الأسواق المالية بين ترقب خفض الفائدة ومخاوف استقلالية الفيدرالي

تم النشر 11/09/2025, 14:12

الأسواق المالية بين ترقب خفض الفائدة ومخاوف استقلالية الفيدرالي

تتجه أنظار المستثمرين بقوة نحو اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) يومي 16 و17 سبتمبر، حيث تسودُ الأسواقَ حالةٌ من الترقب الشديد لقرار خفض أسعار الفائدة. تشيرُ التوقعاتُ الحاليةُ إلى احتمال يَتجاوزُ 99% لهذه الخطوة، وهو ما يَعكسُ رهانًا كبيرًا من قبل المستثمرين على أن الاحتياطي الفيدرالي سيتجهُ نحو التيسير النقدي، مدفوعًا ببعض مؤشرات تباطؤ سوق العمل. ومع ذلك، هناك فريق من المحللين يُحذرُ من هذا التفاؤل المفرط، مُشيرًا إلى أن قرار الخفض ليس حتميًا كما يَبدُو.

توقعات الأسواق مقابل الواقع الاقتصادي: رؤية متناقضة

يعكسُ تفاؤلُ الأسواقِ توقعاتٍ بأن خفض الفائدة سيُشكلُ دفعةً قويةً للنمو الاقتصادي ويُحفزُ أسواقَ الأسهم، مع توقعات طموحة بوصول مؤشر S&P 500 (S&P 500) إلى 7200 نقطة بحلول الربع الثاني من عام 2026. كما أن قانون الضرائب الأمريكي الجديد قد يُضيفُ حافزًا إضافيًا للاقتصاد في نفس العام.

لكن على الجانب الآخر، يرى محللون آخرون، ومنهم ليزا شاليت، أن مبررات الخفض متواضعةٌ في أفضل الأحوال، ويَضعونُ احتماليةَ حدوثهِ عند 50-50 فقط. يَستندُ هذا الرأيُ المتحفظُ إلى عدة عوامل قوية تَتحدى السردَ الداعيَ للتيسير النقدي:

  • اقتصاد قوي: على عكس ما قد يُوحي به قرارُ خفضِ الفائدة، لا يزال الاقتصاد الأمريكي يُظهرُ علاماتِ قوةٍ واضحةٍ. فنمو الناتج المحلي الإجمالي الإسمي لا يزال قويًا فوق 5%، وتُواصلُ مبيعاتُ التجزئةِ نموها بوتيرة تَتجاوزُ توقعاتِ المحللين في وول ستريت.

  • ظروف مالية مستقرة: الأوضاع المالية الحالية هي الأكثر دعمًا للاقتصاد منذ مايو 2022. فسوق سندات الشركات يَقتربُ من مستوياتِ إصدارٍ قياسيةٍ، وفروق أسعار الائتمان عند أضيق مستوياتها منذ 18 عامًا، مما يَدلُّ على وجود سيولةٍ وفيرةٍ وثقة في الأسواق.

  • أسواق أسهم مستقرة: تَشهدُ أسواقُ الأسهمِ ارتفاعاتٍ تاريخيةً مع مستويات تقلب منخفضة بشكل ملحوظ. هذا الاستقرار يُقللُ من الضغطِ على الفيدرالي للتدخل من أجل تهدئة الأسواق، على عكس ما حدث في أزمات سابقة.

  • التضخم العنيد: لا يزال التضخم أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. فقد ارتفعَ مؤشرُ أسعارِ المستهلكينَ الأساسيُّ (الذي يستثني الغذاء والطاقة) بنسبة 3.1% على أساس سنوي في يوليو. هذا التضخم المستمر يُثيرُ قلقَ المستهلكينَ ويَجعلُ قرارَ خفضِ الفائدةِ أكثر تعقيدًا وصعوبة.

مخاطر التدخل السياسي ومصداقية الفيدرالي

بعيدًا عن البيانات الاقتصادية قصيرة الأجل، تبرزُ مخاوفُ أعمقُ وأكثرُ خطورةً تتعلقُ باستقلالية الاحتياطي الفيدرالي. فالأسواق تَبدُو وكأنها تُقللُ من شأنِ المخاطرِ الجيوسياسيةِ وتأثير التدخلات السياسية المحتملة على قرارات السياسة النقدية. إن أي تدخل سياسي قد يقودُ إلى سياسةٍ نقديةٍ “مُسيّسةٍ”، مما يُثيرُ القلقَ من عواقبَ وخيمةٍ على المدى الطويل، مثل ارتفاع معدلات التضخم، وضعف الدولار، وسوء تخصيص رأس المال في الاقتصاد.

يُعدُّ الذهبُ (الذهب) مؤشرًا مهمًا في هذا السياق؛ فقد ارتفعَ سعرهُ بأكثر من 8% منذ 19 أغسطس، مُتفوقًا بشكل واضح على أداء الأسهم الأمريكية منذ عام 2022. يُشيرُ هذا التحولُ إلى أن المستثمرينَ يَلجؤونَ بشكلٍ متزايدٍ إلى الذهب كأداة تحوط ضد مخاطر تسييس السياسة النقدية، مما يَعكسُ تآكُلَ الثقةِ في المؤسساتِ الحكوميةِ. إن استقلالية الفيدرالي ليست مجرد مسألة فنية، بل هي حجر الزاوية الذي تَقومُ عليه مكانةُ الدولارِ كعملة احتياط عالمية، وأي اهتزاز في هذه المصداقية قد تكونُ له تداعياتٌ عالميةٌ.

التوصيات الاستثمارية في ظل بيئة معقدة

في ظل هذا التباين بين تفاؤل الأسواق والمخاطر الكامنة، يُقترحُ الخبراءُ على المستثمرينَ تبنيَ نهجٍ استثماريٍّ حذرٍ وإعادة تقييم محافظهم الاستثمارية. تَتضمنُ التوصياتُ الرئيسيةُ ما يلي:

  • تقليص المراكز في الأصول عالية المخاطر: يُنصحُ بتقليلِ الاستثمارِ في أسهم الشركات الصغيرة، وشركات التكنولوجيا غير المربحة، والأسهم الشعبية (Meme Stocks) ذات الجودة الضعيفة التي تَعتمدُ على المضاربة أكثر من الأساسيات.

  • التركيز على الجودة والأصول الحقيقية: يُفضلُ التوجهُ نحو أسهم الشركات الكبرى عالية الجودة التي تَتمتعُ بنماذج أعمالٍ قويةٍ وميزانيات صلبة. بالإضافة إلى ذلك، يُنصحُ بإضافةِ الأصولِ الحقيقيةِ مثل الذهب، وصناديق الاستثمار العقاري (REITs)، والبنية التحتية للطاقة، والسلع الصناعية والزراعية.

  • إضافة السندات متوسطة الأجل: يمكن أن تُوفرَ سنداتُ الشركاتِ ذات التصنيف الاستثماري والسندات البلدية متوسطة الأجل استقرارًا للمحفظة وعائدًا جيدًا في بيئة متقلبة.

  • التنويع الدولي: يُعدُّ التنويعُ عبر الأسهمِ الدوليةِ، والأسواق الناشئة، وصناديق التحوط، والائتمان الخاص، والأوراق المتعثرة استراتيجية مهمة لتقليل المخاطر وتوزيعها جغرافيًا وقطاعيًا.

خلاصة

تُواجهُ الأسواقُ الماليةُ مفترقَ طرقٍ حاسمٍ. فبينما يَبدُو خفضُ أسعارِ الفائدةِ وشيكًا في نظر الكثيرين، فإن المخاطر الكامنة المتعلقة بالتدخل السياسي واستقلالية الفيدرالي، إلى جانب قوة المؤشرات الاقتصادية، تُلقي بظلالٍ من الشكِ على التوقعات طويلة الأمد. في هذا المناخ، يُصبحُ الحذرُ والتنويعُ والتركيزُ على الأصولِ عاليةِ الجودةِ استراتيجيةً حكيمةً للمستثمرين الذين يَسعونَ لحمايةِ رؤوسِ أموالهم وتحقيق النمو المستدام في مواجهة عدم اليقين.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.