقارب 1.2%، وكأن السوق تقول: "نحن نراقب… لكننا لم نُصَدِّق بعد".
هذا التذبذب ليس حركة سعر عادية، بل مرآة تعكس صراعًا داخليًا بين توقعين:
-
الأول: أن الصراع سيتطور فعلاً إلى تهديد مباشر لإمدادات النفط.
-
الثاني: أن "منطق المصالح" سيعيد الأطراف إلى حافة الهاوية دون السقوط فيها، كما حدث مرارًا في السنوات الماضية.
لكن ما تغير اليوم، أن "حافة الهاوية" باتت أضيق، واللاعبون أقل عقلانية. إسرائيل تتحدث بلغة الردع القصوى، وإيران لا تُخفي نيتها في استهداف المنشآت الاستراتيجية إذا استمرت الضربات، والولايات المتحدة بدورها تُرسل رسائل متضاربة، ما بين التصعيد والتهدئة، بينما الرئيس ترامب يتعامل مع الشرق الأوسط كأنه إحدى حلقات برنامجه الواقعي.
السوق تستشعر الخطر، لكنها تتصرف كأن لديها وقتًا… أو هامش مناورة.
العلاوة الجيوسياسية: كيف تتسع الفجوة بين الخامات؟
من اللافت في حركة السوق الأخيرة، أن علاوة خام برنت – وهو المعيار الأوروبي والدولي – قفزت إلى أكثر من 3 دولارات فوق خام دبي، وهو المعيار الشرق أوسطي. هذه القفزة ليست مجرد فرق عرض وطلب، بل تعني شيئًا أعمق: أن السوق تعاقب الخام القادم من الشرق الأوسط عبر تسعيره بعامل خطر إضافي.
ببساطة، المستثمرون والمؤسسات الكبرى لا يريدون تحمل مخاطر جيوسياسية إضافية دون مقابل. فحتى لو لم تتعطل الإمدادات فعليًا، فإن مجرد احتمال تعطلها يكفي لخلق فجوة سعرية تنعكس على كل سلسلة التوريد.
مضيق هرمز: الشريان تحت التهديد
هنا لا بد أن نُعيد التذكير بحقيقة مُرعبة قلّما تُذكر بصوت مرتفع: نحو 20% من النفط المنقول بحرًا في العالم يمر يوميًا عبر مضيق هرمز.
وهذا يعني ببساطة: إذا تحوّلت الحرب الكلامية إلى ضربات موجهة لمنشآت البنية التحتية أو السفن التجارية، فإن السوق ستقفز إلى مستويات صادمة، تتجاوز بسهولة حاجز الـ90 دولارًا، وربما 100، في غضون ساعات.
حتى الآن، لم تقع الكارثة. لكن هل يمكن الاعتماد على أنها لن تقع؟
الواقع يقول: ليس في 2025.
أمريكا على المسرح: ما بين "ترامب الاستعراضي" و"الفيدرالي المتردد"
في لحظات التوتر العالمي، تبحث الأسواق عن إشارات من القوى الكبرى، غالبًا من واشنطن. لكنها هذه المرة، لم تجد إلا تناقضًا صارخًا: من جهة، رئيس أميركي سابق يعود إلى المشهد بخطاب تصعيدي غير تقليدي؛ ومن جهة أخرى، بنك مركزي يسير على خيط رفيع بين خفض الفائدة وكبح التضخم.
في ظهوره الأخير، دعا دونالد ترامب إيران إلى ما وصفه بـ"الاستسلام غير المشروط"، في نبرة أقرب لخطاب عسكري منها إلى تصريح دبلوماسي. بالتزامن، غادر اجتماع مجموعة السبع مبكرًا، في مشهد فسره دانييل يرغن – أحد أبرز مؤرخي النفط – بأنه "رسالة ضمنية بأن واشنطن تستعد لشيء غير تقليدي".
هذه التصريحات لم تكن في فراغ، بل تزامنت مع معلومات استخبارية عن نقص حاد في صواريخ “آرو” الإسرائيلية المضادة للصواريخ الباليستية، مما يزيد من هشاشة الوضع الأمني ويجعل أي خطأ استراتيجي – حتى وإن كان غير مقصود – سببًا في انفجار إقليمي واسع.
لكن المشكلة لا تقف عند الساحة السياسية، بل تتعمق في غرفة الفيدرالي.
مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في خضم اجتماع بالغ الأهمية، حيث يتردد بين الإبقاء على سعر الفائدة مرتفعًا لكبح التضخم، وبين الاستجابة لمؤشرات تباطؤ الاقتصاد العالمي وبيانات محلية مقلقة. وهنا تبرز المعضلة: التصعيد في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، ما يعني تضخمًا جديدًا، يُصعب على الفيدرالي تبرير أي تخفيض قادم في أسعار الفائدة.
ومع ذلك، هناك من يراهن على خفض الفائدة… حتى قبل سبتمبر.
توني سيكامور، من "آي جي"، يرى أن تصاعد التوتر قد يدفع الفيدرالي إلى تبنّي لهجة أكثر اعتدالًا، أو حتى إقرار خفض مبكر، كما فعل في أعقاب أحداث 7 أكتوبر 2023. الفكرة بسيطة: الركود أخطر من التضخم، إذا كانت الحرب على الأبواب.
السوق تفهم هذا جيدًا. لذلك نشهد مفارقة: خطر الحرب يرفع أسعار النفط من جهة، بينما احتمال خفض الفائدة يزيد شهية المخاطرة من جهة أخرى.
أوبك بلس في وضع الانتظار: هل تكفي الطاقة الفائضة لتبريد الأزمة؟
حين تبدأ المدافع بالهدير، تتحول أنظار السوق فورًا نحو منظمة "أوبك" وحلفائها، لا باعتبارهم أصحاب القرار، بل باعتبارهم "صمّام الأمان الأخير". والسؤال الملح اليوم: هل لدى أوبك بلس القدرة على ملء الفراغ إذا توقف النفط الإيراني فجأة؟
لنكن صريحين: إيران ليست منتجًا هامشيًا. تنتج قرابة 3.3 ملايين برميل يوميًا، يصدر جزء كبير منها رغم العقوبات، غالبًا إلى الصين عبر شبكات غير رسمية أو عبر تخفيضات ضخمة لجذب المشترين. وفي حال توقف هذه الكميات بشكل كامل – سيناريو غير مرجّح لكنه مطروح – فإن السوق قد يخسر لاعبًا كبيرًا فجأة.
لكن… ماذا عن الطاقة الفائضة؟
تقديرات "فيتش" تشير إلى أن أوبك بلس تمتلك طاقة إنتاجية فائضة تصل إلى نحو 5.7 ملايين برميل يوميًا. رقم نظري مريح على الورق. لكن السوق تعلم أن ليس كل فائض قابل للاستخدام الفوري، وليس كل دولة مستعدة للضغط على مكامنها دون مقابل سياسي أو تفاوضي.
السعودية: بين ضبط السوق وقراءة الإشارات السياسية
الرياض، باعتبارها المنتج المرجح والأكثر قدرة على التدخل، تواجه معضلة مزدوجة:
-
التدخل السريع لملء الفجوة – في حال تعطل نفط إيران – قد يُنظر إليه على أنه اصطفاف غير مباشر ضد طهران.
-
الإحجام عن التدخل قد يُحمّل السعودية مسؤولية انفلات السوق، وهي التي تبنت طيلة الأشهر الماضية سياسة تثبيت الأسعار ضمن نطاق 75 – 85 دولارًا للبرميل.
من هنا، يُتوقع أن تُراقب السعودية الموقف عن كثب، وأن تتدخل – إن فعلت – بشكل مدروس، تدريجي، وبعيد عن أي إيحاء سياسي مباشر. وهذا النمط من التدخل يعني أن الأسواق لن تهدأ إلا بعد تأكيدات ملموسة، ما يترك الأسعار في مساحة تذبذب خطيرة خلال الأيام المقبلة.
روسيا: الحاضر الغائب
أما موسكو، فهي تراقب من بعيد… لكنها تستفيد من بعيد أيضًا. فكل ارتفاع مفاجئ في الأسعار يعوّض جزءًا من خسائرها الناتجة عن العقوبات الأوروبية. لكن قدرتها الفعلية على زيادة الإمدادات محدودة، بسبب العقوبات الفنية والمالية، وتعقيدات تشغيل منشآتها.
بل قد تجد روسيا في هذه الأزمة فرصة لتعزيز تحالفاتها مع الصين والهند من خلال صفقات خاصة بأسعار تفضيلية، وهو ما قد يغيّر خريطة تدفق النفط خلال الأشهر المقبلة.
رائع، نكمل الآن الجزء الخامس من المقال، والذي يتناول الأبعاد الدولية الأوسع، ويطرح سؤالًا أكبر من مجرد تحركات السعر: هل نحن أمام أزمة طاقة عابرة، أم أمام إعادة رسم عميقة لخريطة النظام الاقتصادي العالمي؟
ما وراء البرميل: هل نشهد أزمة طاقة… أم بداية نظام عالمي جديد؟
منذ بداية القرن الحادي والعشرين، تعودت الأسواق على "هزات نفطية" تتبعها موجات استقرار نسبي. لكن ما نعيشه اليوم لا يشبه شيئًا مما سبق. فالأمر لا يتعلق فقط بسعر البرميل، بل بهشاشة سلاسل الإمداد، وتحول موازين القوى العالمية، وسؤال مقلق يلوح في الأفق: هل ما نشهده هو أزمة طاقة تقليدية… أم مقدمات لتفكك النظام الاقتصادي العالمي كما نعرفه؟
في السابق، كانت الولايات المتحدة تضبط إيقاع السوق من موقع الهيمنة المطلقة. اليوم، تواجه واشنطن شرقًا أكثر استقلالًا، وغربًا مترددًا، وداخليًا منقسمًا. أما أوروبا، فهي تُصارع تضخمًا طاقويًا لم تتعافَ منه منذ أزمة أوكرانيا، والبدائل التي راهنت عليها – من الغاز المسال إلى الطاقة الخضراء – لم تثبت قدرتها بعد على تأمين استقرار استراتيجي.
الشرق الأوسط يعود إلى المركز
وفي قلب هذا كله… يقف الشرق الأوسط. لا كمنطقة بترول فحسب، بل كمسرح رئيسي لإعادة التوازن الجيوسياسي العالمي.
-
إيران تسعى لتثبيت نفسها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، رغم العقوبات والضغوط.
-
إسرائيل تشعر – ربما لأول مرة منذ عقود – بتهديد وجودي فعلي من صواريخ بعيدة المدى لا يمكن إسقاطها جميعًا.
-
دول الخليج – وعلى رأسها السعودية والإمارات – تتعامل مع المشهد بحذر شديد، مدركة أن أي انزلاق سيعني حربًا باردة جديدة، ولكن بوقود أغلى… وأعصاب مشدودة.
النفط كأداة سياسة… وليس فقط سلعة سوقية
حين نقرأ تحركات الصين – التي ضاعفت استيرادها من النفط الروسي والإيراني بأسعار مخفضة – ندرك أن النفط عاد ليُستخدم كأداة جيوسياسية. الهند كذلك تلعب لعبة التوازن، تشتري من هنا، وتفاوض هناك، وتُعيد تصدير مشتقات بأرباح ضخمة. العالم لم يعد يقبل بالتبعية الطاقوية على الطريقة القديمة.
وبينما تراقب واشنطن تحركات موسكو وطهران وبكين، تزداد قناعة اللاعبين بأن "مركز الثقل" لم يعد في نيويورك ولندن وحدهما، بل بدأ يميل نحو آسيا الوسطى، وبحر الصين، والخليج العربي.
نقطة التحوّل: هل تتحوّل الأسواق إلى رهينة دائمة للجيوسياسة؟
لو عُدنا 10 سنوات إلى الوراء، لرأينا أن الأسواق كانت تُقاوم السياسة. تتحرك بتأثير مؤقت ثم تعود لحسابات العرض والطلب. أما اليوم، فالأسواق أصبحت رهينة مباشرة للمواقف السياسية، وتحركات الطائرات، وحتى التغريدات.
-
أي تصريح من ترامب أو نتنياهو أو خامنئي… كفيل بتحريك السوق أكثر من بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
-
أي خلل في أنظمة الصواريخ الدفاعية الإسرائيلية… يُترجم إلى قفزة في علاوة التأمين على ناقلات النفط.
-
أي حديث عن إغلاق مضيق هرمز… يُتداول على الفور في قاعات الاجتماعات في طوكيو وسنغافورة وواشنطن.
هذه حالة انكشاف اقتصادي خطير، لا على النفط وحده، بل على مفهوم الأمن الطاقوي ذاته.
ما العمل… وهل من مفر؟
الأسواق اليوم لا تحتاج إلى تحليل تقني، بل إلى بوصلة سياسية.
النفط لن يعود إلى استقراره السعري في ظل اضطراب سياسي دائم. وكل حديث عن "نطاق سعري عادل" لم يعد أكثر من حلم بين سطور تقارير المؤسسات المالية الكبرى.
الرهان الآن لم يعد على السعر، بل على "القدرة على الصمود".
هل تستطيع الاقتصادات أن تتأقلم مع واقع جديد، تصبح فيه الجغرافيا أهم من التكنولوجيا، والسياسة أهم من الأسواق؟
ما نراه اليوم ليس مجرد أزمة نفط. إنها لحظة تحوّل في بنية النظام العالمي.
والسؤال الأهم ليس كم سيبلغ سعر البرميل… بل: من سيتحكم فيه في العقد القادم؟
