الدولار يصل لهذا السعر في مصر مع صدور تقرير جديد من صندوق النقد
في عالمٍ كانت تهيمنُ عليه الفوضى التنظيمية والضبابية القانونية، تأتي لحظة مفصلية تُحوّلُ العملات الرقمية من فضاء شبه قانوني إلى ركن أصيل من الاقتصاد المؤسسي. عملة إيثريوم – التي لطالما وُصفتْ بأنها شقيقة البيتكوين الأقل حدة – لم تعدْ فقط شبكة عقود ذكية، بل أضحتْ اليوم البنية التحتية الحيوية للنظام المالي الرقمي العالمي.
قفزتْ إيثريوم بأكثر من 45% خلال أسبوعين فقط في يوليو الجاري، على وقع تدفقات استثمارية مؤسسية غير مسبوقة، مدفوعةً بإقرار تشريع أميركي طال انتظاره، وتنامي شهية المؤسسات المالية الكبرى للانخراط في عالم التمويل اللامركزي.
قانون GENIUS: صك الشرعية للرقمية
تجلّى التحول الأهم عندما وقّعَ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 18 يوليو 2025، على قانون "GENIUS"، الذي يُنظمُ للمرة الأولى العملات المستقرة بوصفها نقودًا رقمية قانونية. القانون – الذي يُعدُّ سابقة تشريعية – أرسى أربع ركائز رئيسية:
-
الاعتراف القانوني بالعملات المستقرة المدعومة باحتياطي نقدي.
-
إطار تنظيمي مزدوج يُوزّعُ الصلاحيات بين الجهات الفيدرالية والمحلية.
-
شفافية احتياطية تُلزمُ الجهات المصدّرة بالإفصاح عن نسبة 1:1 من الضمانات.
-
مكافحة غسل الأموال عبر إخضاع مزوّدي العملات المستقرة لقواعد الامتثال الأمني والمالي.
ورغم أن البيتكوين بقيتْ بعيدةً عن التأثر المباشر، إلا أن شبكات التشغيل كانت المستفيد الأكبر، وفي مقدمتها إيثريوم، التي تستضيفُ معظم معاملات العملات المستقرة.
لماذا إيثريوم بالتحديد؟
لأنها – ببساطة – المنصة التي ينبضُ من خلالها قلب النظام المالي الرقمي الجديد:
-
60% من تداول عملة USDC يتمُّ عبر شبكة إيثريوم.
-
33% من سوق الأصول المُرمّزة (Tokenized Assets) تعتمدُ عليها.
-
غالبية تطبيقات التمويل اللامركزي (DeFi) والبروتوكولات المؤسسية مبنيةٌ على بنيتها الأساسية.
وهذا ما يجعلُ من أي تشريع يعترفُ بالعملات المستقرة تشريعًا غير مباشر لدور إيثريوم.
الصناديق المؤسسية تدخلُ بقوة
منذ بداية 2025، شهدتْ صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) المرتبطة بإيثريوم تدفقات ضخمة بلغتْ 4.8 مليار دولار، لكن المفاجأة الكبرى حدثتْ في يوليو وحده:
-
2.2 مليار دولار تدفقتْ لصناديق إيثريوم في أسبوع واحد.
-
602 مليون دولار خلال يوم تداول واحد، وهو رقم قياسي تجاوزَ صناديق البيتكوين.
أسماء كبيرة دخلتِ الحلبة: بلاك روك (BlackRock) عدّلتْ صندوقها ETHA ليشمل عوائد التثبيت (staking)، في خطوة تُعدُّ اعترافًا فعليًا بأن العوائد المؤسسية في السوق الرقمي لا تقتصرُ على الأرباح الرأسمالية.
التثبيت (Staking): العائد الجديد للمؤسسات
يُعدُّ نظام التثبيت في إيثريوم أحد أقوى أدواتها التنافسية:
-
عائد سنوي قدره 2.9% على العملة المثبتة.
-
ارتفاعُ نسبة الإيثر المثبت من 24% في يناير 2024 إلى 30% في يوليو 2025.
-
اعتمادُ بعض الصناديق على هذه العوائد في استراتيجياتها طويلة الأمد.
ما يحدثُ هنا ليس فقط جذب سيولة، بل إعادة هندسة العائد نفسه: دخلٌ دوريّ منتظم، شبه خالٍ من المخاطر التقنية الكبرى، على عملة رقمية تنمو في السعر، وتُحرقُ في العرض.
هندسة العرض: درع إيثريوم الخفي
منذ تطبيق مقترح "EIP-1559" في 2021، أصبحتْ رسوم المعاملات في شبكة إيثريوم تُحرقُ جزئيًا، ما خلقَ:
-
انكماشًا سنويًا في المعروض قدره 0.8% فقط.
-
ارتفاعًا تدريجيًا في القيمة السوقية بسبب تراجع المعروض المتاح.
تلك السياسة التضخمية المعكوسة تخلقُ ندرة اصطناعية دون المساس بسيولة السوق، وهي أشبه ما تكونُ ببرمجة رقمية للذهب.
إيثريوم داخل خزائن المؤسسات
على خُطا MicroStrategy في البيتكوين، بدأتْ بعض الشركات المؤسسية تتبنى إيثريوم كجزء من خزائنها الاستثمارية:
-
تم شراء 430 ألف وحدة ETH في يوليو فقط.
-
بعض المؤسسات تُخططُ لتثبيت هذه الحيازات للحصول على عائدات سنوية ثابتة.
-
تُشيرُ التقديرات إلى أن المؤسسات تمتلكُ الآن نحو 0.6% من المعروض الكلي.
إذا استمرَّ هذا الاتجاه، فإن إيثريوم لن تصبحَ فقط أصلًا يُتداولُ، بل أصلًا يُحتفظُ به، وتُبنى عليه نماذج تمويل.
التمويل اللامركزي: الثورة المؤسسية الناعمة
بعيدًا عن الضجيج، تزرعُ تطبيقات التمويل اللامركزي (DeFi) جذورها في العمق:
-
خدمات اقتراض وإقراض رقمية.
-
مجمعات سيولة ذكية.
-
أسواق مشتقات مبنية على الإيثر.
ومع دخول المؤسسات، باتَ من الممكن تصورُ بنك استثماري لا مركزي، يحملُ على عاتقه عوائد دورية، وسيولة مرنة، وهيكل ملكية جماعي مبنيٌ على العقود الذكية.
التحليل الفني والتوقعات المستقبلية
تُشيرُ المؤشرات الفنية إلى احتمالية تحرك السعر نحو مستويات 4,000 – 6,000 دولار خلال الربع الثالث من 2025، مدفوعًا بعوامل:
-
موسم صيفي تقليديًا صاعد للعملات الرقمية.
-
تحسن مناخ المخاطرة بعد استقرار السياسات النقدية الأميركية.
-
اتساع نطاق صناديق المؤشرات المعتمدة.
المخاطر على الرادار
لكن الصورة ليست وردية بالكامل:
-
قد تستغرقُ اللوائح التنفيذية لقانون GENIUS ما بين 12 إلى 24 شهرًا.
-
بعض المحللين يرونَ أن الإفراط في التنظيم قد يُقيّدُ الابتكار.
-
قد يُقيّدُ رفضُ الفيدرالي الأميركي إصدار حسابات مباشرة لشركات العملات المستقرة النمو.
هذه التحديات تضعُ المؤسساتِ أمامَ خياراتٍ دقيقة بين الامتثال الكامل والمخاطرة بالمرونة.
نحو مشهد مالي جديد
ما يحدثُ اليوم في إيثريوم يتجاوزُ لغة الأرقام. إنه تحول بنيوي في الفلسفة المالية:
-
من المركزية إلى اللامركزية.
-
من المضاربة إلى العوائد المستقرة.
-
من الغموض القانوني إلى الامتثال الذكي.
إنها ليست فقط منصة عقود ذكية، بل حجر أساس في البنية المالية العالمية القادمة، حيث تلعبُ التنظيماتُ والبرمجياتُ والمؤسساتُ دورًا متكاملًا في إنتاج الثقة.
حين تكتبُ الشِفرة التاريخ
في زمنٍ تُكتبُ فيه القوانين بالبرمجيات، ويُترجمُ الاقتصاد عبر العقود الذكية، تبرزُ إيثريوم كأكثر من عملة: إنها شبكة الثقة الجديدة، ومركز الثقل للأسواق الرقمية، وميدان الاشتباك بين المؤسسات والابتكار.
وإذا كانت البيتكوين قد حررتِ الأفرادَ من سلطة البنوك، فإن إيثريوم قد تكونُ من يُحررُ المؤسساتِ من سطوة الورق، لتدخل عهدًا حيث العقد أهم من التوقيع، والبرمجية أقوى من النظام.
وفي نهاية هذه الرحلة، لا بد من طرح السؤال: هل باتتْ إيثريوم معيارًا ماليًا جديدًا؟
ربما لا تزال الإجابة قيد التكوين.
لكن المؤكد أن اللعبة قد تغيرتْ، وإيثريوم لم تعدْ على الهامش.
إنها في صلب المعادلة.
