تحذير قوي من المركزي الأوروبي بشأن الرسوم الجمركية الأمريكية
افتتح الذهب تداولاته يوم الاثنين 15 يوليو 2025 عند مستوى 3343 دولارًا للأونصة، مدعومًا بحركة مضاربية دفعته مؤقتًا إلى مستوى 3366 دولارًا. هذا الصعود لم يكن ناتجًا عن أي عوامل اقتصادية أو فنية واضحة، بل كان امتدادًا لمحاولات قصيرة الأجل لجني الأرباح وسط ضعف في السيولة وغياب محفزات حقيقية.
ومع صدور بيانات التضخم الأمريكية عصر اليوم نفسه، تغيّر المشهد بالكامل. فقد أعادت هذه البيانات الأسواق إلى التحليل المنطقي القائم على المعطيات الأساسية، وأجبرت الذهب على التخلي عن مكاسبه السطحية.
يُقاس التضخم عادة من خلال مؤشرين رئيسيين:
مؤشر أسعار المستهلكين (CPI): يعكس التغير في أسعار السلع والخدمات النهائية التي يستهلكها الأفراد.
مؤشر أسعار المنتجين (PPI): يقيس التغير في أسعار المواد الخام والخدمات عند مرحلة الإنتاج والتوزيع.
ارتفاع التضخم يعني تآكل القوة الشرائية للعملة، مما يدفع البنوك المركزية مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى رفع أسعار الفائدة للسيطرة على ارتفاع الأسعار. هذا الإجراء يؤدي إلى تقوية الدولار، ويزيد من عوائد السندات الحكومية، ويضعف الذهب باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا.
وفي 15 يوليو، أظهرت بيانات مؤشر أسعار المستهلكين أن التضخم السنوي ارتفع إلى 2.7%، متجاوزًا التوقعات البالغة 2.6%، ومرتفعًا كذلك عن القراءة السابقة التي بلغت 2.5%. هذه الأرقام تؤكد أن التضخم لا يزال نشطًا، وأن الأسواق أخطأت حين افترضت أن الفيدرالي سيبدأ قريبًا بتيسير السياسة النقدية.
رد فعل السوق: عودة إلى الواقع
فور صدور البيانات، هبط الذهب إلى مستوى 3320 دولارًا، متخليًا عن أكثر من 45 دولارًا من ذروته اليومية. غير أن هذا الانخفاض لم يكن "تصحيحًا سعريًا"، بل يمكن اعتباره عودة حقيقية إلى التوازن مع التحليل الأساسي والواقعي.
الارتفاعات الأخيرة التي دفعت الذهب إلى مستويات فوق 3360 دولارًا لم تكن سوى حركات قصيرة الأجل لا ترتكز إلى أي أساس اقتصادي، بل جاءت في سياق مضاربات محدودة واستغلال ضعف الاتجاه. ومع صدور البيانات الحاسمة، بدأت الأسواق بتصفية هذه المراكز، لتعود حركة الذهب إلى مسارها الطبيعي.
16 يوليو: ترقب لبيانات المنتجين وزيادة الضغط
افتتح الذهب تعاملات الثلاثاء عند مستوى 3325 دولارًا للأونصة، محافظًا على تماسك نسبي وسط حالة من الترقب لبيانات مؤشر أسعار المنتجين (PPI) المتوقع صدوره لاحقًا اليوم.
التوقعات تشير إلى ارتفاع بنسبة 0.3% شهريًا و2.4% سنويًا. أي نتيجة أعلى من هذه المستويات ستُفسَّر على أنها استمرار لدوامة التضخم، مما يعزز موقف الاحتياطي الفيدرالي ويدفع الذهب لمزيد من التراجع تحت ضغط قوة الدولار.
17 يوليو: بيانات البطالة في دائرة الضوء
يوم غد الخميس، تترقب الأسواق صدور بيانات إعانات البطالة الأسبوعية في الولايات المتحدة، والمتوقع أن تسجل 234 ألف طلب مقارنة بـ 227 ألفًا في القراءة السابقة.
أي تراجع في عدد المطالبات سيدعم فكرة أن سوق العمل الأمريكي لا يزال قويًا، وبالتالي ستتزايد قناعة الأسواق ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يُضعف الذهب أكثر ويجعل بيئة التداول تميل إلى المخاطرة المدروسة لصالح الدولار.
المستويات الفنية: دعم يتحول إلى مقاومة
من الناحية الفنية، كسر الذهب مستوى الدعم الرئيسي عند 3340 دولارًا، والذي تحوّل الآن إلى مقاومة صلبة، تليه مقاومة أخرى عند قمة 3366 دولارًا المسجلة في بداية هذا الأسبوع.
أما على الجانب السفلي، فيتواجد أول مستوى دعم حقيقي عند 3305 دولارًا، يليه مستوى 3290 دولارًا، والذي يُعتبر نقطة ارتداد فني سابقة. وفي حال استمر الزخم البيعي القوي، فقد يتجه السعر لاختبار مناطق أكثر عمقًا عند 3255، وهي منطقة ارتداد كلاسيكية. وعلى المدى المتوسط، تبقى الأنظار موجهة إلى السعر العادل الذي يُقدَّر عند 3150 دولارًا للأونصة، بناءً على التحليل الأساسي الحالي.
لماذا هذا الأسبوع سلبي بطبيعته للذهب؟
السلبية التي يعيشها الذهب ليست عابرة ولا طارئة، بل هي امتداد طبيعي لمنظومة اقتصادية واضحة. فبيانات التضخم تؤكد استمرار الضغوط، ومؤشرات البطالة وسوق العمل لا تعطي أي إشارات لتراجع في النشاط، في حين تبقى السياسة النقدية الأمريكية مائلة إلى التشدد.
أما على الصعيد الجيوسياسي، فلا توجد أحداث مفاجئة أو تصعيدات يمكن أن تضيف طلبًا ملحوظًا على الذهب كملاذ آمن. ولذلك، فإن مسار الذهب الهابط يعكس الواقع أكثر من أي وقت مضى.
الذهب بين ميزان المنطق وضجيج المضاربات
في بيئة اقتصادية تُهيمن عليها بيانات التضخم القوية، وقوة الدولار، وتشدد البنوك المركزية، لا مجال للذهب سوى العودة إلى قيمته العادلة. كل الارتفاعات الأخيرة، رغم بريقها اللحظي، كانت ضجيجًا بلا أساس، ومحاولات قصيرة لجني أرباح في أوقات هدوء نسبي.
ومع توالي البيانات السلبية هذا الأسبوع، فإن الذهب لا يهبط بسبب ضعف مؤقت، بل لأنه يعود إلى الأرضية الصحيحة التي حددتها الأرقام والمنطق.
الاتجاه العام يبقى هابطًا بوضوح، وأي ارتدادات قادمة ستكون فرصة للتمركز بشكل أذكى نحو مستويات أكثر واقعية.
وفي ظل المعطيات الحالية، فإن الوصول إلى مستوى 3250 دولارًا لا يبدو تهويلًا، بل ترجمة حقيقية للواقع.
