زلزال في سوق العملات الرقمية.. خسائر بـ 100 مليار دولار في ساعات
من البيتكوين إلى البلوك تشين: زلزال يهدد النظام المالي؟ (2 من 2)
في المقال السابق، توقفنا عند حوار أمين ورائد حول البيتكوين كعملة، بين من يراها نظامًا بديلًا للنقود الورقية، ومن يراها غير عملية للاستعمال اليومي. لكن القصة لم تنتهِ هنا، لأن التقنية التي تقوم عليها البيتكوين — البلوك تشين — قد تكون أهم وأخطر مما يعتقد الكثيرون، وربما تحمل تغييرات جذرية في النظام المالي العالمي.
أبعد من المال: البلوك تشين كتقنية ثورية
يوافق أمين على هذه النقطة، مشيرًا إلى أن النقاش حول البيتكوين غالبًا ما يغفل الجانب الأهم:
“حتى لو لم تصبح البيتكوين وسيلة الدفع الأساسية في العالم، فإن التقنية التي تقوم عليها — البلوك تشين — هي التي تحمل في طياتها ثورة حقيقية. تخيل أن التصويت في الانتخابات، أو تسجيل العقود القانونية، أو حتى نقل ملكية العقارات يمكن أن يتم على نظام شفاف وآمن لا يمكن التلاعب به. هذه التقنية لديها القدرة على إحداث تحول جذري في كيفية عمل المؤسسات، ليس فقط المالية، بل في كل القطاعات التي تتطلب الثقة والشفافية.”
البلوك تشين، أو سلسلة الكتل، هي دفتر أستاذ رقمي لامركزي وموزع، يسجل المعاملات بطريقة آمنة وشفافة وغير قابلة للتغيير. كل “كتلة” تحتوي على مجموعة من المعاملات، وبمجرد إضافتها إلى السلسلة، لا يمكن تعديلها. هذا يجعلها مثالية لتطبيقات تتجاوز العملات الرقمية، مثل:
- إدارة سلاسل الإمداد: تتبع المنتجات من المصنع إلى المستهلك، مما يضمن الشفافية ويقلل من الغش.
- الرعاية الصحية: تخزين السجلات الطبية بشكل آمن، مما يتيح للمرضى التحكم في بياناتهم.
- حقوق الملكية الفكرية: تسجيل الأعمال الفنية والموسيقية لحماية حقوق المبدعين.
- الهوية الرقمية: إنشاء هويات رقمية آمنة وموثوقة.
هذه التطبيقات، وغيرها الكثير، تظهر أن تأثير البلوك تشين يتجاوز بكثير مجرد المضاربة على أسعار العملات الرقمية. إنها بنية تحتية جديدة للثقة، يمكن أن تعيد تشكيل طريقة تفاعلنا مع العالم الرقمي والمادي.
تأثير محتمل على النظام المالي: زلزال قادم؟
يعود أمين ليطرح سؤالاً جوهريًا:
“لكن، هل يمكن أن يؤدي هذا إلى تقليص أو حتى إنهاء دور البنوك وشركات الوساطة التقليدية؟ هذا هو السيناريو الذي يقلق الكثيرين في القطاع المالي.”
يرد رائد بحماس:
“بالضبط! هذا هو بيت القصيد. ففي نظام البيتكوين، المعاملات تتم مباشرة بين الأشخاص، ما يُعرف بـ “الند للند” (Peer-to-Peer). لا يوجد وسيط يأخذ عمولة، ولا بنك مركزي يطبع المال أو يتحكم في السياسة النقدية. هذا التغيير، إذا تحقق على نطاق واسع، قد يقلب شكل الاقتصاد العالمي رأسًا على عقب.”
لنتخيل للحظة كيف يمكن أن يتغير المشهد المالي:
- البنوك: قد تتحول من كونها “حراس البوابات” إلى مجرد مقدمي خدمات تقنية، أو ربما تختفي بعض وظائفها الأساسية مثل تحويل الأموال والإقراض التقليدي. فإذا كان بإمكان الأفراد إقراض بعضهم البعض مباشرة عبر عقود ذكية على البلوك تشين، فما الحاجة للبنك كوسيط؟
- شركات الوساطة المالية: قد تفقد جزءًا كبيرًا من أعمالها، خاصة في تداول الأصول، إذا أصبحت الأصول الرقمية تُتداول مباشرة بين الأفراد على منصات لامركزية.
- البنوك المركزية: قد تفقد سيطرتها على السياسة النقدية، حيث لا يمكنها طباعة المزيد من البيتكوين أو التحكم في أسعار الفائدة بنفس الطريقة التي تتحكم بها في العملات الورقية.
هذا السيناريو ليس مجرد خيال علمي. ففي عام 2023، تجاوز حجم التداول على المنصات اللامركزية (DEXs) تريليون دولار، مما يشير إلى تزايد الاهتمام بالمعاملات المالية التي لا تتطلب وسطاء. ومع تزايد تبني العملات الرقمية من قبل المؤسسات الكبرى، مثل شركات إدارة الأصول التي أطلقت صناديق تداول البيتكوين المتداولة في البورصة (ETFs) في عام 2024، يصبح السؤال ليس “هل سيحدث هذا التغيير؟” بل “متى وكيف سيحدث؟”
العالم بعد 20 سنة… إذا حكم البيتكوين: رؤية مستقبلية
يختتم رائد حديثه برسم صورة لمستقبل قد يبدو بعيدًا، لكنه ليس مستحيلاً:
“تخيل أن العام هو 2045… لا توجد بنوك مركزية كما نعرفها اليوم، ولا شركات وساطة مالية تقليدية. الناس يتعاملون مباشرة عبر محافظ رقمية على هواتفهم أو أجهزتهم القابلة للارتداء. الرواتب تُحوّل بالبيتكوين فورًا من الشركة إلى الموظف، بدون انتظار أيام التسوية البنكية التي قد تستغرق 2-3 أيام عمل في النظام الحالي.”
في هذا العالم، كل شيء يتم على البلوك تشين:
- شراء منزل أو سيارة: يتم عبر عقد ذكي على البلوك تشين، يُسجَّل في ثوانٍ ولا يمكن تغييره. الملكية تنتقل فورًا وبشكل آمن، مما يلغي الحاجة إلى مكاتب التسجيل والوسطاء العقاريين.
- الضرائب: تُحصَّل تلقائيًا وقت المعاملة، بلا حاجة لمكاتب تحصيل أو بيروقراطية. كل معاملة ضريبية تُسجل على البلوك تشين، مما يضمن الشفافية ويقلل من التهرب الضريبي.
- الانتخابات: التصويت يتم عبر البلوك تشين، مما يضمن نزاهة النتائج ويمنع التلاعب.
لكن الصورة ليست وردية للجميع
فقد اختفت وظائف كثيرة في البنوك التقليدية، مثل موظفي التحويلات، وموظفي القروض، وموظفي خدمة العملاء الذين يتعاملون مع المعاملات الروتينية. اضطر ملايين الموظفين لإعادة التدريب في مجالات جديدة، مثل تطوير البلوك تشين، أو الأمن السيبراني، أو تحليل البيانات الضخمة. هذا التحول قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية واقتصادية كبيرة في البداية.
كما أن غياب سلطة نقدية مركزية جعل التعامل مع الأزمات الاقتصادية أكثر صعوبة. ففي الأزمات المالية، غالبًا ما تتدخل البنوك المركزية بـ “طباعة” المزيد من المال (التيسير الكمي) لإنقاذ الأسواق أو دعم الحكومات وقت الكوارث. في عالم البيتكوين، لا أحد يستطيع “طباعة” المزيد من العملة، مما يعني أن الاستجابة للأزمات قد تكون محدودة، وقد يؤدي ذلك إلى فترات ركود أطول وأكثر حدة.
في هذا العالم، أصبح المال أكثر شفافية وصلابة، لكن أيضًا أقل مرونة أمام الأزمات. والبيتكوين لم يعد مجرد فكرة أو استثمار، بل أصبح القانون المالي العالمي الذي لا يتغير إلا إذا اتفقت عليه البشرية جمعاء، وهو ما يتطلب إجماعًا عالميًا غير مسبوق.
الخاتمة: بين الحذر والرهان… ومستقبل لا ينتظر
يختتم أمين الحوار بتلخيص دقيق:
“البيتكوين بالنسبة للبعض هو تذكرة لمستقبل أكثر حرية في المال، وللبعض الآخر هو مقامرة مكلفة على شيء غير مضمون. قد يثبت المستقبل أن المؤسسات المالية كافية، أو قد يثبت أننا كنا بحاجة لنظام لا يمكن التلاعب به.”
وفي كل الأحوال، سيظل البيتكوين يرمز إلى صراع بين الاعتماد على الثقة والاعتماد على القواعد الثابتة. لكن الأكيد هو أن النقاش حول مستقبل المال لن يتوقف، وأن التكنولوجيا ستستمر في دفع حدود ما هو ممكن. سواء كنت مؤيدًا أو معارضًا، فإن البيتكوين قد فتحت الباب أمام نقاش عالمي حول طبيعة المال، الثقة، والسلطة، وهو نقاش سيستمر في التطور مع كل كتلة جديدة تُضاف إلى سلسلة البلوك تشين.
