عاجل: الانقسام يسيطر على محضر اجتماع الفيدرالي..والأسواق تتحرك بقوة
شهد الأسبوع الماضي صعوداً ملحوظاً للدولار الأمريكي، مسجلاً أفضل أداء أسبوعي له منذ شهرين. ورغم أن كثيرين يرون في هذه القوة مجرد ارتداد مؤقت ضمن مسار هبوطي طويل الأمد، تتزايد الحجج التي تشير إلى أن تعافي الدولار، الذي بدا “مُنهكاً”، قد يكون أكثر من مجرد ومضة عابرة. هذه المعضلة تضع المستثمرين أمام تساؤل محوري: هل نحن بصدد تحول في الاتجاه، أم أن هذه مجرد موجة عابرة في بحر هابط؟
مقومات التفاؤل: الإنتاجية، الذكاء الاصطناعي، وأسعار الفائدة
في مواجهة السردية السائدة حول ضعف الدولار، تبرز أطروحة مقنعة يتبناها عدد من المحللين، أبرزهم فريق ستيفن إنغلندر في بنك ستاندرد تشارترد. تستند رؤيتهم التفاؤلية إلى ثلاثة أركان مترابطة:
1. تفوق إنتاجي مستمر: لا تزال الولايات المتحدة تحافظ على تفوقها في نمو الإنتاجية مقارنة بالاقتصادات المتقدمة الأخرى. تشير البيانات الأخيرة إلى تسارع هذا النمو، مع توقع وصوله إلى 5.0% في الربع الثالث من عام 2024. هذه الديناميكية الاقتصادية تعزز الجاذبية الأساسية للاقتصاد الأمريكي.
2. الريادة في سباق الذكاء الاصطناعي: تحتل الولايات المتحدة موقع الصدارة في الثورة التكنولوجية القادمة المتمثلة في الذكاء الاصطناعي. هذا الموقع المتقدم، المعزز برأس مال فكري قوي وسوق عمل مرن، يضعها في مكانة تمكنها من جني الحصة الأكبر من فوائد الإنتاجية المستقبلية، مما يعزز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
3. أسعار فائدة حقيقية جذابة: على الرغم من توقع خفض أسعار الفائدة، تظل الأسعار الحقيقية (المعدلة للتضخم) في الولايات المتحدة مرتفعة نسبياً مقارنة بنظيراتها العالمية. يشكك فريق إنغلندر في إمكانية الجمع بين “أسعار فائدة منخفضة بشكل مصطنع، ودولار ضعيف، وإنتاجية قوية” بشكل مستدام، مما يعني أن أي سياسة نقدية توسعية مفرطة قد تثير مخاطر سخونة الاقتصاد وتدفع بالاحتياطي الفيدرالي إلى الحذر.
رياح معاكسة: السياسة والتخلص من الاعتماد على الدولار
لكن هذه الصورة التفاؤلية تواجه رياحاً معاكسة قوية لا يمكن تجاهلها:
• الإستراتيجية السياسية لإضعاف الدولار: يجعل الرئيس ترامب ووزير خزانته من ضعف الدولار ركيزة أساسية في سياستهما الاقتصادية لتعزيز الصادرات وخفض العجز التجاري. هذا التوجه السياسي المعلن يشكل ضغطاً هابطاً مستمراً على العملة.
• سردية “التخلي عن الدولار” (De-dollarization): تكتسب فكرة تقليل الاعتماد العالمي على الدولار زخماً كرد فعل على السياسات الأمريكية المثيرة للجدل. بينما لا توجد بدائل فورية قابلة للتطبيق، فإن هذه الرواية تزرع بذور شكوك طويلة الأمد حول الهيمنة المطلقة للدولار.
• مخاوف الفقاعات: يرى كثيرون أن التفوق التكنولوجي الأمريكي قد تحول إلى “فقاعة ذكاء اصطناعي”، مع تقييمات مبالغ فيها تشبه فقاعة الإنترنت في التسعينيات. أي تصحيح حاد في هذا القطاع قد يهز ثقة المستثمرين ويوجه ضربة لقوة الدولار.
الخلاصة: صورة أكثر تعقيداً من مجرد صعود أو هبوط
الوضع الحالي للدولار ليس معادلة بسيطة. فمن ناحية، تظل الأسس الاقتصادية للولايات المتحدة – المتمثلة في الإنتاجية المتصاعدة والريادة التكنولوجية – قوية بشكل ملحوظ، مما يوفر أرضية صلبة للعملة. وفي عالم يفتقر إلى البدائل الجذابة الحقيقية، يبقى الدولار الملاذ الأقل سوءاً للكثيرين.
غير أن هذه القوة الهيكلية تواجه اختباراً من قبل إرادة سياسية تهدف صراحة إلى إضعاف العملة، وتيارات جيوسياسية تهدد مكانتها العالمية على المدى البعيد.
باختصار، الرهان على استمرار هبوط الدولار لم يعد محسوماً كما كان يبدو قبل أشهر. فالمسار المستقبلي للعملة سيكون نتاجاً لصراع قوى متعارضة: قوة الاقتصاد والإنتاجية من جهة، وضعف الإرادة السياسية والتحولات الجيوسياسية من جهة أخرى. بين هذين المحورين، قد يكون مستقبل الدولار أقرب إلى الاستقرار النسبي مع تقلبات حادة، منه إلى الهبوط السلس والمطرد الذي يتوقعه الكثيرون.
