الضربة الأميركية لإيران وتحوّلات الجغرافيا الاقتصادية العالمية

تم النشر 22/06/2025, 20:28

 

زمن التوازنات الصعبة

في عالم يزداد تشابكه وتعقيده، لم تعد الضربات العسكرية مجرد أحداث أمنية منفصلة، بل باتت مفاصل حرجة تعيد رسم خرائط اقتصادية واستراتيجية تتجاوز لحظتها المباشرة. الضربة الجوية الأميركية التي استهدفت ثلاثة مواقع نووية إيرانية في عمق الأراضي الإيرانية فجر 22 يونيو 2025، لم تكن استثناءً عن هذه القاعدة، بل مثلت نقطة تحوّل نوعية تُلقي بظلالها على استقرار أسواق الطاقة، وتعيد إحياء المخاوف القديمة بشأن أمن الممرات الملاحية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز.

لكنّ ما يزيد من خطورة اللحظة ليس فقط طبيعة الضربة، بل السياق الذي جاءت فيه: ركود عالمي يلوح في الأفق، أسواق طاقة في حالة تأهب دائم، وبنوك مركزية تدير معركتها مع التضخم بأسلحة نقدية محدودة. أمام هذا المشهد، نعيش لحظة تستحق قراءة أعمق لا تكتفي بالتعليق، بل تحاول فهم البُنى التي تهتز تحت السطح: بنى الأسواق، العلاقات الجيوسياسية، ونُظم الاعتماد المتبادل بين الشرق والغرب.

أولًا: الضربة في سياقها – من الحدث إلى الفعل السياسي والاقتصادي

بعيدًا عن لغة التصعيد، جاءت الضربة الأميركية وفق رواية البنتاغون «مدروسة ودقيقة»، تهدف إلى تقويض خطوط الإنتاج النووي لإيران دون إحداث أضرار شاملة على المدنيين أو البنية التحتية العامة. إلا أن إيران اعتبرت الهجوم «انتهاكًا صارخًا لسيادتها»، متوعدةً برد يتناسب مع "حجم العدوان".

لكنّ خلف هذا الشد والجذب السياسي، تكمن معادلة أكثر تعقيدًا: منطقة الخليج، وعلى رأسها دول مجلس التعاون، تمثل العصب الرئيسي لإمدادات الطاقة العالمية، وتحديدًا النفط والغاز الطبيعي المسال. ما يفرض على أي تحليل موضوعي أن يفرّق بين "الموقع الجغرافي للصراع" وبين "الأطراف الفاعلة فيه"، دون إقحام دول خليجية مسؤولة وواعية في أتون صراع لا تنتمي إليه بشكل مباشر.

الدول الخليجية لطالما مثّلت ركيزة استقرار أسواق الطاقة، ومصدر ثقة لدى المستهلكين العالميين بفضل سياساتها الرشيدة، وعلاقاتها المتوازنة مع القوى الدولية. غير أن أي اضطراب في الممرات الملاحية، كإغلاق محتمل لمضيق هرمز، سيكون له أثر مباشر على الجميع، بمن فيهم هذه الدول نفسها، ما يعزز من أهمية الحفاظ على الأمن البحري كقضية جماعية لا تخص طرفًا واحدًا.

ثانيًا: الرد الإيراني... سيناريوهات مفتوحة وتداعيات مغلقة

وفقًا لتحليلات مركز بلومبيرغ إيكونوميكس، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للرد الإيراني، تتفاوت في درجتها وآثارها:

1.  الرد المحدود (الرمزي):

يشمل استهداف مواقع عسكرية أميركية في المنطقة دون التصعيد نحو حرب شاملة. هذا الخيار، وإن كان يهدف إلى حفظ ماء الوجه الإيراني، يبقى في حدود «اللعبة الجيوسياسية التقليدية».

الأثر الاقتصادي:

  • ارتفاع محدود في أسعار النفط (5–10%).

  • قلق مؤقت في الأسواق، يُعالج بتدخلات احترازية من البنوك المركزية.

  • احتمالات عودة سريعة للدبلوماسية، بدعم من القوى الآسيوية والأوروبية.

 

2.  استهداف البنية التحتية الإقليمية:

إذا ما لجأت طهران إلى استهداف منشآت نفطية أو غازية في الخليج العربي، فإن التصعيد يأخذ طابعًا نوعيًا خطيرًا، يهدد الإمدادات مباشرة.

الأثر الاقتصادي:

  • قفزات في أسعار النفط تتجاوز 100 دولار للبرميل.

  • اهتزاز في بورصات طوكيو، فرانكفورت، ونيويورك.

  • اضطرابات في موازنات الدول المستوردة للطاقة، وتضخم قد يبلغ 3–4% عالميًا.

 

3.  إغلاق مضيق هرمز:

هذا السيناريو الكارثي، إن تحقق، سيُحدث هزة اقتصادية تفوق بأثرها أي عمل عسكري تقليدي. نحو 20% من إمدادات النفط العالمي تمر عبر هذا الممر.

الأثر الاقتصادي:

  • أسعار النفط تقفز إلى 130–140 دولارًا.

  • انهيارات محتملة في أسواق الأسهم الناشئة.

  • تأجيل خفض الفائدة في أميركا وأوروبا.

  • تضخم عالمي يتجاوز المستويات الآمنة، وعودة السياسات التقشفية.

 

ثالثًا: الآثار الكبرى على الاقتصاد العالمي

1.  الطاقة: سلعة التوتر الكبرى

أسواق النفط لن تعود إلى مستويات الاستقرار بسهولة. حتى دون إغلاق المضيق، فإن أي اضطراب في المنطقة ينعكس على الأسعار، والمضاربون يدركون ذلك.

  • أوروبا ستواجه أزمات غاز طبيعي بسبب تراجع الإمدادات من الشرق الأوسط.

  • الصين، التي تعتمد بشكل متزايد على واردات النفط الإيراني والخليجي، ستضطر لإعادة ترتيب أولوياتها الجيوسياسية.

  • الولايات المتحدة، رغم استقلالها النسبي في إنتاج النفط، لن تكون محصنة من التضخم.

 

2.  التضخم والسياسة النقدية: الخيارات المعقدة

ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي مباشرة إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج.

  • الاحتياطي الفدرالي سيُضطر إلى تأجيل خفض الفائدة.

  • البنك المركزي الأوروبي سيجد نفسه بين مطرقة الركود وسندان التضخم.

  • البنوك المركزية في الدول الناشئة قد تلجأ إلى رفع الفائدة رغم تباطؤ النمو، ما يزيد الضغط الاجتماعي والاقتصادي.

 

3.  التجارة وسلاسل الإمداد: العودة إلى النقاط الحرجة

إذا تعطلت الملاحة في الخليج، ستتأثر ليس فقط إمدادات النفط، بل أيضًا مسارات شحن السلع، من الإلكترونيات إلى الأغذية.

  • الشركات العالمية قد تبدأ في تسريع استراتيجيات "إعادة التموضع" الجغرافي للمصانع والموانئ.

  • التأمين البحري سيشهد ارتفاعًا جنونيًا، يُحمّل على أسعار السلع النهائية.

  • دول آسيوية، خصوصًا الهند وكوريا الجنوبية، ستتأثر مباشرة بإطالة مدة الشحن وكلفة الاستيراد.

 

رابعًا: العالم على الطاولة… ما بعد الضربة؟

الموقف الدولي يتباين:

  • الولايات المتحدة تعلن أن الضربة دفاعية، وتبقي الباب مفتوحًا للدبلوماسية، لكنها تلوّح بالخيار العسكري الكامل في حال التصعيد الإيراني.

  • روسيا والصين تدعوان إلى التهدئة، لكن مصالحهما في استقرار أسواق الطاقة تجعلهما طرفًا غير محايد بالكامل.

  • دول الخليج تلتزم التوازن، وتدعو إلى ضبط النفس، مستندة إلى سجلها كداعم رئيسي لاستقرار السوق العالمي للطاقة، دون انخراط مباشر في التصعيد القائم.

 

الاختبار الآن هو في كيفية إدارة الأزمة لا في نقاط الصدام وحدها. هل نذهب نحو "أمن جماعي للممرات البحرية"؟ أم يُترك الخليج رهينة التوترات الثنائية بين طهران وواشنطن؟

خامسًا: خارطة طريق للخروج من الأزمة

1.  تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية

ما يحتاجه العالم الآن ليس فقط مفاوضات سياسية، بل مفاوضات اقتصادية حول أمن الطاقة، سعره، وممراته. إطلاق "منتدى دولي لأمن الطاقة"، بمشاركة الخليج، إيران، والقوى الكبرى، قد يكون مدخلًا عمليًا.

2.  الاستثمار في البنية التحتية البديلة للطاقة

التحول إلى الطاقة النظيفة، وتعزيز القدرات التخزينية للدول الصناعية، يجب أن يكون أكثر من مجرد شعار.

  • الاتحاد الأوروبي مطالب بتسريع خطط الطاقة البديلة.

  • الصين والهند بحاجة لاستثمارات في الأمن الطاقوي الداخلي.

  • أميركا مطالبة بتحييد سياستها النقدية عن الصدمات الجيوسياسية المؤقتة.

 

3.  إعادة التفكير في سلاسل الإمداد

العالم لا يمكنه أن يعتمد كليًا على ممر واحد. التوسع في طرق الشحن عبر البحر الأحمر، الموانئ الإفريقية، وحتى القطب الشمالي، لم يعد ترفًا جيوسياسيًا، بل ضرورة اقتصادية.

من الصدمة إلى القرار

نحن أمام لحظة لا يمكن تأجيلها. القرارات التي تُتخذ اليوم، تحت وقع التوتر، ستحدد شكل الأسواق خلال سنوات مقبلة.

هل نذهب نحو مسار عقلاني يضمن أمن الخليج ويعزز مصالح كل الأطراف؟ أم نترك الأمور تتطور حسب منطق الردود الانفعالية؟

لا مكان اليوم للمقاربات القديمة، ولا لسياسات تنتمي لعالم انتهى منذ سنوات. نحن أمام معادلة جديدة: حيث كل برميل نفط، وكل دقيقة تأخير في المضيق، تساوي مليارات الدولارات، ومستقبلًا اقتصاديًا هشًا لعالم يتغير سريعًا.


أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.