عاجل: ارتفاع قوي لسعر الذهب مع افتتاح السوق العالمي بعد تعريفات ترامب
لطالما ارتبطت تحركات الذهب بسياسات الفيدرالي الأمريكي، إذ يُعتبر المعدن الأصفر الملاذ الآمن الأول للمستثمرين في أوقات الأزمات وعدم اليقين. إلا أن التطورات الأخيرة في السياسة النقدية الأمريكية وتصريحات رئيس الفيدرالي جيروم باول أعادت رسم المشهد بشكل مختلف.
فبينما كانت الأسواق تُسعّر السيناريوهات الأسوأ وتدفع الذهب إلى مستويات قياسية تاريخية وصلت إلى 3707 دولار للأونصة، جاءت لغة باول الأخيرة لتفتح الباب أمام قراءة أكثر واقعية: الاقتصاد الأمريكي لا يسير نحو الركود كما كان يُعتقد، بل يتجه إلى توازن مشوب بتباطؤ في الطلب والعرض معًا، وهو ما قد يغير اتجاه الذهب في المرحلة المقبلة.
قال باول للصحفيين: "عادةً عندما نقول إن الأمور متوازنة، يبدو ذلك جيدًا. لكن في هذه الحالة، التوازن ناتج عن تراجع حاد في كل من العرض والطلب. نحن نرى الآن معدل البطالة يتجه نحو الارتفاع." هذا التصريح يلخص المزاج الجديد للفيدرالي: التخفيض الحذر للفائدة، الاعتراف بوجود ضغوط على سوق العمل، والتمسك برؤية أن الاقتصاد ليس في حالة انهيار، بل في حالة تعديل مسار
لماذا نتوقع تراجع الذهب؟
الارتفاع الأخير في الذهب لم يكن انعكاسًا لتحسن جوهري في الأساسيات، بل كان مدفوعًا بعامل نفسي بحت: الخوف من الركود والتوترات الجيوسياسية. لقد بالغت الأسواق في تسعير المخاطر حتى سبقت الأحداث، ما دفع الذهب إلى تجاوز مستويات طبيعية مدعومة فقط بالهلع.
لكن، ومع إشارة باول إلى أن "الاقتصاد لا ينهار بل يتوازن"، ومع بدء عودة الثقة تدريجيًا في قدرة الاقتصاد الأمريكي على امتصاص الصدمات، يتراجع المبرر الأساسي لاندفاع الذهب. فالمستثمرون الذين اشتروا عند القمم بدافع القلق قد يجدون أنفسهم الآن أمام واقع اقتصادي أكثر صلابة، الأمر الذي يُرجّح حدوث عمليات بيع لجني الأرباح ودفع الأسعار للانخفاض.
-
تصريحات باول كعامل ضاغط على الذهب
-
من أبرز ما شدد عليه باول:
-
"معدل البطالة يتجه نحو الارتفاع، لكننا لا نتحدث عن أزمة ممتدة."
-
"التوازن الحالي ليس نتاج قوة، بل نتيجة تباطؤ العرض والطلب معًا."
-
"الأسواق يجب أن تُدرك أن الفيدرالي ليس بصدد سياسة تيسير غير مشروطة."
هذه التصريحات تكشف بوضوح أن الفيدرالي يريد توجيه الأسواق بعيدًا عن المبالغة في التسعير. أي أن الرهان على استمرار الذهب في الصعود نحو قمم جديدة بات ضعيفًا، خصوصًا أن الفيدرالي يلمّح إلى التمسك بالانضباط النقدي حتى مع خفض الفائدة.
-
تجارب سابقة:
في أعوام 2011–2012، عندما سجل الذهب قممًا تاريخية، كان ذلك مدفوعًا بأزمة ديون منطقة اليورو وتيسير نقدي غير مسبوق من الفيدرالي. لكن مع استقرار الأوضاع وبدء سحب التحفيز، تراجع الذهب بأكثر من 30% خلال عامين فقط.
-
بين 2019–2020، اندفع الذهب صعودًا بدعم من جائحة كورونا ومخاوف الركود، لكنه فقد الزخم مباشرة بعد تعافي الاقتصاد الأمريكي وتوسع التوظيف.
الترابط مع البطالة:
تاريخيًا، كل ارتفاع لمعدلات البطالة بأكثر من 0.5% خلال سنة واحدة كان يُضعف شهية المستثمرين للذهب ويعزز الثقة بالدولار. الآن ومع اعتراف باول بأن البطالة تتجه للارتفاع، فإن الدولار سيبقى ملاذًا أفضل نسبيًا من الذهب على المدى القريب.
-
التسعير المبالغ فيه:
تشير البيانات إلى أن أسعار الذهب ارتفعت بنسبة 17% خلال الأشهر الثلاثة الماضية فقط، وهي نسبة لا تتناسب مع حجم المخاطر الاقتصادية الحقيقية. هذا التضخم في التسعير يجعل أي خبر إيجابي عن الاقتصاد الأمريكي كافيًا لإحداث تصحيح هبوطي.
مستويات الدعم والمقاومة
فنيًا، يمكن قراءة المشهد كالتالي:
المقاومة: 3686 – 3693 – 3707 – 3720
الدعم: 3643 – 3626 – 3611 – 3590
ما لم يتمكن الذهب من كسر مستوى 3707 بثبات، يبقى السيناريو المرجح هو استمرار التصحيح الهبوطي. والسيناريو الأكثر احتمالاً يتمثل في استهداف منطقة 3611 – 3590 خلال الايام المقبلة.
حتى تتضح الصورة أكثر، على المستثمرين متابعة مجموعة من المؤشرات :
بيانات التوظيف الأمريكية: أي تحسن في سوق العمل سيضغط على الذهب.
مؤشرات التضخم (CPI وPCE): استمرار تراجع التضخم يمنح الفيدرالي مساحة أكبر لعدم التوسع في التيسير النقدي.
مؤشرات ثقة المستهلك: ارتفاعها يعني تراجع المخاوف الاقتصادية وبالتالي ضغط إضافي على الذهب.
عائدات السندات الأمريكية: كلما ارتفعت، قلّت جاذبية الذهب كأصل لا يدر عائداً.
الأحداث الجيوسياسية: رغم ضعف تأثيرها مؤخرًا، إلا أن أي تصعيد مفاجئ قد يمنح الذهب دعمًا مؤقتًا.
وعليه نقول:
الذهب يقف اليوم عند مفترق طرق. صحيح أن المخاوف الجيوسياسية والضبابية الاقتصادية رفعت الأسعار إلى مستويات تاريخية، لكن التصريحات الأخيرة لجيروم باول، مقرونة بالتحسن النسبي في الاقتصاد الأمريكي، تكشف أن الأسواق قد بالغت في رد فعلها.
مع وجود مستويات مقاومة صلبة عند 3707 – 3732، ومع تزايد المؤشرات على استقرار الاقتصاد الأمريكي، يبدو أن السيناريو الأرجح هو استمرار التصحيح الهبوطي نحو مستويات 3611 – 3590، خاصة إذا واصل الفيدرالي الإشارة إلى أنه لن ينجر وراء توقعات السوق المبالغ فيها.
المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لمصداقية الأسواق: هل ستواصل المراهنة على الذهب كملاذ آمن، أم ستتراجع أمام الواقع الاقتصادي الذي يرسمه باول يومًا بعد يوم؟
