هل ما زال سيناريو الهبوط هو المرجح لسوق الذهب؟ توقعات اليوم
في لحظة فارقة من تاريخ الأسواق العالمية، خطف الذهب الأضواء مجدداً اليوم بعد أن اخترق حاجز 3500 دولار للأونصة، مسجلاً أعلى مستوى له على الإطلاق. هذا الارتفاع ليس مجرد رقم في جداول التداول، بل هو عنوان بارز لمرحلة اقتصادية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها السياسة بالنقد، وتتعاظم فيها المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، في وقت يبحث فيه المستثمرون عن ملاذ آمن يحميهم من تقلبات غير مسبوقة.
لقد عوّدنا الذهب عبر العصور أن يكون مرآة لمخاوف البشر، وملجأً آمناً في زمن الاضطراب، لكن بلوغه هذه المستويات القياسية يفتح الباب أمام أسئلة أكبر: إلى أين يمكن أن يصل؟ ما الذي يدفعه إلى هذه القمة التاريخية؟ وهل نحن أمام دورة جديدة تعيد صياغة المشهد المالي العالمي؟ الذهب يتجاوز 3547 دولاراً: رقم تاريخي جديد
في تداولات الأربعاء، ارتفع الذهب في السوق الفورية بنسبة 0.17% ليصل إلى 3539.29 دولاراً للأونصة، بعدما لامس مستوى قياسي عند 3547.09 دولاراً في وقت سابق من الجلسة. أما العقود الأميركية الآجلة فقد تقدمت بوتيرة أسرع لتسجل 3604.90 دولاراً، في انعكاس واضح لتوقعات السوق بأن المرحلة المقبلة ستكون أكثر سخونة.
هذه الأرقام ليست معزولة عن سياق عالمي مضطرب. فمنذ بداية العام، خسر الدولار أكثر من 9% من قيمته، متأثراً بالجدل المتصاعد حول استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وبضغوط سياسية مكثفة من إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي لم يتردد في توجيه سهام النقد إلى المجلس ورئيسه جيروم باول، بل وذهب أبعد من ذلك بمحاولاته العلنية لإقالة أعضاء بارزين. لماذا يقفز الذهب؟ العوامل المحركة وراء الارتفاع
توقعات خفض أسعار الفائدة الأميركية
الأسواق باتت شبه متيقنة من أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيخفض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماعه المرتقب في 17 سبتمبر/أيلول. هذه التوقعات تدعم الذهب بقوة، إذ إن انخفاض الفائدة يضعف الدولار ويجعل الأصول غير المدرة للعائد – مثل الذهب – أكثر جاذبية.
- التوترات التجارية والسياسية
عودة ملف الرسوم الجمركية بين واشنطن وشركائها التجاريين إلى الواجهة، بعد قرار محكمة استئناف أميركية اعتبرها غير قانونية، وضغط إدارة ترامب على المحكمة العليا لإعادة النظر، أضاف طبقة جديدة من الضبابية إلى المشهد الاقتصادي. ومع كل خطوة تزيد احتمالات التصعيد، يرتفع بريق الذهب.
- تراجع الثقة في استقلالية المؤسسات النقدية
محاولات التدخل السياسي في عمل الفيدرالي الأميركي أثارت قلق المستثمرين، إذ إن التشكيك في قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات مستقلة يعيد إلى الأذهان أزمات الأسواق الناشئة، ويقوض صورة الولايات المتحدة كمعقل للاستقرار المالي.
- انخفاض الدولار الأميركي
التراجع الحاد للعملة الأميركية جعل الذهب أرخص ثمناً للمشترين حول العالم، ما زاد الطلب عليه كخيار للتحوط وحفظ القيمة. الذهب في عيون المحللين: ملاذ آمن أم قمة مؤقتة؟
يقول المحلل المخضرم روس نورمان إن قضايا الرسوم الجمركية والعقبات القانونية أمام إدارة ترامب تمثل "اختباراً حاسماً"، لكنه يضيف: "بغض النظر عن النتيجة، يظل الذهب متنفساً مريحاً للمستثمرين في أجواء من عدم اليقين".
هذا الرأي يعكس اتجاهاً عاماً في السوق: حتى لو هدأت التوترات مؤقتاً، فإن هيكل الاقتصاد العالمي الحالي بما فيه من ديون متراكمة، وضغوط جيوسياسية، ومخاطر تضخم، يمنح الذهب أرضية صلبة للبقاء في دائرة الاهتمام. ما وراء الأرقام: الذهب كأداة سياسية واقتصادية
لا يمكن قراءة ارتفاع الذهب فقط من زاوية المضاربين والمستثمرين. في خلفية المشهد، يستخدم الذهب أيضاً كورقة سياسية واقتصادية:
- البنوك المركزية حول العالم عززت احتياطاتها من الذهب خلال السنوات الأخيرة، في محاولة للتحوط من تقلبات الدولار واليورو.
- الدول الناشئة وجدت في المعدن النفيس أداة لتعزيز استقلالها المالي وتخفيف تعرضها للتقلبات في النظام النقدي العالمي.
- المستثمرون الأفراد يعودون بقوة إلى شراء السبائك والعملات الذهبية، مدفوعين بالمخاوف من موجات تضخم قد تلتهم مدخراتهم. قراءة في أداء المعادن النفيسة الأخرى
الذهب ليس وحده على المسرح، وإن كان نجم العرض. المعادن النفيسة الأخرى شهدت تباينات في الأداء:
- الفضة: استقرت عند 40.87 دولاراً للأونصة، محافظة على زخم نسبي مع ارتفاع الطلب الصناعي والاستثماري.
- البلاتين: تراجع بنسبة 0.23% ليسجل 1408.02 دولارات.
- البلاديوم: انخفض 0.1% إلى 1042.14 دولاراً، متأثراً بتباطؤ الطلب في صناعة السيارات.
هذه الأرقام تؤكد أن الذهب لا يزال المتصدر بلا منازع في سباق المعادن النفيسة. الذهب والمستقبل: إلى أين؟
السؤال الكبير الذي يشغل الأذهان اليوم هو: هل سيواصل الذهب صعوده ليتجاوز 4000 دولار؟
السيناريوهات الممكنة متعددة:
- استمرار الضغوط على الفيدرالي
إذا تواصلت الضغوط السياسية وأدى ذلك إلى مزيد من خفض أسعار الفائدة، فإن الطريق سيكون مفتوحاً أمام الذهب لمزيد من المكاسب.
-
تفاقم التوترات التجارية والجيوسياسية
كلما ازدادت المخاطر في الساحة العالمية – من النزاعات العسكرية إلى الأزمات التجارية – ارتفع الطلب على الذهب.
-
عودة التضخم
في حال شهدت الولايات المتحدة وأوروبا عودة قوية للتضخم، فإن الذهب سيستعيد دوره التاريخي كحاجز وقائي ضد فقدان القوة الشرائية.
-
تصحيح محتمل
في المقابل، لا يمكن استبعاد أن يشهد الذهب جني أرباح وتصحيحاً مؤقتاً إذا هدأت التوترات أو اتجهت الفائدة للثبات، لكن مثل هذه التراجعات عادة ما تكون قصيرة الأمد ضمن مسار صعودي أطول. ما الذي يعنيه ذلك للمستثمرين والأفراد؟
- للمستثمرين الكبار: الذهب أصبح ضرورة في موازنة المحافظ الاستثمارية، خاصة في ظل ضبابية الأصول التقليدية كالأسهم والسندات.
- للأفراد والمدخرين: اقتناء الذهب في صورة سبائك صغيرة أو حُليّ قد يكون وسيلة لحماية المدخرات من تقلبات العملات.
- للمؤسسات المالية: التعامل مع الذهب لم يعد ترفاً، بل جزءاً من استراتيجيات إدارة المخاطر.
الذهب يكتب فصلاً جديداً في التاريخ الاقتصادي
ليس صعود الذهب إلى ما فوق 3500 دولار مجرد حدث عابر، بل هو إشارة عميقة إلى أزمة ثقة في النظام المالي العالمي. من واشنطن إلى بكين، ومن برلين إلى الرياض، يتابع صناع القرار هذا الارتفاع بقلق وترقب، مدركين أن المعدن الأصفر لم يعد مجرد سلعة استهلاكية أو استثمارية، بل أصبح مرآة كاشفة للهشاشة التي يعيشها الاقتصاد الدولي.
في لحظة كهذه، يعود الذهب ليذكّرنا بحقيقته الراسخة: أنه الملاذ الأخير حين تهتز كل الملاذات. وبينما يختلف المحللون حول ما إذا كان سيتجاوز 4000 أو حتى 5000 دولار، فإن المؤكد أن الذهب استعاد عرشه، وأثبت مرة أخرى أنه "ملك الأسواق" بلا منازع.
