زلزال في سوق العملات الرقمية.. خسائر بـ 100 مليار دولار في ساعات
العملات المشفرة: حوار حول التنظيم والسيادة المالية (3)
د. محمد جميل الشبشيري
في مقهانا المعتاد، حيث تتشابك خيوط النقاشات الاقتصادية والتقنية، التقى أمين ورائد مجددًا. هذه المرة، لم يكن محور حديثهما البيتكوين كعملة فحسب، بل امتد ليشمل المشهد التنظيمي المعقد للعملات المشفرة حول العالم، مع التركيز على التطورات الأخيرة في الولايات المتحدة وإصدارات شخصيات بارزة مثل دونالد ترامب.
أمين: “فوضى تنظيمية أم ضرورة حتمية؟”
بدأ أمين، بابتسامته الهادئة التي تخفي وراءها قلق المصرفي المخضرم:
“رائد، بعد نقاشنا الأخير حول البيتكوين، أجد نفسي أمام سؤال أكبر: كيف يمكن للعالم أن يتعامل مع هذه الظاهرة المتنامية؟ يبدو لي أن هناك فوضى تنظيمية عارمة. في الولايات المتحدة وحدها، كان الأمر أشبه بساحة معركة بين وكالات متعددة. فمثلاً، كانت لجنة تداول السلع الآجلة (CFTC) تنظم السلع الرقمية اللامركزية، بينما كانت هيئة الأوراق المالية والبورصات (SEC) تلاحق الأصول الرقمية المصنفة كأوراق مالية، ناهيك عن مصلحة الضرائب (IRS) التي تصنفها كملكية لأغراض ضريبية. هذا التشتت كان يثير الكثير من الارتباك في السوق.”
“لكن يبدو أن عام 2025 قد حمل معه بعض الوضوح،” يضيف أمين، وهو يقلب صفحات تقرير أمامه. “مع إقرار قانون GENIUS، الذي فرض ترخيصًا حصريًا للمُصدرين المعتمدين للعملات المستقرة المرتبطة بالدولار، واشتراط احتياطيات نقدية أو أصول سائلة بنسبة 100%، ومراجعات شهرية صارمة، والتزام بقوانين مكافحة غسل الأموال وحماية المستهلك. كما جاء قانون CLARITY ليقلل التداخل بين SEC وCFTC. والأهم، قانون منع CBDC الذي يمنع الاحتياطي الفيدرالي من إصدار عملة رقمية للأفراد دون موافقة الكونغرس، على عكس دول مثل الصين التي تتقدم بخطى واسعة في اليوان الرقمي.”
رائد: “تنظيم ضروري، لكن يجب أن يكون ذكيًا لا خانقًا”
رد رائد، بعينين تلمعان بالحماس، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة:
“بالتأكيد يا أمين، التنظيم ضروري، ولكن السؤال هو: كيف ننظم دون أن نخنق الابتكار؟ ما ذكرته عن القوانين الجديدة في الولايات المتحدة خطوة مهمة نحو النضج. لكن دعني أطرح عليك مثالاً حيًا يوضح مدى تعقيد المشهد: ما رأيك في إصدارات ترامب وجيسيكا الرقمية؟”
“فدونالد ترامب، على سبيل المثال، أطلق عملة ميمكوين باسم MELANIA، وحظي باهتمام سوقي كبير أيضًا. هذه العملات ليست مستقرة ولا مرتبطة بالدولار، وبالتالي لا تخضع مباشرة لقانون GENIUS. لكن السؤال هنا: هل يجب أن تخضع لرقابة CFTC كسلع، أو SEC إذا صنفت كأوراق مالية؟ هذا هو التحدي.”
“الأمر يصبح أكثر إثارة للاهتمام مع العملة المستقرة USD1، التي أطلقتها شركة World Liberty Financial المملوكة لعائلة ترامب. هذه العملة مرتبطة بالدولار، ومغطاة بالخزانة الأمريكية والنقد، وبلغت قيمتها السوقية أكثر من 2 مليار دولار. وقد استخدمت في صفقة استثمارية ضخمة لشراء حصة في Binance عبر شركة إماراتية. هنا، التوافق مع قانون GENIUS إلزامي، لكن الشبهات تدور حول تضارب المصالح واستغلال المنصب. هذا يوضح أن التنظيم ليس مجرد وضع قوانين، بل هو أيضًا عن كيفية تطبيقها والتعامل مع الحالات الخاصة التي قد تثير تساؤلات أخلاقية وقانونية.”
أمين: “تضارب المصالح: نقطة ضعف النظامين؟”
تنهد أمين، وبدا عليه التفكير العميق:
“هذه النقطة بالذات، تضارب المصالح، هي ما يقلقني. ففي النظام التقليدي، لدينا آليات للتعامل معها، وإن لم تكن مثالية. لكن في عالم العملات المشفرة، حيث السرعة واللامركزية، يبدو الأمر أكثر تعقيدًا. إذا كان المسؤولون الكبار يطلقون عملاتهم الخاصة، فكيف نضمن عدم استغلالهم لمناصبهم أو معلوماتهم؟ هذا يمس جوهر الثقة التي نتحدث عنها.”
رائد: “تجارب عالمية: دروس مستفادة ومسارات مختلفة”
قاطع رائد، محاولاً توسيع النقاش إلى منظور عالمي:
“دعنا ننظر إلى التجارب الدولية يا أمين. فالعالم ليس الولايات المتحدة وحدها. هناك مسارات مختلفة للتنظيم، وكل منها يقدم دروسًا:
• كندا: ألزمت منصات التداول بالتسجيل لدى السلطات الإقليمية، واعتبرت العملات الرقمية كسلع لأغراض الضرائب، وسمحت بإدراج صناديق ETFs للبيتكوين في بورصة تورونتو، مما يدل على نهج براغماتي.
• المملكة المتحدة: بدأت بتنظيم القطاع منذ عام 2020، وشددت هيئة السلوك المالي (FCA) قيود الإعلانات على العملات المشفرة في عام 2023، وتتجه نحو إطار شامل في عام 2026.
• سويسرا: تعتبر رائدة في هذا المجال، فقانون DLT لعام 2020 سمح بترميز الأصول المالية، مما خلق بيئة مرنة لكنها منظمة، مع فرض ضرائب على الدخل والثروة.
• السلفادور: اتخذت خطوة جريئة بإعلان البيتكوين عملة قانونية في عام 2021، وألزمت التجار بقبولها، مع تقديم إعفاءات ضريبية للمستثمرين الأجانب. تجربة فريدة من نوعها، وإن كانت محفوفة بالمخاطر.
•سنغافورة: تفرض تراخيص إلزامية للبورصات ومحافظ الحفظ بموجب قانون خدمات الدفع (2019)، مع تنظيم صارم للعملات المستقرة، لكنها في الوقت نفسه تشجع الابتكار.
•الاتحاد الأوروبي: إقرار لائحة MiCA في عام 2023، والتي دخلت معظم بنودها حيز التنفيذ في عام 2024، يمثل إطارًا موحدًا لكل الدول الأعضاء، مع تركيز على حماية المستثمرين والاستقرار المالي. هذه خطوة عملاقة نحو توحيد الجهود التنظيمية.
• الصين: على النقيض تمامًا، فرضت حظرًا شبه كامل لتداول وتعدين العملات المشفرة منذ عام 2021، وفي الوقت نفسه تطلق اليوان الرقمي في مراحل تجريبية موسعة. هذا يوضح التناقض بين حظر العملات اللامركزية وتشجيع العملات الرقمية المركزية التي تسيطر عليها الدولة.”
أمين: “تأثير السياسات على السوق: بين الوضوح والمخاطر”
أومأ أمين برأسه، وبدا عليه الاقتناع ببعض النقاط:
“هذه التجارب المتنوعة تظهر أن لا يوجد حل واحد يناسب الجميع. لكن السؤال الأهم هو: ما هو تأثير هذه السياسات على السوق في السنوات القادمة، تحديدًا بين 2025 و2030؟”
“من ناحية، الوضوح القانوني، كما في قانون GENIUS، يزيد من ثقة المستثمرين المؤسسيين. وإدراج صناديق ETFs للبيتكوين والإيثيريوم، كما حدث في الولايات المتحدة، يوسع قاعدة الاستثمار ويجذب رؤوس أموال ضخمة. هذا يمكن أن يؤدي إلى استقرار أكبر ونمو مستدام.”
“لكن من ناحية أخرى، هناك مخاطر. اللوائح الصارمة قد تقلل من الابتكار، خاصة للشركات الناشئة والصغيرة التي قد لا تستطيع تحمل تكاليف الامتثال الباهظة. وتضارب المصالح، كما في حالة إصدارات ترامب، يمكن أن يقوض الثقة في النظام بأكمله. فإذا كان من المفترض أن تكون العملات المشفرة لامركزية وشفافة، فكيف يمكن أن تتوافق مع تدخلات من شخصيات سياسية ذات نفوذ؟”
رائد: “مستقبل لا ينتظر: بين التبني والتحديات”
أنهى رائد حديثه بتوقعاته للمستقبل:
“أتوقع أن السوق سيشهد تقلبات مرتفعة على المدى القصير (2025–2026)، خاصة مع استمرار النقاشات التنظيمية. لكن إذا استمر تبني المؤسسات الكبرى، فسنرى اتجاهًا صعوديًا. على المدى المتوسط (2027–2028)، أتوقع نموًا مستقرًا بدعم الأطر القانونية الواضحة. أما على المدى الطويل (2029–2030)، فقد يصبح البيتكوين أصلًا أساسيًا في المحافظ الاستثمارية، تمامًا كالذهب أو الأسهم.”
“لكن،” يضيف رائد، “هذا لا يعني أن الطريق سيكون مفروشًا بالورود. التحدي الأكبر ليس فقط في صياغة اللوائح، بل في تنفيذها العادل، مع الموازنة الدقيقة بين تشجيع الابتكار وحماية المستثمرين والاستقرار المالي. وحالة ترامب وجيسيكا هي خير دليل على أن الإطار القانوني وحده لا يكفي لضمان الشفافية إذا لم تترافق معه آليات فعّالة لمنع تضارب المصالح.”
الخاتمة: حوار مستمر في عالم متغير
نظر أمين إلى رائد، ثم إلى فنجان قهوته الفارغ، وقال:
“يبدو أن هذا الحوار لن ينتهي أبدًا، تمامًا كالتطور المستمر في عالم العملات المشفرة. إنها رحلة معقدة، مليئة بالفرص والتحديات، تتطلب منا جميعًا، سواء كنا مصرفيين أو مهندسين، أن نبقى على اطلاع وأن نساهم في تشكيل مستقبل مالي أكثر عدلاً وشفافية.”
وافق رائد، وأضاف:
“بالضبط يا أمين. فالعالم يتغير بسرعة، والتقنية لا تنتظر. السؤال ليس ما إذا كانت العملات المشفرة ستغير العالم، بل كيف سنستعد لهذا التغيير ونديره بحكمة.
