الذهب عند مفترق طرق: ما بين استقلال الاحتياطي الفيدرالي ومستقبل الاقتصاد العالمي

تم النشر 05/09/2025, 08:23

في لحظة تاريخية تتقاطع فيها السياسة مع الاقتصاد، ويحتدم فيها الصراع بين المؤسسات النقدية المستقلة وبين النزعات السياسية الساعية إلى فرض السيطرة، يطل الذهب مجددًا من بين غبار الأسواق ليعلن عن نفسه، لا مجرد معدن ثمين تتزين به الأعناق والمعاصم، بل كملاذ أخير، ومخزن للقيمة، وصوت صامت يصرخ في وجه الاضطراب العالمي.

اليوم، وفي ظل توقعات بنك غولدمان ساكس بأن يقفز سعر الذهب إلى ما يقارب 5 آلاف دولار للأونصة، يفتح العالم عينيه على سؤال مصيري: هل نحن أمام دورة جديدة من إعادة تشكيل النظام المالي العالمي؟ وهل يتراجع الدولار الأميركي عن عرشه الذي اعتلاه منذ الحرب العالمية الثانية ليترك مكانه لذهب صامد لا يتآكل ولا يُطبع بقرارات سياسية؟

الذهب.. شاهد على تقلبات التاريخ

ليس جديدًا أن يكون الذهب مركز الجاذبية في أوقات القلق. فمنذ انهيار نظام بريتون وودز في السبعينيات، عندما ألغى الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ربط الدولار بالذهب، باتت الأسواق تعتمد على الثقة بالمؤسسات النقدية والسياسات الاقتصادية، بدلًا من معيار ثابت يقيها الاضطراب. لكن تلك الثقة لا تدوم إلى الأبد. ومع كل أزمة، من انهيار وول ستريت في 2008 إلى جائحة كورونا، كان الذهب يعود ليتصدر المشهد.

الذهب ليس مجرد سلعة، بل هو تاريخ، وهو ذاكرة الشعوب، وهو الملاذ الأخير حين تتآكل الثقة بالأنظمة النقدية. وكلما ازداد التلاعب بالسياسات المالية وتعرضت المؤسسات المستقلة مثل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لضغوط سياسية، عاد الذهب ليعلن أنه الحكم العادل في زمن الاضطراب.

توقعات صادمة: 5000 دولار للأونصة

في مذكرة لافتة، وضع محللو غولدمان ساكس سيناريو غير بعيد المنال: إذا تحوّل 1% فقط من سوق سندات الخزانة الأميركية المملوكة للقطاع الخاص نحو الذهب، فإن سعر الأونصة سيقفز إلى حدود 5000 دولار.

للقارئ غير المتخصص، قد يبدو الرقم صادمًا أو مبالغًا فيه، لكن عند التمعن نجد أن سوق سندات الخزانة الأميركية يُقدَّر بعشرات التريليونات من الدولارات. إن تحريك جزء صغير من هذه الكتلة الضخمة يكفي لإحداث زلزال في أسواق المعادن النفيسة.

وإذا أضفنا إلى ذلك التوترات السياسية الحالية، بما فيها سعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى توسيع سيطرته على الاحتياطي الفيدرالي، فإن سيناريو "الذهب عند 5000 دولار" لم يعد بعيدًا كما قد يظن البعض.

التضخم.. العدو الأول للمستثمرين

القلق الأكبر اليوم ليس فقط من تدخل السياسيين في سياسات الفيدرالي، بل من احتمال تراجع فعالية هذه السياسات نفسها. فإذا فقد الفيدرالي استقلاليته، فإن الأسواق ستقرأ الرسالة فورًا: التضخم قد يصبح سلاحًا سياسيًا.

والتضخم، بقدر ما يرفع الأسعار في الأسواق، يلتهم قيمة المدخرات ويقوض استقرار الأسر. عندها يصبح الذهب، الذي لا يعرف التضخم، الملاذ الذي يهرع إليه الجميع: المستثمرون، والبنوك المركزية، وحتى الأفراد البسطاء الذين يخشون على مدخراتهم.

الدولار في مهب الريح

منذ عقود، يتمتع الدولار الأميركي بمكانة لا تُضاهى كعملة احتياطية عالمية. فقرابة نصف التجارة العالمية تُسعَّر بالدولار، والبنوك المركزية حول العالم تحتفظ بجزء كبير من احتياطاتها بهذه العملة.

لكن ماذا لو بدأ الدولار يفقد بريقه؟

في حال تزايد الشكوك حول السياسة النقدية الأميركية، ومع تراجع الثقة في استقلالية الفيدرالي، فإن العالم سيبحث عن بدائل. اليورو؟ اليوان الصيني؟ أم الذهب الذي لا يحتاج إلى ثقة بقرارات بشرية؟

الذهب هنا يتفوق لأنه لا يُدار بقرارات سياسية ولا يمكن طباعته بجرّة قلم. وهو ما يجعل احتمال عودته كمرجع أساسي لقيمة العملات احتمالًا جديًا وليس مجرد خيال.

البنوك المركزية: المشترون الصامتون

ما يغيب عن أنظار كثير من المتابعين هو أن البنوك المركزية حول العالم تلعب دورًا متزايدًا في رفع الطلب على الذهب. خلال السنوات الأخيرة، راكمت هذه البنوك احتياطيات قياسية من المعدن النفيس، في إشارة واضحة إلى قلقها من مستقبل النظام النقدي الدولي.

فعندما تشتري البنوك المركزية الذهب، فهي ترسل رسالة صريحة: "لا نثق كليًا في العملات الورقية". وإذا أضفنا إلى ذلك التوترات الجيوسياسية والعقوبات الاقتصادية التي جعلت بعض الدول تبحث عن وسائل للتحرر من قبضة الدولار، يصبح الذهب أكثر جاذبية من أي وقت مضى.

الأسواق العالمية أمام اختبار صعب

من المتوقع أن تشهد الأسواق تقلبات حادة إذا تحققت توقعات غولدمان ساكس. فارتفاع الذهب إلى مستويات 4000 ثم 5000 دولار للأونصة لن يكون خبرًا سارًا للجميع.

  • الأسواق الناشئة ستجد نفسها مضطرة لمواجهة ضغوط مالية متزايدة نتيجة ضعف العملات المحلية أمام الدولار، خاصة إذا تراجعت الثقة بالعملة الأميركية.
  • الأسهم الأميركية قد تواجه هبوطًا مؤلمًا مع ارتفاع المخاطر وتراجع جاذبية الاستثمار في شركات مثقلة بتكاليف تمويل مرتفعة.
  • الاقتصاد العالمي سيشهد تحولًا في موازين القوة، حيث تعزز الدول التي راكمت ذهبًا مواقعها في المعادلة الدولية.

ترامب والفيدرالي.. معركة بلا هوادة

من أبرز التطورات التي أثارت قلق الأسواق مؤخرًا، سعي الرئيس ترامب إلى فرض سيطرة أكبر على الاحتياطي الفيدرالي، بما في ذلك محاولاته لإقالة بعض الأعضاء المخالفين لسياساته.

هذا الصراع، وإن بدا شأنًا داخليًا أميركيًا، إلا أن تداعياته كونية. فحين يفقد الفيدرالي استقلاليته، يفقد العالم ثقته في السياسة النقدية الأميركية. وهذا وحده كفيل بإعادة صياغة الخريطة المالية العالمية.

مستقبل الذهب: توصية استثمارية طويلة الأمد

الرسالة التي يوجهها محللو غولدمان ساكس واضحة: الذهب ليس مجرد ملاذ مؤقت، بل استثمار استراتيجي طويل الأمد.

وللقارئ الباحث عن قراءة عملية، يمكن القول إن الذهب أصبح الخيار الأول في المحافظ الاستثمارية التي تسعى للتحوط ضد التضخم وضد المخاطر السياسية والاقتصادية التي تتزايد يومًا بعد يوم.

كلمة أخيرة

نحن أمام لحظة فاصلة في التاريخ الاقتصادي الحديث.

الذهب، ذلك المعدن الذي قاوم الزمن والحروب والتقلبات، يعود اليوم ليذكر العالم بحقيقة بسيطة: القيمة الحقيقية لا تُصنع من ورق، ولا تتحدد بقرارات سياسية، بل تتجسد في شيء صلب، نادر، خالد.

إن قفز الذهب إلى 5000 دولار للأونصة لن يكون مجرد خبر اقتصادي، بل سيكون إعلانًا عن بداية مرحلة جديدة، وربما نظام مالي عالمي مختلف عن كل ما عرفناه منذ منتصف القرن العشرين.

قد يتجادل الخبراء والمحللون حول التوقيت، لكن المؤكد أن بوصلة الأسواق العالمية بدأت بالتحرك. والذهب، كما كان دائمًا، هو الاتجاه.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.