عاصفة غرينلاند تهز الأسواق العالمية مع بداية الأسبوع وسط ترقب لـ 3 أحداث رئيسية
قبل أن نبدأ، من المهم معرفة أني خبير بمجال العملات المشفرة وسلاسل الكتل (Blockchain) وحائز على تأهيل من مؤسسة التكنولوجيا والعلوم. وهذا المقال ليس توصية أو استشارة لشراء عملة البيتكوين او أي عملة أخرى. هذا المقال هو بحث ورأي الخاص بالنسبة لمستقبل عملة البيتكوين.
في السنوات الأخيرة، أصبحت عملة البيتكوين ظاهرة مالية واقتصادية عالمية، تجاوزت كونها مجرد أداة تداول إلى أن أصبحت مخزنًا للقيمة، ورمزًا للثورة الرقمية والمالية. مع التقلّبات الكبيرة التي يشهدها السوق، ومع تزايد التبنّي من مؤسسات وأفراد حول العالم، يبرز سؤال جوهري: هل يستطيع البيتكوين بلوغ سعر مليون دولار في المستقبل القريب؟
أحدثت عملة البيتكوين(BTC) منذ ظهورها في عام 2009، ثورة في النظام المالي العالمي. بدأت بقيمة ضئيلة لا تتجاوز السنتات، لترتفع إلى آلاف ثم عشرات الآلاف من الدولارات، وحتى كتابة هذه الأسطر وصل سعر البيتكوين الى أكثر من مئة وعشرين ألف دولار.
في هذا المقال، سنستعرض العوامل الأساسية التي قد تدفع البيتكوين إلى هذا المستوى السعري الخيالي، بدايةً من خصائصه التقنية الفريدة مثل اللامركزية، التنصيف (الهالفينغ)، السرية، والتوزيع العادل، وصولاً إلى التحليل الفني والمؤشرات الاقتصادية التي تشير إلى مسار صعودي طويل الأمد. كما سنناقش معدل التبني العام والمؤسسات والتحليل التقني الذي يعزز مكانة البيتكوين كأصل رقمي نادر.
السؤال الذي علينا ان نسأله هو: لماذا تعتبر البيتكوين عملة استثنائية في العالم المالي والاقتصادي؟
1.اللامركزية هي القوة الحقيقية للبيتكوين. البيتكوين هو أول عملة رقمية مشفرة لامركزية بالكامل، تعمل دون سلطة مركزية مثل البنوك أو الحكومات. تعتمد على تقنية تدعى سلسلة الكتل بلوكتشين (Blockchain)، وهي سجل رقمي موزع يضمن الشفافية والمقاومة للتلاعب. هذه اللامركزية تجعله مقاوماً للرقابة فلا يمكن لأي جهة حظر أو مصادرة البيتكوين، وهو ما يجذب المستثمرين في دول تعاني من اضطرابات اقتصادية واشخاص تبحث عن حرية واستقلالية من النظام المالي العالمي المركزي.
2.السرية والأمان هي ميزة تجذب المستثمرين. على عكس الأنظمة المصرفية التقليدية، يوفر البيتكوين خصوصية المعاملات فأنت لا تحتاج إلى الكشف عن هويتك لإجراء التحويلات. أمان عالٍ من خلال تقنية التشفير تجعل اختراق الشبكة مستحيلاً عملياً وحتى اليوم لم يتم اختراق نظام البيتكوين. الانتقال من النظام البنكي التقليدي إلى نظام البيتكوين يقلل من مخاطر الاحتيال والاختراقات بفضل بروتوكولات الأمان المتطورة.
3.عملية التعدين أو بكلمات بسيطة استخراج عملات جديدة من خلال نظام دفع عمولات العمل وإدارة الشبكة يسمى أثبات العمل (Proof of work)، أصبحت معقّدة وتتطلب طاقة ومعدات عالية، ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة إنتاج البيتكوين. هذا الارتفاع في التكلفة يدفع الأسعار نحو الأعلى تدريجيًا للحفاظ على ربحية المعدّنين. انخفاض المعروض مع ارتفاع تكلفة الإنتاج يعزز فكرة ندرة الأصل وقيمته.
4.البيتكوين يحتوي على سقف عرض محدود بكمية لن تتجاوز الـ 21 مليون وحدة، مما يمنحه طابعًا نادرًا يشبه الذهب. حتى كتابة هذه الأسطر تم انشاء 19،897،634 وحدة من عملات البيتكوين من أصل 21 مليون وحدة، أي أن أغلب عملات البيتكوين قد تم انشائها. آلية التنصيف التي تحدث كل أربع سنوات، تقلل مكافأة التعدين (العمل وإدارة الشبكة) إلى النصف، ما يعني انخفاض المعروض الجديد بشكل تدريجي. هذا التنصيف يُحدث غالبًا دورة صعود كبيرة في السعر كما حدث في أعوام 2012، 2016، 2020 و2024. التنصيف القادم في 2028 قد يكون عاملًا محوريًا في وصول السعر إلى مستويات غير مسبوقة. ميزة التنصيف هذه تضمن أن تكون عملة البيتكوين خاليه من التضخم النقدي فلا يمكن طباعتها عشوائياً مثل العملات الورقية. تاريخياً، تسبب كل تنصيف في ضغط صعودي على السعر وصعود هائل للبيتكوين (مثال واقعي: بعد التنصيف الثالث بسنة 2020، ارتفع سعر البيتكوين من تقريبا 9،000 دولار إلى تقريبا 65،000 دولار).
5.التضخم النقدي وانهيار الثقة في العملات التقليدية مع طباعة الحكومات لعملاتها بلا حدود (مثل الدولار واليورو)، يفقد المال التقليدي قيمته. البيتكوين، بحدوده القصوى البالغة 21 مليون وحدة فقط، يصبح مخزناً للقيمة مثل الذهب الرقمي، لكن بأفضلية التحويل السريع عالمياً. ملاذاً آمناً كما حدث في أزمات مثل جائحة كورونا 2020، حيث ارتفع البيتكوين بنسبة 800% تقريباً في عام واحد.
6.ازدياد بالتبني العام للعملة وسرعة التبني وبالأخص تبني المؤسسات المالية قام بدعم الصعود الهائل بقيمة العملة. بدأت كبرى الشركات مثل تسلا، (NASDAQ:TSLA) مايكروستراتيجي، سكوير وبلاك روك بشراء البيتكوين كجزء من خزينتها النقدية وحتى الحكومة الامريكية بدأت بشراء العملة والحفاظ عليها كجزء من احتياطاتها بالخزينة النقدية. حتى بعض الدول (مثل السلفادور) اعتمدت البيتكوين كعملة رسمية وبعض من البلدان والدول في الولايات المتحدة مثل تكساس، نيفادا وفلوريدا وغيرها. هذا التبني يزيد الطلب مع محدودية المعروض، يؤدي ارتفاع الطلب إلى صعود السعر ويعزز الشرعية ويجعل البيتكوين مقبولاً على نطاق واسع.
7.التطورات التقنية: شبكة البرق (Lightning Network). إحدى مشاكل البيتكوين كانت سرعة المعاملات والتكلفة. لكن مع ظهور شبكة البرق، أصبحت التحويلات أسرع فالمعاملات اليوم هي فورية بدلاً من انتظار دقائق أو ساعات وأرخص، تكاليف ضئيلة مقارنة بالتحويلات البنكية الدولية.
التحليل الفني: لماذا يشير الرسم البياني إلى مسار صعودي قوي؟
1.نموذج Stock-to-Flow توقع مليون دولار بحلول 2028: طُوِّر هذا النموذج بواسطة PlanB، وهو يحلل ندرة البيتكوين مقارنة بالذهب. وفقاً له كل تنصيف (هالفينغ) يضاعف السعر، فقد توقع النموذج أن يتجاوز البيتكوين 100،000 دولار بعد 2024 ومليون دولار بحلول 2028.
2.مؤشرات الزخم الصاعد والمتوسطات المتحركة تؤشر على بقاء السعر فوق المتوسط المتحرك لـ 200 يوم والذي يشير إلى اتجاه صاعد قوي. مؤشر القوة النسبية RSI عند اقترابه من مناطق التشبع الشرائي، فإنه يعكس ثقة المستثمرين في الاستمرار بالشراء. مستويات المقاومة التاريخية، كسر البيتكوين لمستوى 69،000 دولار (قمة 2021) فتح الباب أمام ارتفاعات جديدة، فقد تم كسر مستوى مقاومة 75،000 دولار (قمة 2024) بعدها وبأقل من سنة تم كسر مستوى مقاومة 123،000 دولار (قمة 2025) والهدف القادم 250،000 دولار.
على الرغم من الصعود التاريخي لعملة البيتكوين وهيمنتها على سوق العملات الرقمية، إلا أن هناك عدة عوامل اقتصادية، تقنية، وقانونية قد تؤدي إلى تراجع سعرها أو حتى اختفائها من السوق. فيما يلي أهم الأسباب المحتملة:
1. حظر التداول والتعدين. فعلى سبيل المثال إذا قامت دول عظمى مثل الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي بحظر البيتكوين (كما فعلت الصين 2021)، فقد ينخفض الطلب العالمي بشكل كبير. وفي ارض الواقع، بعض الدول (مثل الجزائر، مصر، المغرب) تحظر بالفعل تداول العملات المشفرة. عائق آخر هو الاحتمال لفرض ضرائب عالية على مكاسب البيتكوين (كما يفعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمجالات اخرى) فهاذا قد يمنع المستثمرين عن الشراء. من ناحية أخرى هناك مخاوف من قبل بورصات العملات المشفرة بالتشديد ومطالبتها بتسجيل بيانات المستخدمين وحفظها بمكان مركزي واحد والذي وهو مناقد لمفهوم اللامركزية.
2. التقدم التكنولوجي والعيوب الفنية والتي ممكن ان تتمثل باختراق الشبكة أو ما يسمى هجوم 51%، فإذا استطاع أحد المنافسين أو القراصنة السيطرة على أكثر من 50% من قوة التعدين، يمكنهم التلاعب بالمعاملات وتدمير الثقة في البيتكوين. المنافسة وظهور مشاريع وعملات أسرع وأرخص ممكن تؤدي الى التخلي عن البيتكوين والتوجه لعملات "جذابة" أكثر. وأيضا من الجانب التكنولوجي إذا فشل البيتكوين في تطوير طبقة ثانية أسرع (مثل شبكة البرق Lightning Network)، قد يفقد هيمنته.
3. الأزمات الاقتصادية والانهيارات الكبرى والركود الاقتصادي العالمي (مثل 2008 أو 2020)، قد يؤدي المستثمرون ببيع الأصول الخطرة (مثل البيتكوين) لتحويل أموالهم إلى الذهب أو الدولار. سبب آخر هو انهيار كل مجال العملات الورقية (مثل الدولار)، قد تتدخل الحكومات بحلول مركزية، مما يقلل من حاجة الناس إلى العملات اللامركزية.
4. فضائح واحتيال وفقدان الثقة والتبني ممكن أن يؤدي الى هبوط حاد بسعر البيتكوين (مثل Mt. Gox في 2014) أو انهيار بورصات العملات المشفرة مثل إفلاس بورصة العملات المشفرة FTX (في عام 2022) واختراق بورصات كبيرة قد تؤثر على سمعة البيتكوين. سبب آخر هو إذا ثبت أن ساتوشي ناكاموتو (مخترع البيتكوين) كان محتالاً، قد تنهار الثقة تمامًا. ايضاً إذا توقفت شركات مثل تسلا أو مايكروستراتيجي عن دعم البيتكوين، قد ينهار السعر.
5. المنافسة من العملات المستقرة والثابتة (Stablecoins) والعملات الرقمية للبنوك المركزية CBDCs)). في حال أصبحت العملات المستقرة مثل (USDT، USDC) أكثر استقرارًا وسهولة في الاستخدام، قد يفقد البيتكوين دوره كوسيلة دفع. من ناحية ثانية إصدار عملات رقمية رسمية مركزية حكومية (CBDCs) مثل الدولار الرقمي الحكومي أو اليورو الرقمي الحكومي، قد تتفوق على البيتكوين بسبب سهولة التعامل معها ودعمها القانوني.
6. انتقادات استهلاك الطاقة والكوارث البيئية والانتقال إلى طاقة نظيفة قد يؤدي الى هبوط حاد بسعر البيتكوين. فنحن نعلم اليوم أن تعدين البيتكوين يستهلك كمية طاقة وكهرباء أكثر من دول بأكملها (مثل الأرجنتين). فإذا فرضت دول عديدة قيودًا على تعدين البيتكوين لأسباب بيئية (كما فعلت الصين والسويد)، قد ينخفض معدل الأمان في الشبكة.
لماذا مليون دولار هو هدف واقعي؟
بعد تحليل العوامل التقنية والاقتصادية والفنية، يبدو أن وصول البيتكوين إلى مليون دولار ليس مجرد حلم، بل نتيجة حتمية لندرة العملة وزيادة الطلب. مع تبني المزيد من المؤسسات والأفراد للبيتكوين، وتقليل المعروض عبر التنصيف (الهالفينغ)، فإن السيناريو الأكثر منطقياً هو صعود تاريخي خلال العقد القادم.
إذا استمر التبني بالشكل الحالي، وتكرّر تأثير التنصيف، فإن السعر يمكن أن يتجاوز500 ألف دولار خلال السنوات الثلاث القادمة. وفي حال حدوث أزمة مالية عالمية أو تضخم كبير في العملات الورقية المركزية، قد يلجأ المستثمرون إلى البيتكوين كملاذ آمن، مما يدفعه نحو حاجز المليون دولار وربما أكثر.
إن الحديث عن وصول البيتكوين لسعر مليون دولار لم يعد مجرد حلم نظري أو توقّع متفائل، بل بات سيناريو محتمل يُبنى على وقائع تقنية واقتصادية حقيقية. بين ندرة العملة، والتنصيف، والتحوّل نحو الاقتصاد الرقمي، والتبني الواسع، والتحليلات الفنية المطمئنة كلها عوامل تضع البيتكوين على طريق غير مسبوق. فهل نحن على أعتاب عصر جديد من المال؟ الأيام القادمة وحدها تحمل الإجابة.
في النهاية، البيتكوين ليس "غير قابل للتدمير"، لكن اختفاؤه يحتاج إلى سلسلة أحداث كارثية. الأرجح أنه سيواجه تقلبات عنيفة، لكن من الصعب أن يختفي تمامًا.
بسام بيرومي: خبير سلسلة الكتل حائز على لقب Blockchain Expert.
