روسيا والصين والهند: هل يصمد التحالف أمام اختبار الجغرافيا السياسية ومصالح القوة؟

تم النشر 27/08/2025, 17:25

عودة التحالف الثلاثي (RIC): هل تنجح روسيا والصين والهند في تغيير قواعد اللعبة؟

في لحظة فارقة من عمر النظام الدولي، حيث تتقاطعُ الأزماتُ الاقتصاديةُ مع النزاعات الجيوسياسية، وتتصاعدُ الضغوطُ المتبادلةُ بين القوى العظمى، تعودُ إلى الواجهةِ فكرةٌ قديمةٌ-جديدةٌ: التحالف الثلاثي بين روسيا والصين والهند. هذه الصيغة التي طُرحتْ لأول مرة في تسعينيات القرن الماضي تحت مسمى مجموعة RIC (Russia–India–China) تعودُ اليومَ إلى دائرة النقاش، بعد أن فرضتِ التطوراتُ العالميةُ واقعًا يضغطُ على العواصم الثلاث للبحث عن خيارات بديلة تُعيدُ ترتيبَ موازينِ النفوذِ في مواجهة الهيمنة الغربية.

إنها ليست مجرد فكرة أكاديمية أو حوار عابر بين دبلوماسيين؛ بل مشروع استراتيجي يضعُ أمام موسكو وبكين ونيودلهي أسئلةً كبرى تتعلقُ بقدرتهم على تجاوز خلافات الماضي، وتوظيفِ قوتهم الاقتصاديةَ والديموغرافيةَ والعسكريةَ لتشكيل تكتل قادر على تعديل ملامح القرن الحادي والعشرين. لكن هل يمكنُ لهذا المشروعِ أن يتجاوزَ حدودَ التنسيقِ الظرفيِّ ليصبح تحالفًا متماسكًا؟

خلفية تاريخية: من بريماكوف إلى اليوم

حين طرحَ رئيسُ الوزراءِ الروسيُّ الأسبقُ يفغيني بريماكوف فكرة إنشاء إطار ثلاثي يضمُّ روسيا والصين والهند عام 1998، كانَ السياقُ الدوليُّ مختلفًا تمامًا. الاتحاد السوفييتي كان قد انهارَ قبل سنوات قليلة، والولايات المتحدة كانت تتربعُ منفردةً على قمة النظام العالمي، بينما كانت الصين في بدايات صعودها الاقتصادي، والهند منشغلة بتجربتها الديمقراطية الداخلية وتحرير أسواقها.

بدا بريماكوف مدفوعًا بالرغبة في كسر أحادية القطب الأميركية، وتأسيس جبهة آسيوية قادرة على الموازنة. لكن الفكرة اصطدمتْ مبكرًا بجدار الخلافات الحدودية بين الصين والهند، وباختلاف أولويات كل طرف، فلم تتجاوزِ الاجتماعاتُ الرمزيةَ والتصريحاتِ الدبلوماسيةَ.

اليوم، بعد مرور أكثر من عقدين، تتغيرُ المعادلاتُ جذريًا: روسيا تعيشُ عزلةً دوليةً غيرَ مسبوقةٍ بفعل الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية، الصين تخوضُ منافسةً استراتيجيةً طويلةَ الأمدِ مع واشنطن، والهند تَجدُ نفسها بين شراكاتها مع الغرب ورغبتها في الحفاظ على استقلالية قرارها الاستراتيجي. هكذا يعودُ الحديثُ عن "RIC" لكن في سياق أكثر تعقيدًا وأشد خطورة.

موسكو: البحث عن مخرج من العزلة

لا يمكنُ فهمُ دوافعِ روسيا نحو إعادة إحياء التحالف الثلاثي من دون إدراك حجم المأزق الاستراتيجي الذي تَعيشهُ منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. فالعقوبات الغربية قطعتْ شرايينَ الاقتصادِ الروسيِّ، ودفعتِ الكرملينَ إلى الارتماءِ في أحضان بكين، وتوسيعِ صادراتِ الطاقةِ نحو آسيا، والبحثِ عن شركاءَ قادرين على كسر طوق العزلة.

من هنا تبدو موسكو الأكثر حماسةً لفكرة إحياء صيغة روسيا–الهند–الصين، ليس فقط كأداة اقتصادية، بل كرسالة سياسية مفادها أن روسيا ليست وحيدة، وأنها قادرة على بناء شبكات تحالف بديلة عن المؤسسات الغربية.

لكن هذه الحماسة الروسية تصطدمُ بواقعٍ صعبٍ: الهند لم تتخلَّ تمامًا عن علاقاتها مع الغرب، والصين لا تُريدُ أن تتحملَ وحدها كلفةَ الانحيازِ الكاملِ لموسكو، ما يَجعلُ الدورَ الروسيَّ أقربَ إلى الباحثِ عن غطاءٍ استراتيجيٍّ أكثر منه شريكًا متكافئًا.

بكين: بين الطموح والحذر

الصين، التي باتتِ القوةَ الاقتصاديةَ الثانيةَ عالميًا، تَنظرُ إلى التحالف الثلاثي باعتباره فرصة لتعزيز مشروعها الأكبر: الدفع نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب يَحدُّ من الهيمنةِ الأميركيةِ. فمنظمة بريكس، ومبادرة "الحزام والطريق"، ومنظمة شنغهاي للتعاون، كلها منصات ترى فيها بكين أدوات لترسيخ نفوذها الدولي.

لكن الصين تُدركُ أيضًا أن الشراكة مع الهند محفوفةٌ بالمخاطر. النزاع الحدودي المزمن، الذي تفجّرَ بشكل دموي عام 2020 في وادي غالوان، جعلَ الثقةَ بين الجانبينِ شبهَ معدومةٍ. كما أن نيودلهي لا تزال ترفضُ الانضمامَ لمبادرة "الحزام والطريق" وتَخشى من تطويقها عبر النفوذ الصيني المتنامي في باكستان وجنوب آسيا.

لذلك تتعاملُ بكينُ مع فكرة "RIC" بقدر كبير من البراغماتية: تنخرطُ بقدر ما يُحققُ مصالحها في مواجهة واشنطن، لكنها لا تُراهنُ على تحالف استراتيجي كامل مع الهند.

نيودلهي: الاستقلال الاستراتيجي أولاً

تُعدُّ الهندُ الحلقةَ الأصعبَ في هذه المعادلة. فمن جهة، لديها مصالحُ تاريخيةٌ مع روسيا، سواء في التسليح أو الطاقة. ومن جهة أخرى، هي جزء من شراكات قوية مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا عبر تحالف الرباعية (QUAD).

دفعتْ إدارةُ الرئيسِ الأميركيِّ السابقِ دونالد ترامب، بفرضها رسومًا جمركية عقابية على الصادرات الهندية، نيودلهي إلى إعادة النظر في بعض رهاناتها. لكن حكومة ناريندرا مودي حريصةٌ على عدمِ حرقِ جسورِها مع الغرب، خصوصًا في ظل احتدام خلافاتها مع الصين.

ترفعُ الهندُ شعارَ "الاستقلال الاستراتيجي"، أي أنها ترفضُ الانضمامَ الكاملَ لأيِّ محورٍ، وتفضل اللعب على التوازنات للحفاظ على مصالحها الوطنية. هذا الموقف يَجعلُ من الصعبِ تصورَ أن تتحولَ "RIC" إلى تحالف فعلي، حتى لو شاركتْ نيودلهي في اجتماعات التنسيق أو القمم الرمزية.

عقبات في الطريق

تُواجهُ إعادةُ إحياءِ التحالف الثلاثيِّ تحديات عميقة، يمكنُ تلخيصُها في:

  • الخلافات الحدودية بين الصين والهند: صراع تاريخي لم تُحسمْ فصولهُ منذ حرب 1962 وحتى اشتباكات 2020.

  • اختلال موازين التجارة: الهند ترتبطُ اقتصاديًا بالولايات المتحدة وأوروبا أكثر من ارتباطها بموسكو أو بكين.

  • غياب الثقة الاستراتيجية: العلاقات بين نيودلهي وبكين قائمةٌ على الشك والريبة.

  • غياب المؤسسات المشتركة: على عكس الاتحاد الأوروبي أو الناتو، لا تمتلكُ "RIC" مؤسساتٍ قويةً تَضمنُ استدامةَ التنسيقِ.

  • التباينات في الرؤية العالمية: بينما ترى الصينُ نفسَها قوةً عظمى صاعدةً، تعتبرُ الهندُ نفسَها دولةً ناميةً تسعى لتحقيقِ مكانةٍ أكبرَ، فيما تسعى روسيا للهروبِ من العزلة.

 

فرص محتملة للتعاون

رغم العقبات، هناك مجالات يمكن أن تَجمعَ الأطرافَ الثلاثةَ:

  • الطاقة: استمرار تدفق النفط الروسي إلى الهند والصين.

  • التجارة بالعملات الوطنية: كخطوة لتقليل الاعتماد على الدولار.

  • الأمن الإقليمي: التنسيق في مكافحة الإرهاب والاستقرار في آسيا الوسطى.

  • البنية التحتية: مشاريع النقل والطاقة العابرة للحدود.

  • التعددية الدولية: الدفاع عن دور الأمم المتحدة ومعارضة العقوبات الأحادية.

هذه القواسم المشتركة يمكن أن تمنحَ "RIC" دورًا كمنصة للتنسيق السياسي والاقتصادي، حتى وإن لم تصلْ إلى مستوى التحالف العسكري أو الأمني.

النظام الدولي على المحك

ما يَجعلُ هذه الفكرةَ مثيرةً للجدلِ أن عودتها تتزامنُ مع مرحلة انتقالية في النظام الدولي. الولايات المتحدة تُواجهُ تحدياتٍ داخليةً وخارجيةً، أوروبا غارقة في أزماتها، بينما آسيا تتحولُ إلى مركز الثقل الجديد للعالم.

من هنا، فإن مجرد اجتماع روسيا والصين والهند تحت سقف واحد، حتى لو اقتصرَ على رسائل رمزية، يُرسلُ إشارةً قويةً إلى أن البدائل عن الغرب قائمة.

لكن السؤال الأكبر يَظلُ: هل تكفي الرمزيةُ؟ وهل تستطيعُ هذه الدولُ أن تتجاوزَ تاريخًا مثقلًا بالشكوك، وأن تبنيَ جسورَ ثقةٍ تُمكنها من الانتقال من مجرد "شراكة مصالح" إلى تحالف استراتيجي صلب؟

شراكة مرنة لا تحالف صلب

يمكنُ القولُ إن مستقبل التحالف الثلاثي بين روسيا والصين والهند سيبقى مرهونًا بقدرةِ الأطرافِ على التكيف مع التحولات الدولية، وباستعدادها لتقديم تنازلات متبادلة. لكن المؤشرات الحالية توضحُ أن ما يَجمعُهمُ هو مزيج من الضرورات الاقتصادية والضغوط السياسية أكثر منه رؤية استراتيجية مشتركة.

من المرجح أن نرى تنسيقًا متزايدًا في بعض الملفات، خصوصًا الاقتصادية والتجارية، وربما خطوات رمزية في المحافل الدولية، لكن دون أن يرتقيَ ذلك إلى مستوى تحالف يُشبهُ الناتو أو الاتحاد الأوروبي.

باختصار، "RIC" اليوم أقرب إلى شراكة مرنة تَفرضها الضرورةُ، لا إلى تحالف استراتيجي صلب. ومع ذلك، فإن مجرد وجود هذا الإطار، في ظل الاضطراب العالمي، يعكسُ تحولًا عميقًا في موازين القوى، ويُؤكدُ أن العالم لم يعدْ كما كان في تسعينيات القرن الماضي.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.