الذهب بين قرارات التجارة وتقلبات الأسواق: حارس القيمة في عالم مضطرب

تم النشر 10/08/2025, 09:57

لطالما كان الذهب أكثر من مجرد معدن ثمين؛ إنه رفيق البشرية عبر العصور، شاهد على الحضارات، وحارس أمين للقيمة في أوقات الاضطراب. يمتلك الذهب سحراً خاصاً يجعله محط أنظار الأفراد والدول على حد سواء، فهو ليس مجرد سلعة تُباع وتُشترى، بل هو رمز للأمان والاستقرار في عالم دائم التغير.

في هذا المقال، سنغوص في أعماق عالم الذهب، مستكشفين مكانته في الاقتصاد العالمي، وكيف تتشكل أسعاره، وما هي العوامل الإنسانية والاقتصادية التي تؤثر فيه. وسنربط بين هذه الصورة التاريخية والتحليلات الراهنة التي تكشف كيف تتأثر أسعاره بالقرارات السياسية والاقتصادية الكبرى.

الذهب في الاقتصاد العالمي: ملاذ آمن عبر العصور

يُعد الذهب ركيزة أساسية في النظام المالي العالمي، فهو ليس مجرد مخزون استراتيجي للبنوك المركزية، بل ملاذ آمن يلجأ إليه المستثمرون في أوقات الشدائد. حتى نهاية عام 2024، بلغ إجمالي ما تم استخراجه من الذهب عبر التاريخ نحو 216,265 طناً مترياً، من بينها حوالي ثلثي الكمية (144,000 طن) تم استخراجها منذ عام 1950. 

على مستوى السيولة، ارتفع متوسط حجم التداول اليومي من 163 مليار دولار في 2023 إلى 233 مليار دولار في 2024، وسجل مستويات قياسية في مارس 2025 بلغت 298 مليار دولار. هذه الأرقام تعكس الثقة المستمرة في هذا المعدن الأصفر، وقدرته على الصمود أمام الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية.

العوامل المؤثرة في أسعار الذهب: قرارات التجارة ومشتريات البنوك المركزية

تتأثر أسعار الذهب بمجموعة معقدة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية. شهدت العقود الفورية للذهب ارتفاعاً ملحوظاً في أوائل أغسطس 2025، حيث وصلت إلى 3,395 دولاراً للأونصة يوم 8 أغسطس 2025. كما سجلت العقود الآجلة مستويات قياسية، حيث افتتحت عند 3,487.90 دولاراً للأونصة يوم الجمعة 8 أغسطس 2025، مسجلة بذلك أعلى مستوى لها على الإطلاق.

تأثير القرارات التجارية

جاء قرار الاتحاد الأوروبي بتعليق الإجراءات الانتقامية ضد التعريفات الأمريكية لمدة ستة أشهر كعامل دعم رئيسي، بعد اتفاق مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما أوقف تنفيذ رسوم كانت ستدخل حيّز التنفيذ وتشمل الصلب والألومنيوم والسيارات والسلع الأساسية. هذا القرار خفّف من حدة القلق التجاري، لكنه في الوقت ذاته عزز إقبال المستثمرين على الذهب كملاذ آمن، في ظل استمرار حالة عدم اليقين في التجارة العالمية.

ومع ذلك، فإن أي تحسن في العلاقات التجارية يمكن أن يؤدي إلى تراجع مؤقت في أسعار الذهب. ففي أواخر يوليو 2025، انخفض السعر الفوري للذهب إلى ما بين 3,310 و3,335 دولاراً بعد اتفاق تجاري أمريكي أوروبي على رسوم بنسبة 15%، مما أدى إلى تراجع الطلب على الملاذات الآمنة. في المقابل، أدت تقارير عن فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية على واردات سبائك الذهب عيار 1 كيلوغرام إلى ارتفاع أسعار الذهب بشكل كبير في أوائل أغسطس 2025، مما يعكس حساسية السوق تجاه مثل هذه القرارات.

وفي تطور حديث، تراجعت أسعار الذهب من أعلى مستوياتها القياسية يوم الجمعة 8 أغسطس 2025، بعد أن أعلن البيت الأبيض أنه سيوضح سوء الفهم حول فرض تعريفات جمركية على سبائك الذهب. وصرح مسؤول في البيت الأبيض لشبكة CNBC بأن البيت الأبيض يعتزم إصدار أمر تنفيذي في المستقبل القريب يوضح سوء الفهم حول تعريفات سبائك الذهب وغيرها من المنتجات المتخصصة. وقد تراجعت العقود الآجلة للذهب من أعلى مستوى إغلاق لها على الإطلاق عند 3,491.30 دولارًا بعد بيان البيت الأبيض، حيث تم تداول المعدن الثمين آخر مرة عند 3,463.30 دولارًا.

وكانت الجمعية السويسرية للمعادن الثمينة قد حذرت في وقت سابق يوم الجمعة من أن التعريفات الأمريكية قد تؤثر سلبًا على التدفق الدولي للذهب المادي. وأعرب كريستوف وايلد، رئيس الجمعية السويسرية للمعادن الثمينة، عن قلقه بشكل خاص بشأن تداعيات التعريفات على صناعة الذهب والتبادل المادي للذهب مع الولايات المتحدة، التي تعد شريكًا تاريخيًا وطويل الأمد لسويسرا. وقد فرض الرئيس دونالد ترامب تعريفة بنسبة 39% على الصادرات السويسرية إلى الولايات المتحدة. ويبدو أن هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية أوضحت هذا الأسبوع أن سبائك الذهب عيار 1 كيلوغرام و100 أونصة ليست مستثناة من التعريفات. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التوضيح لا ينطبق حصريًا على سويسرا، بل على جميع سبائك الذهب المصبوبة عيار 1 كيلوغرام و100 أونصة المستوردة إلى الولايات المتحدة من أي بلد.

دور البنوك المركزية

البنوك المركزية حول العالم تمتلك نحو 36,200 طن متري من الذهب، وهو ما يعزز مكانته كأصل احتياطي استراتيجي. وتُعد مشتريات البنوك المركزية عاملاً رئيسياً في دعم أسعار الذهب. فخلال الربع الثاني من 2025، أضافت البنوك المركزية 166 طناً إلى احتياطاتها، مما يعكس ثقة المؤسسات الكبرى في المعدن. وفي يونيو 2025، أعلنت البنوك المركزية عن صافي مشتريات بلغ 22 طناً، ليصل إجمالي مشتريات النصف الأول من العام إلى 123 طناً. كما واصل البنك المركزي الصيني إضافة الذهب إلى احتياطاته للشهر التاسع على التوالي.

نبض السوق: المشتقات المالية والمستثمرون

يتحرك الذهب يومياً تحت تأثير أسواق المشتقات المالية، حيث تشكل العقود الآجلة وعقود الخيارات أدوات أساسية لتوقع أو التحوط ضد تحركات الأسعار. في الأشهر الأخيرة، أظهرت بيانات السوق أن كبار المستثمرين، بما في ذلك الصناديق المتداولة في البورصة (ETFs) مثل GLD، قاموا بزيادة حيازاتهم بشكل ملحوظ. 

خلال الربع الثاني من 2025، ارتفع الطلب العالمي على الذهب إلى 1,249 طناً، بزيادة 3% عن نفس الفترة من 2024، بينما ارتفعت القيمة الإجمالية للطلب بنسبة 45% إلى 132 مليار دولار. وجذبت صناديق الاستثمار المتداولة وحدها 170 طناً من الذهب.

الذهب في خزائن العالم: من البنوك المركزية إلى الأفراد

تظل الأسواق الآسيوية، وخاصة الهند والصين، من أكبر المستهلكين، سواء عبر المشغولات الذهبية أو الاستثمار المباشر. لكن المثير للاهتمام هو التراجع في الطلب على المشغولات والعملات بنسبة 14% خلال الربع الثاني من 2025، بسبب ارتفاع الأسعار، في حين زاد الإقبال على الذهب كأداة استثمارية عبر الصناديق والسندات المدعومة بالذهب.

التحديات والآفاق المستقبلية

حتى الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، لا يسلم من التراجع. فعند هدوء التوترات أو تحسن شهية المخاطرة، يتراجع الطلب. هذا التراجع ينعكس مباشرة على أسهم شركات التعدين الكبرى مثل Newmont وBarrick Gold، التي تتحرك عادة بشكل مضاعف مقارنة بسعر الذهب.

يرى محللون أن نطاق التداول المتوقع للذهب في الأشهر الثلاثة المقبلة سيكون بين 3,300 و3,600 دولار، مع احتمالات وصوله إلى 3,500 دولار إذا استمرت المحفزات الحالية، خاصة في حال خفض الفائدة الأمريكية (احتمال بنسبة 81% وفق أداة CME). وتشير التوقعات الحالية إلى أن أسعار الذهب ستنهي العام بين 3,300 و3,400 دولار للأونصة. 

بالنسبة للمستثمرين على المدى الطويل، تبقى التراجعات المؤقتة فرصة للشراء، في حين يتطلب الاستثمار في أسهم التعدين حذراً أكبر بسبب تقلباتها العالية.

الذهب في المستقبل: عوامل الدعم والاستمرارية

السياسة النقدية الأمريكية، التضخم العالمي، مشتريات البنوك المركزية، وتنامي المخاطر الجيوسياسية، كلها عوامل قد تدفع أسعار الذهب للحفاظ على مستوياتها المرتفعة أو تجاوزها. إضافة إلى ذلك، تبرز مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإصدار أمر تنفيذي يسمح لحسابات التقاعد الأمريكية بالاستثمار في الذهب والمعادن الثمينة كعامل دعم طويل الأجل.

خاتمة: بريق لا يخفت

يظل الذهب مرآة تعكس التوازن الدقيق بين الخوف والأمل. ومع التطورات الأخيرة في السياسة التجارية بين واشنطن وبروكسل، واستمرار حالة عدم اليقين العالمية، يبدو أن المعدن الأصفر سيبقى حارساً للقيمة وملاذاً آمناً في عالم مضطرب.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.