شبح 80 ألف دولار يعود.. أسواق المشتقات تدق ناقوس الخطر بشأن البيتكوين
يقف جيروم باول، رئيس البنك المركزي الأمريكي (الاحتياطي الفيدرالي)، في قلب عاصفة اقتصادية وسياسية. خطابه الأخير في مؤتمر “جاكسون هول” الاقتصادي لم يكن مجرد كلمة عادية، بل كان بمثابة إعلان لمرحلة جديدة وحساسة يمر بها الاقتصاد الأمريكي والعالمي. فالرجل يواجه ضغوطاً من كل حدب وصوب: من الرئيس السابق دونالد ترامب الذي يطالبه بتخفيض أسعار الفائدة لإنعاش الأسواق، ومن البيانات الاقتصادية التي ترسم صورة مقلقة.
اتهامات سياسية أم قرارات واقعية؟
يرى البعض أن باول بدأ يرضخ للضغوط السياسية، خصوصاً مع مطالب ترامب المستمرة. لكن الحقيقة قد تكون أكثر تعقيداً. فلو استمر باول في سياسة رفع الفائدة، لاتهمه الجميع بالعناد السياسي وتجاهل معاناة الناس. ولو تجاهل الأرقام الاقتصاد الضعيفة، لكان ذلك تجاهلا للواقع. لذلك، كان الخيار الأكثر منطقية هو الاعتراف بأن الوقت قد حان لإعادة تقييم الأمور، وهو ما فعله بالضبط.
سوق العمل: المحرك الذي بدأ يفقد زخمه
كان عنوان المؤتمر هذا العام هو “أسواق العمل في مرحلة انتقالية”، وهذا لم يأتِ من فراغ. فسوق العمل في أمريكا، التي كانت يوماً ما نقطة القوة، أصبحت الآن مصدر القلق الأكبر. بيانات شهر يوليو الماضي أظهرت تباطؤاً كبيراً في خلق وظائف جديدة، بل وتم تعديل أرقام الأشهر السابقة لتعكس أداءً أسوأ مما كان متوقعاً.
هذا يثير قلقاً حقيقياً من أن البطالة قد تبدأ في الارتفاع بشكل سريع، وهو الكابوس الذي يحاول البنك الفيدرالي تجنبه. فالمسؤولون يتوقعون بالفعل أن يرتفع معدل البطالة قبل نهاية هذا العام، وأن يبقى مرتفعاً حتى عام 2027.
التضخم: الشبح الذي لا يزال حاضراً
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الأسعار لا تزال مرتفعة. فالتضخم الأساسي (الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة) ارتفع في يوليو بأسرع وتيرة له منذ بداية العام. كما أن الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضتها أمريكا تزيد الطين بلة، حيث ترفع تكلفة البضائع على الشركات، التي بدورها تمرر هذه الزيادة إلى المستهلك.
رغم ذلك، يعتقد بعض الخبراء أن هذا الارتفاع في الأسعار قد يكون مؤقتاً، وأن تباطؤ الاقتصاد العام سيساعد في كبح جماح التضخم على المدى الطويل.
كيف تفاعلت الأسواق؟
كان رد فعل الأسواق هادئاً بشكل ملحوظ، وكأنها كانت تتوقع هذه الخطوة. فالمستثمرون يراهنون بنسبة تتجاوز 80% على أن البنك الفيدرالي سيقوم بخفض أسعار الفائدة في اجتماعه القادم في سبتمبر، مع توقع خفض آخر قبل نهاية العام في ديسمبر. بكلمات أبسط، الأسواق فهمت رسالة باول على أنها قراءة واقعية للاقتصاد، وليست استسلاماً للسياسة.
النمو الاقتصادي يتباطأ
كل هذه الأحداث تقع على خلفية تباطؤ واضح في النمو الاقتصادي الأمريكي. ففي النصف الأول من عام 2025، نما الاقتصاد بنسبة 1.2% فقط، وهو رقم ضعيف جداً مقارنة بنسبة 2.8% في عام 2024. ومع استمرار ضغط الرسوم الجمركية وتراجع قدرة الناس على الإنفاق، أصبحت الحاجة ماسة لدعم الاقتصاد عبر خفض الفائدة.
ماذا عن الذهب والدولار والبيتكوين؟
في خضم حالة عدم اليقين هذه، لجأ المستثمرون إلى الأصول التي يعتبرونها آمنة أو بديلة:
• الذهب: قفز سعر أونصة الذهب فوق 2,450 دولاراً، مستفيداً من تراجع الدولار وتوقعات خفض الفائدة، ليثبت مجدداً أنه الملاذ الآمن وقت الأزمات.
• الدولار الأمريكي: انخفضت قيمته بنسبة 0.5%، مما أعطى العملات الأخرى مثل اليورو والين فرصة للصعود.
• البيتكوين: ارتفعت العملة الرقمية الأشهر بأكثر من 3%، حيث يراها البعض بديلاً جيداً في ظل التضخم والمخاطر السياسية.
الخلاصة
وجد جيروم باول نفسه في موقف لا يُحسد عليه، لكنه اختار الطريق الأكثر حكمة: الموازنة بين الضغوط المختلفة والبيانات الواقعية. خطابه لم يكن مفاجئاً، بل كان براغماتياً يمهد الطريق لخفض الفائدة دون أن يقدم وعوداً نهائية. لقد أعطته الأسواق الضوء الأخضر للتحرك، لكن التحدي الحقيقي أمامه هو قيادة سفينة الاقتصاد الأمريكي خلال هذه المرحلة الانتقالية الصعبة، بين تضخم عنيد وسوق عمل بدأت تظهر عليها علامات الضعف.
ماذا يعني كل هذا لدول الشرق الأوسط؟
قد تبدو قرارات جيروم باول في واشنطن بعيدة، لكنها في الحقيقة تؤثر بشكل مباشر وعميق على اقتصادات دول الشرق الأوسط، وخصوصاً دول الخليج العربي. إليك كيف يحدث ذلك:
1. ربط العملات بالدولار: مصير مشترك
معظم دول الخليج (مثل المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، قطر، البحرين، وعُمان) تربط عملاتها بالدولار الأمريكي. هذا يعني أن بنوكها المركزية مضطرة إلى حد كبير لاتباع سياسات البنك الفيدرالي الأمريكي.
• عندما يخفض الفيدرالي الفائدة: تضطر هذه الدول إلى خفض أسعار الفائدة لديها للحفاظ على سعر صرف عملتها ثابتاً مقابل الدولار.
◦ الإيجابيات: خفض الفائدة يجعل الاقتراض أرخص للشركات والأفراد، مما قد يشجع على الاستثمار والإنفاق ويدعم النمو الاقتصادي المحلي في قطاعات غير نفطية مثل العقارات، السياحة، والتجزئة.
◦ السلبيات: قد يؤدي خفض الفائدة إلى خروج بعض الاستثمارات الأجنبية (Hot Money) التي تبحث عن عوائد أعلى في أماكن أخرى، على الرغم من أن استقرار اقتصادات الخليج يحد من هذه المخاطر.
2. أسعار النفط: علاقة عكسية
تاريخياً، هناك علاقة عكسية بين قيمة الدولار وأسعار النفط.
• عندما يضعف الدولار: (وهو ما يحدث عادة عند خفض الفائدة)، يصبح النفط أرخص بالنسبة للمشترين الذين يستخدمون عملات أخرى. هذا يزيد الطلب العالمي على النفط، مما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعاره.
• الفائدة لدول الخليج: هذا يعتبر خبراً ممتازاً للدول المصدرة للنفط، حيث ترتفع إيراداتها الحكومية، مما يسمح لها بزيادة الإنفاق على المشاريع الضخمة التي تهدف إلى تنويع اقتصاداتها (مثل رؤية 2030 في السعودية).
3. تكلفة الديون وجاذبية الاستثمار
بالنسبة لدول الشرق الأوسط الأخرى التي لا تربط عملتها بالدولار بشكل مباشر (مثل مصر أو الأردن)، فإن قرارات الفيدرالي تؤثر عليها بطرق مختلفة:
• تكلفة الديون: الكثير من ديون هذه الدول مقومة بالدولار. عندما تنخفض أسعار الفائدة الأمريكية، تنخفض تكلفة خدمة هذه الديون، مما يخفف الضغط على ميزانياتها.
• جاذبية الاستثمار: انخفاض الفائدة في أمريكا يجعل الاستثمار في أسواق السندات والأسهم في الدول الناشئة (ومنها دول في الشرق الأوسط) أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب الباحثين عن عوائد أعلى. هذا يمكن أن يجلب تدفقات استثمارية جديدة تدعم اقتصاداتها.
4. الذهب كمكون رئيسي في الاحتياطيات
تحتفظ البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط، باحتياطيات كبيرة من الذهب. وكما رأينا، فإن توقعات خفض الفائدة تدفع سعر الذهب للارتفاع. هذا يعني أن قيمة احتياطيات هذه البنوك تزداد، مما يعزز من متانة مراكزها المالية وقدرتها على مواجهة أي أزمات اقتصادية مستقبلية.
خلاصة التأثير على المنطقة
بشكل عام، يمكن القول إن قرار البنك الفيدرالي الأمريكي بالتمهيد لخفض أسعار الفائدة يعتبر إيجابياً في مجمله لمنطقة الشرق الأوسط:
• لدول الخليج: يدعم النمو غير النفطي ويرفع قيمة الإيرادات النفطية.
• لباقي دول المنطقة: يخفف أعباء الديون ويجذب استثمارات أجنبية.
• للجميع: يرفع من قيمة احتياطيات الذهب.
إنها حلقة متصلة تبرهن على أن الاقتصاد العالمي أصبح قرية صغيرة، وقرار يُتخذ في واشنطن يمكن أن يرسم ملامح المشهد الاقتصادي في الكويت و الرياض ودبي والقاهرة.
