بنك أوف أمريكا: التصحيح يلوح في الأفق.. والمستثمرون غير جاهزين!
في عالم لم يَعُدْ يحكمه المنطق الاقتصادي الخالص، بل تُصوغُ مصيره خنادق السياسة، ودوائر النفوذ، والمناورات العسكرية والمالية، يدخلُ المستثمرُ اليوم ساحة معركة تتجاوزُ المؤشرات البيانية، وتخترقُ حدود الجغرافيا والمصالح.
لقد دخلتِ الأسواقُ الآن مرحلةً أصفها بلا مبالغة بـ"الاضطراب المعقد"، مرحلة تتشابكُ فيها الأخبار العاجلة، ويصعبُ فيها على المستثمر التمييز بين التصحيح والمؤامرة، أو بين الدورة الاقتصادية الطبيعية والانهيار الهيكلي.
فبين اشتداد الأزمة الجيوسياسية في مضيق تايوان، وتوسع التحالفات الاقتصادية بين روسيا والصين وإيران في مواجهة النفوذ الغربي، وبين تفكك التحالفات التقليدية في أوروبا على وقع أزمات الطاقة والهجرة والعملة، يجدُ رأسُ المالِ نفسهُ بلا ملاذ آمن حقيقي، باستثناء الذهب والملاذات السيادية الجديدة مثل الطاقة النووية والمعادن النادرة.
أما على صعيد الاقتصاد الكلي، فالبنوك المركزية الكبرى.. وعلى رأسها الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي.. باتتْ تتصرفُ كمراكز دفاع سياسية أكثر من كونها أدوات استقرار نقدي. الأسواق لم تَعُدْ تنتظرُ بيانات التضخم أو الفائدة، بل تترقبُ مناورات الطائرات المسيرة في البحر الأسود أو تصريحات الصين عن عملتها الرقمية كبديل استراتيجي للدولار.
فهل يمكن الحديث اليوم عن "استثمار عقلاني" في زمن يُعادُ فيه رسمُ خرائط النفوذ المالي والسياسي على امتداد الكوكب؟ وهل ما زالت أدوات التحليل الفني والأساسي كافية لفهم ما يجري؟..
دعونا -أعزائي القراء- نغوصُ في أعماق التحولات الكبرى التي تُمزقُ شكلَ العالم القديم اليوم، ونكشفُ فرصًا ومخاطر غير مسبوقة على حد سواء أمام المستثمر الذكي الذي يقرأُ بين السطور.. من شاشات الأسهم إلى طاولات الأمم.
المحور الجيوسياسي: كيف تغيرتْ خارطة التحالفات بعد تصاعد الأزمات في تايوان وأوكرانيا؟
عند النظر إلى خريطة العالم في عام 2025، يتبدّى لنا مشهدٌ سياسيٌّ لا يُشبهُ أي مرحلة سابقة، وكأن العالم قد انقسمَ إلى طبقات جديدة من النفوذ، لا يحكمها منطق الحرب الباردة التقليدي، بل منطق "التحالفات المتبدّلة" و"المصالح فوق كل شيء".
أوكرانيا: التحول من حرب إلى واقع جيوسياسي جديد لم تَعُدِ الحربُ في أوكرانيا مجرد نزاع إقليمي بين كييف وموسكو نُراقبه كأي نزاع عادي، بل أصبحتْ - بكل ما تحملهُ الكلمة من معنى - بوابة لإعادة تشكيل النظام الأمني الأوروبي بأكمله. ففي أعقاب الجمود العسكري على الجبهات، ومع تراجع الحماس الغربي لدعم طويل الأمد، بدأتْ دولُ أوروبا الشرقية تُعيدُ النظر في اعتمادها الكلي على حلف الناتو، وباتتْ تسعى لتعزيز تحالفاتها الإقليمية بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية التقليدية. أقامتْ هنغاريا وصربيا، مثلاً، علاقات اقتصادية وعسكرية أعمق مع الصين وروسيا، في خطوة تعكسُ شرخًا متزايدًا داخل الاتحاد الأوروبي نفسه.
تايوان: حافة الانفجار وتصاعد “شبه الاعتراف” في الشرق الأقصى، إضافة لكون تايوان نقطة توتر عسكرية حساسة بين واشنطن وبكين، أصبحتْ أيضًا رمزًا لصراع الأجيال القادم بين الأنظمة “الديمقراطية” و”الاستبدادية” (كما تُوصّفُ في نشرات الإعلام).. ومع تزايد المناورات الصينية حول الجزيرة، ونجاح بكين في استقطاب دول كانت تعترفُ بتايوان، باتَ المشهدُ يُنذرُ بتبدّل في مفاهيم السيادة الدولية. هذا التوتر لم يَعُدْ قائمًا على "هل ستغزو الصين تايوان؟"، بل على "كيف سيبدو شكل العالم إذا استوعبتِ الصين تايوان دون إطلاق رصاصة؟".
تحالفات جديدة: الشرق الأوسط وكسر الثنائية وفي خضم هذه الفوضى، لم تقفِ الدولُ الإقليميةُ مكتوفةَ الأيدي. بدأتْ فالمملكة العربية السعودية وتركيا والإمارات بلعب أدوار مستقلة، خارجة عن دائرة التأثير الأمريكي التقليدي. رسمَ التحالفُ مع الصين في مجال الطاقة، والتقارب مع روسيا في الشأن السوري والليبي، وحتى التنسيق مع الهند في مجالات التكنولوجيا، خطوطًا جديدة للعالم المتعدد الأقطاب.
أما واشنطن، فرغم استمرارها في لعب دور القوة العظمى، بدأتْ تتصرفُ وكأنها تُعدُّ العدة للخروج من دور "الشرطي العالمي". التوجه نحو الداخل، وتصاعد الأصوات الشعبوية، وتزايد الضغوط الاقتصادية، كلها مؤشرات على مرحلة إعادة تموضع لا بد أن تتركَ فراغًا استراتيجيًا - من البديهي - أن تُسارعَ قوىً مثل الصين وروسيا وتركيا لملئه.
النتيجة: عالم بلا مركز واضح للثقل ما نراه اليوم إذًا ليس تحولًا في التحالفات فقط، بل في القيم التي تقومُ عليها هذه التحالفات. لم تَعُدِ الديمقراطيةُ أو حقوقُ الإنسانِ أو حتى المصالحُ الاقتصاديةُ المباشرةُ هي أساس التجمعات الدولية، بل أصبحَ الأمنُ الغذائيُّ، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والعملات الرقمية، هي المفاتيح الجديدة للعلاقات الدولية. وبالتالي، فإن المستثمر الذي يُتابعُ أسواقَ المالِ اليوم، لا يُراقبُ فقط مؤشرات الأسهم والعملات، بل يُراقبُ أيضًا خطوط الإمداد بين الهند وأفريقيا، وخريطة النفوذ الروسي في البحر الأسود، ومستوى الجاهزية الصينية في بحر الصين الجنوبي. لقد أصبحتِ السياسةُ جزءًا لا يتجزأُ من المعادلة الاستثمارية، وأصبحَ فهمُها ضرورةً للبقاء، لا مجرد رفاهية معرفية.
هل انتهى عصر الدولار؟ وما مصير الذهب والمعادن؟
لم يَعُدِ الدولارُ هو الإجابة السريعة لكل سؤال اقتصادي، لقد باتتْ تطرحُ الأسواقُ سؤالًا وجوديًا: هل آنَ أوانُ إعادةِ تعريفِ "العملة العالمية"؟ وهل الذهب، كما في كل أزمة، سيخرجُ من رماده ملكًا متوّجًا؟
خلال العقود الماضية، ظلَّ الدولارُ الأمريكيُّ يلعبُ دورَ "ملك الاحتياطي العالمي" بلا منازع، مدعومًا بقوة الاقتصاد الأمريكي، وهيمنة واشنطن السياسية والعسكرية، وتفوق وول ستريت على بقية المراكز المالية. لكن منذ بداية العقد الحالي، بدأتِ المؤشراتُ تهمسُ بشيء مختلف: هناك خلخلة في مركز الهيمنة.
وجدَ الاستطلاعُ الشهريُّ العالميُّ لمديري الصناديق الاستثمارية الذي يُجريهِ بنك أوف أميركا أن النسبة الصافية لمن يُبدونُ تفضيلهم للدولار الأمريكي هي الأدنى منذ 20 عامًا كما يُوضحُ الرسم البياني أدناه.
القيمة الصافية (Net%) التي توضحُ الأوزانَ مقارنةً بالدولار الأمريكي بلغتْ أدنى مستواها خلال العقدين الماضيين، بينما تراجعَ مؤشر الدولار (DXY) بنحو 9% منذ بداية 2025 حتى تاريخ إجراء المسح.
أظهرتِ النتائجُ أيضًا أن المديرين خفضوا التخصيصات النقدية إلى 4.2٪ في يونيو (من 4.8٪ في أبريل)، وهو مستوى سيولة لم يُسجّلْ منذ عام 2010، كما أعلنَ المشاركون عن 45٪ تخفيضًا في الثقة بأسهم ودولار الولايات المتحدة.
من جهة أخرى، وصفَ المديرون الذهبَ بأنه "أكثر المراكز اكتظاظًا بالمراكز (crowded trade)" لعدة أشهر متتالية، يعني أن الذهب حققَ أطول المراكز مضاربة، متقدمًا على الناتج التقني الضخم (المعروف بـ Magnificent 7).
أما بالنسبة للتوقعات الجغرافية طويلة الأجل، فقد صرّحَ 54٪ من المشاركين أن الأسهم الدولية ستتفوقُ على الأسهم الأميركية خلال السنوات الخمس المقبلة، مقابل 23٪ فقط يتوقعون أداءً متفوقًا للأسهم الأميركية بحسب Market Watch.
جدير بالذكر أننا اليوم نرى الولايات المتحدة نفسها تمرُّ بتحولات داخلية عميقة، من صراع حزبي غير مسبوق إلى أزمات ديون مقلقة، ومن إعادة تموضع صناعي إلى انقسام اجتماعي متسارع. كل ذلك يترافقُ مع خطوات صينية وروسية متعمدة للابتعاد عن الدولار في تسويات التجارة الثنائية، لا سيما في مجالات النفط والغاز والمعادن النادرة، فيما تسعى قوىً ناشئةٌ مثل البرازيل والهند إلى تنويع احتياطاتها النقدية بعيدًا عن الخزانة الأمريكية.
في هذا السياق، لا يمكنُ تجاهلُ ما يفعلهُ الذهب. فبينما تفقدُ العملات الرقمية زخمها تحت ضغوط التشريعات، ومع انهيار الثقة بالبنوك المركزية، بدأَ الذهبُ يعودُ كـ"حقيقة ملموسة" في عالم تتحكمُ فيه الشكوك. البنوك المركزية، من الصين إلى تركيا، ومن روسيا إلى مصر، قامتْ بزيادة احتياطاتها من الذهب بوتيرة غير مسبوقة منذ نصف قرن، في رسالة واضحة: ما كان ملاذًا تقليديًا بات الآن بديلاً استراتيجيًا.
وعلى الرغم من وصول أسعار الذهب إلى مستويات قياسية في أبريل من هذا العام (ما يُقاربُ 3.500 $/أونصة)، لم تتوقفْ استراتيجيةُ شراءِ الذهبِ الرسمية. البنوك المركزية حول العالم أضافتْ صافي 12 طنًا من الذهب في ذلك الشهر فقط - أي أقل من المتوسط، لكنها ما تزال أعلى بنسبة 41٪ عن المستوى التقليدي في العقد السابق. هذه المؤشرات تعكسُ عدم رد الفعل المؤقت، بل تحولًا استراتيجيًا طويل الأمد في إدارة احتياطي الثروة.
وفي مسح حديث نسبيًا “ ظهرَ في تقرير "Central Bank Gold Reserves Survey 2025" الصادر عن World Gold Council”.. كان قد شملَ 73 بنكًا مركزيًا، أكدَ 95٪ منهم نيتهم زيادة احتياطيات الذهب خلال عام 2025، بينما أبدى 43٪ نية فعلية للشراء مباشرة دون أي توقع بالتراجع. وهذا يحدثُ في زمن تُسرّعُ فيه السعي للتخلص التدريجي من الدولار كعملة احتياطية.
حتى الفضة، والنحاس، والنيكل، بدأتْ تتحركُ خارج معادلات العرض والطلب التقليدية، مدفوعةً بالجيوسياسة أكثر من الاقتصاد. فالحربُ في أوكرانيا عطلتْ سلاسل الإمداد، والملف التايواني أثارَ مخاوفَ من شلل صناعي عالمي إذا ما تدهورتِ الأوضاعُ أكثر، خصوصًا في صناعة الرقائق الإلكترونية.
إنه مشهد تتقاطعُ فيه خيوط الطاقة، وسلاسل الإنتاج، والتحولات التكنولوجية، مع توترات السياسة العالمية. ومع كل خيط يتمزقُ، تزدادُ القناعةُ بأن الدولار لم يَعُدْ وحدهُ في المعركة، وأن العالم أمام منعطف قد يُعيدُ تشكيلَ معنى "القوة المالية" كما نعرفها.
يبقى السؤال: في عالم متعدد الأقطاب اقتصاديًا، أي الأصول يمكن أن تكونَ جوازَ السفرِ الجديدَ للأمان المالي الخاص بالمستثمرين؟ هل يعودُ العالمُ إلى معيار الذهب بنسخة رقمية؟ أم نرى نظامًا هجينًا تقودهُ سلة عملات، تتوسطها المعادن كمخزن موثوق للقيمة؟.. سأتركُ الإجابةَ لعشاق "سيد المعادن" كما أحبُّ أن أسميه.. فهم أولى بها، أليس كذلك؟.
إلى كل مستثمر: كيف تبني استراتيجية في ظل انهيار الثقة في البنوك المركزية؟
وسط عالم ينهارُ فيه السقف الذي كانت البنوك المركزية تعتقدُ أنه سيحمي الأسواق، يجدُ المستثمرُ نفسه في مواجهة حقيقة صعبة: الثقة التي بُنيَ عليها النظامُ الماليُّ العالميُّ بدأتْ تتآكلُ، وربما تنهارُ!
لم تَعُدْ قراراتُ الفيدرالي أو البنك المركزي الأوروبي تقودُ الأسواقَ كما كانت. الأوامر التحفيزية الضخمة والتدخلات المستمرة لتثبيت الأسعار أصبحتْ أقلَّ تأثيرًا، وأصوات المستثمرين تزدادُ توترًا مع كل تصريح يُعبّرُ عن تردد أو انقسام داخل هذه المؤسسات.
في هذا الزمن الذي يشهدُ فيه العالمُ فشلاً شبه كامل في التنبؤ بالانهيارات المصرفية، وتقلبات العملة التي تُزلزلُ حتى أكبر الاقتصادات، يتطلبُ الأمرُ من المستثمر إعادةَ بناءِ استراتيجيتهِ من أساسها.
ومن منظور شخصي - كما أرى - بأن أول ما يجبُ أن يدركهُ المستثمرُ اليوم هو أن الاعتماد على أدوات التحليل التقليدية فقط بات غير كافٍ. فالعوامل السياسية والجيوسياسية والتقنية أصبحتْ تلعبُ دورًا أكبرَ في تحريك الأسواق من المؤشرات الاقتصادية. لهذا، لا بد من:
-
تنويعُ المحفظةِ بذكاءٍ، لتشملَ أصولاً ليست فقط مالية، بل مادية ملموسة: من مثل الذهب والمعادن الثمينة، والعقارات في مناطق مستقرة، والأصول الرقمية ذات القدرة على التحوط.
-
مراقبةُ السيولةِ، ليس فقط على مستوى الأسواق، بل على مستوى البنوك والمؤسسات المالية. الانهيارات المفاجئة قد تأتي من مؤسسات صغيرة لكنها ذات تأثير متسلسل.
-
اعتمادُ مؤشرات "السلوك" وليس فقط الأرقام: مراقبة تحركات كبار المستثمرين، وصناديق التحوط، ونشاط التداول الخوارزمي يمكن أن يُعطيَ إشاراتٍ مبكرةً عن تحولات كبرى.
-
الاحتفاظُ بسيولةٍ كافيةٍ في سوقٍ مضطرب، إن القدرة على التصرف السريع هي مفتاح النجاة.
إن المستثمر الذكي يعرفُ أن عالم اليوم يتطلبُ خبرةً في فهم التأثيرات المتبادلة بين الأحداث السياسية والاقتصادية وحتى البيئية. فمثلاً، قد لا يكونُ انخفاضُ أسعار النفط مجرد نتيجة لزيادة الإنتاج، بل نتيجة لاتفاقات سرية بين دول تُؤثرُ على السوق.. ألم يحدثْ ذلك؟..
الاستثمار في زمن انهيار الثقة هو فن توقّعِ الفوضى وليس فقط توقع الاستقرار. إنه السير على الحبل المشدود بين الجرأة والحذر، بين استغلال الفرص وحماية رأس المال.
وفي هذا السياق، لا بد أن نُعيدَ تعريفَ "نجاح الاستثمار" ليس فقط من خلال الأرباح الكبيرة، بل من خلال قدرة المحفظة على الصمود، وعلى التأقلم مع متغيرات لا يمكن التنبؤ بها بسهولة.
فرص غير تقليدية: من العملات الرقمية السيادية إلى السلع النادرة
حين يَغيبُ اليقينُ ويزدادُ التقلبُ، يُصبحُ البحثُ عن الفرص غير التقليدية مسألة بقاء للمستثمرين. في عالمٍ يُعيدُ رسمَ حدودهِ المالية والسياسية، يبرزُ أمامنا طيفٌ واسعٌ من الأصول التي لم تكنْ في السابق محور اهتمام المستثمرين التقليديين، لكنها اليوم تُمثلُ جوازَ سفرٍ جديدًا نحو الاستقرار والربح.
العملات الرقمية السيادية (CBDCs) في ظلّ تصدّعِ الثقة في النظام المالي العالمي، وبروزِ تحالفاتٍ اقتصاديةٍ تسعى لكسرِ هيمنةِ الدولار، بدأتِ الدولُ الكبرى مثل الصين، الإمارات، وروسيا بإطلاقِ نسخها الرقمية من العملات الرسمية، المعروفة باسم العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs).
هذه العملات ليست مجرد نسخة إلكترونية من النقود، بل أدوات استراتيجية للسيطرة على حركة الأموال داخليًا وعبر الحدود، مما قد يُعيدُ تشكيلَ سياساتِ النقدِ الدوليِّ والتجارة.
للمستثمر الذكي، يفتحُ هذا البابُ أمامهُ الفرصَ في قطاع التكنولوجيا المالية، والشركات التي تُطورُ البنية التحتية الرقمية، بالإضافة إلى إمكانية الاستفادة من تقلبات هذه العملات الجديدة التي لا تزال في مراحلها الأولى.
المعادن والسلع النادرة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وعودة الحديث عن الأزمات في سلاسل التوريد، تحوّلتِ المعادنُ الأساسيةُ والنادرةُ من مجرد مواد خام إلى أدوات استراتيجية.
الذهب والفضة، كما ذكرنا، استعادا مكانتهما كملاذ آمن، لكن النحاس، النيكل، الكوبالت، والليثيوم باتتْ ضروريةً لتقنيات الطاقة النظيفة، والسيارات الكهربائية، والاتصالات، مما يَجعلُ الطلبَ عليها مستمرًا ومتزايدًا. الاستثمار في هذه السلع عبر العقود الآجلة، أو الصناديق المتداولة، أو حتى الشركات العاملة في هذا المجال، يُعدُّ فرصةً لن تتكررَ كثيرًا برأيي الشخصي في المستقبل القريب.
التكنولوجيا والتقنيات الدفاعية مع تصاعد النزاعات، ارتفعَ الطلبُ على شركات الأمن السيبراني، والمنتجات الدفاعية الحديثة، وهو قطاع يميلُ إلى النمو المستدام بغض النظر عن تقلبات الأسواق التقليدية.
في النهاية، لن تكونَ الفرصُ الأكبرُ في السوق التقليدية فقط، بل في الأماكن التي تُحاولُ فيها القوى الكبرى إعادةَ بناءِ أسسِ النظامِ الاقتصاديِّ الجديدِ. وللمستثمر الذي يَملكُ الشجاعةَ والمعرفةَ، فإن الانفتاح على هذه الفرص غير التقليدية هو السبيل للبقاء والنمو وسط العواصف.
أخيرًا..
حين يتلاشى الاستقرارُ، وتتشابكُ بهذا الزمن السياسة بالاقتصاد، لم يَعُدِ الاستثمارُ فقط حساباتٍ ماليةٍ تقليديةً. لقد أصبحتِ الأسواقُ مسرحًا لصراعات القوة العالمية، حيث تتحركُ الأموالُ على وقعِ التقلباتِ الجيوسياسيةِ والقرارات النقدية غير المسبوقة.
المستثمر الناجح اليوم هو من يَفهَمُ أن السوق لا يَتبعُ عقلًا واحدًا، بل عدة عقول متصارعة وأحيانًا متناقضة. هو من يَبني محفظته على معرفة عميقة بما وراء الأرقام، ويقرأُ الإشاراتِ السياسيةَ والاقتصاديةَ بخبرة متجددة.
لا تبحثْ عن الأمان في ملاذات قد تُصبحُ فجأةً أهدافًا جغرافية أو مالية.. لا تتوقفْ عند أدوات تحليل قديمة لا تعكسُ تعقيدَ المشهدِ الراهنِ. بل كنْ دائمًا مستعدًا للتكيف، مُتحوطًا بذكاءٍ، ومُنفتحًا على فرصٍ جديدةٍ مهما بدتْ غيرَ تقليديةٍ.. فإنه في عالم يُعادُ فيه رسمُ الخرائطِ الماليةِ والسياسيةِ يوميًا، البقاءُ للأذكى… لا للأقوى.
كل ما ورد في هذا المقال يُعبرُ عن رأي شخصي.
