البيتكوين: ثورة مالية أم فقاعة عابرة؟ (1 من 2)

تم النشر 01/08/2025, 11:08

البيتكوين: ثورة مالية أم فقاعة عابرة؟ حوار بين الأرقام والآمال. (1من 2)

تخيل أنك تجلس في مقهى يعج بالحياة، رائحة القهوة تملأ المكان، وعلى طاولتك يجلس صديقان يمثلان قطبين متناقضين في عالم المال. الأول، أمين، مصرفي قضى أكثر من 20 عامًا في دهاليز البنوك التقليدية، يرى في النظام المالي الحالي حصنًا منيعًا. أما الثاني، رائد، مهندس برمجيات شغوف بالتقنية، وضع جزءًا كبيرًا من مدخراته في البيتكوين، مؤمنًا بمستقبلها. وبين فنجان قهوة وآخر، يبدأ حوارٌ شيق يكشف عن وجهات نظر متضاربة، مدعومة بأرقام وحقائق.

المعارضون: “النظام الحالي يعمل بشكل ممتاز، فلماذا نصلحه؟”

يبدأ أمين حديثه بنبرة الواثق، مستندًا إلى خبرته الطويلة:

 “المال، في جوهره، وُجد لتسهيل حياتنا اليومية. كل تطور شهدناه في تاريخ النقود، من المقايضة إلى العملات الورقية، كان يهدف إلى تقليل التعقيد والتكلفة. اليوم، نحن نعيش في عصر ذهبي للمعاملات المالية. يمكنك تحويل آلاف الدولارات في ثوانٍ معدودة عبر هاتفك الذكي أو بطاقتك البنكية. البنوك، على الرغم من الانتقادات، توفر شبكة أمان لا يستهان بها. هناك قوانين صارمة، مثل تلك التي تفرضها البنوك المركزية وهيئات الرقابة المالية، تحمي ودائعك وتضمن استقرار النظام. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، يضمن التأمين الفيدرالي على الودائع (FDIC) حسابات تصل إلى 250,000 دولار. فلماذا نترك هذا النظام المضمون، الذي يخدم مليارات البشر يوميًا، ونذهب لعملة رقمية مثل البيتكوين، التي لا تزال بطيئة ومكلفة وتستهلك طاقة هائلة؟”

ويضيف أمين، مستشهدًا ببعض الأرقام:

 “في عام 2023، تجاوز حجم المدفوعات الرقمية العالمية 9 تريليونات دولار، ومن المتوقع أن يصل إلى 15 تريليون دولار بحلول عام 2027. هذا النمو الهائل لم يكن ليتحقق لولا كفاءة وسرعة النظام المالي التقليدي. أما البيتكوين، ففي ذروة نشاطها، تستطيع معالجة حوالي 7 معاملات فقط في الثانية، بينما تستطيع شبكة فيزا (NYSE:V) معالجة ما يصل إلى 65,000 معاملة في الثانية. هذا الفارق الهائل في السرعة والكفاءة يجعل البيتكوين غير عملية للاستخدام اليومي على نطاق واسع. وبالنسبة لاستهلاك الطاقة، تشير بعض التقديرات إلى أن شبكة البيتكوين تستهلك سنويًا طاقة تعادل استهلاك دول بأكملها مثل الأرجنتين أو هولندا. هذا الرقم يثير تساؤلات جدية حول استدامتها البيئية. وكما يقول المثل: ‘مادام النظام يعمل بكفاءة .... فما الداعى لاصلاحة ؟

المؤيدون: “التاريخ مليء بخيبات الأمل، والبيتكوين هو الحل”

يرد رائد، بابتسامة هادئة تعكس ثقته، وهو يرتشف قهوته:

“الثقة في المؤسسات؟ هذه الثقة، يا أمين، انهارت مرات ومرات عبر التاريخ، تاركةً وراءها ملايين الضحايا. ألم نرَ التضخم المفرط الذي ضرب ألمانيا في عشرينيات القرن الماضي، حيث كانت أسعار الخبز تتضاعف كل بضع ساعات، مما محا مدخرات أجيال بأكملها؟ وماذا عن أزمات أمريكا اللاتينية المتكررة، حيث فقدت العملات المحلية قيمتها بين عشية وضحاها؟ والأزمة المالية العالمية في عام 2008، التي هزت ثقة العالم بالبنوك والمؤسسات المالية، وكادت أن تدمر الاقتصاد العالمي لولا تدخلات حكومية ضخمة؟”

يتابع رائد، موضحًا رؤيته للبيتكوين:

“بالنسبة لي، البيتكوين ليست مجرد موضة عابرة، بل هي رد فعل منطقي وضروري على الأخطاء المتكررة للنظام المالي الورقي. إنها ليست مجرد عملة، بل هي فلسفة مالية جديدة. معروضها محدود بـ 21 مليون وحدة فقط، وهذا الرقم ثابت ومبرمج لا يمكن لأي حكومة أو بنك مركزي أن يطبعه أو يغيره. هذا يعني أنه لا يمكن التلاعب بقيمتها عن طريق الطباعة اللانهائية، كما يحدث مع العملات الورقية. إنها أشبه بالذهب، لكن في صورة رقمية، وبقواعد شفافة ومفتوحة المصدر لا يستطيع أحد تغييرها دون إجماع مجتمعي واسع. هذا هو جوهر اللامركزية التي تفتقر إليها أنظمتنا المالية الحالية.”

ويضيف رائد بعض الأرقام لدعم حجته:

“لقد تجاوز عدد مستخدمي العملات المشفرة حول العالم 560 مليون شخص في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 861 مليون مستخدم بحلول عام 2025. هذا النمو الهائل ليس مجرد هوس، بل هو إشارة واضحة إلى أن هناك شريحة متزايدة من البشر تبحث عن بديل للنظام التقليدي. أما بالنسبة لاستهلاك الطاقة، فبينما يرى البعض أنه مرتفع، تشير دراسات أخرى إلى أن شبكة البيتكوين تستهلك طاقة أقل من النظام المصرفي التقليدي. على سبيل المثال، تقدر بعض الأبحاث أن شبكة البيتكوين تستهلك حوالي 167 تيراوات ساعة سنويًا، بينما يستهلك النظام المصرفي العالمي حوالي 258 تيراوات ساعة. هذا لا يعني أن البيتكوين لا تستهلك طاقة، بل يضع الأمر في سياقه الصحيح، ويظهر أن هناك نقاشًا مستمرًا حول هذه النقطة.”

الثقة مقابل الضمان: جوهر الخلاف

يتدخل صاحب المقهى، الذي كان يستمع باهتمام، ليقول بابتسامة:

 “يبدو أن الخلاف في جوهره بسيط، ولكنه يعكس صراعًا فلسفيًا قديمًا: هل نضع ثقتنا في البشر والمؤسسات، أم في القواعد والأنظمة التي لا تتغير؟

يبدو أن الحوار بين أمين ورائد لا ينتهي عند حدود النقد والدفاع، بل يمتد إلى أسئلة أعمق حول التكنولوجيا التي تقوم عليها البيتكوين، وكيف يمكن أن تعيد تشكيل المشهد المالي العالمي. هذه هي النقطة التي سننطلق منها في المقال التالي

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.