الذهب... من ذروة الصعود إلى صحوة الحقيقة

تم النشر 22/10/2025, 10:17

شهدت الأسواق العالمية خلال شهر أكتوبر 2025 واحدة من أكثر الفترات حدة في حركة المعادن الثمينة، إذ ارتفع الذهب إلى مستوى قياسي بلغ 4,381.21 دولارًا للأونصة يوم الاثنين، قبل أن يتراجع بشكل حاد بنسبة 6% إلى 4,082 دولارًا في اليوم التالي. ولم تكن الفضة بمنأى عن هذا التصحيح، إذ انخفضت بنسبة 8.4% إلى 47.95 دولارًا للأونصة بعد أن لامست أعلى مستوياتها منذ عام 2011.
هذا التحول السريع من قمم تاريخية متتالية إلى هبوطٍ مفاجئ يعكس واقعًا واحدًا: السوق كان يعيش حالة من الاندفاع العاطفي أكثر مما كان يستند إلى أساس اقتصادي علمي.

الارتفاع العاطفي: تسعة أسابيع من الصعود غير المنطقي
بدأت موجة الارتفاع الأخيرة في الذهب منذ منتصف أغسطس 2025، لتستمر تسعة أسابيع متتالية من المكاسب المتواصلة دون أي تصحيح يُذكر — وهي فترة نادرة في تاريخ المعدن الأصفر.
تاريخيًا، تُعتبر هذه الموجات الطويلة علامة على “تشبع شرائي” أو ما يُسمى بـ الحمل الكاذب في الأسواق، أي ارتفاع متسارع لا يقوم على ركائز اقتصادية حقيقية بل على التفاؤل النفسي المبالغ فيه.
ولعل أبرز ما جعل هذه الموجة غير منطقية هو أن الارتفاع لم يكن مرتبطًا بأي بيانات جوهرية:

لا زيادة في التضخم تتطلب التحوط بالذهب.
ولا ضعف فعلي في الدولار الأمريكي يبرر القفزة.
ولا قرارات بخفض الفائدة من الفيدرالي الأمريكي كانت قد صدرت في ذلك التوقيت.


كل ما حدث هو حالة من الاستباق النفسي — أي أن المستثمرين سعوا إلى الشراء خوفًا من فوات الفرصة، فدفعوا الأسعار إلى مستويات لم تصلها من قبل.

الأسباب الوهمية وراء الصعود
ارتفع الذهب والفضة بناءً على عوامل وهمية نفسية أكثر من كونها واقعية أو علمية، ويمكن تلخيصها في خمسة محاور أساسية:
الخوف من ركود عالمي
تضخّمت المخاوف من أزمة اقتصادية وشيكة، رغم أن مؤشرات النمو والعمالة الأمريكية لم تُظهر بوادر انهيار.
المضاربات المفرطة للأفراد والمؤسسات
دخول أعداد ضخمة من المستثمرين الجدد إلى السوق بهدف الربح السريع أدى إلى تضخيم الأسعار بشكل مصطنع.
التكهن  والمبالغة بخفض أسعار الفائدة
تداولت الأسواق إشاعات غير مؤكدة عن نية الفيدرالي خفض الفائدة، وبنسب قد تبدو غير منطقية ابدا مما أشعل موجة شراء قوية دون أساس رسمي.
التهويل الإعلامي حول فكرة  “الملاذ الآمن”وتضخيمها
تناقلت وسائل الإعلام تحليلات متطرفة تؤكد أن الذهب هو الملاذ الوحيد وسط “العاصفة الاقتصادية”، مما غذّى الشعور الجماعي بالاندفاع خوفا من فقدان الفرصة وكان العالم الاقتصادي على شفا الانهيار
التحليل النفسي للسوق بدلاً من التحليل المالي
سادت عقلية القطيع؛ إذ تحوّل الخوف إلى حماسة ثم إلى طمع، وهو ما يُعرف في علم النفس الاقتصادي بـ “الفقاعة النفسية”.

عودة التوازن: التصحيح الطبيعي بعد الإفراط
الهبوط الذي شهدناه في 21 أكتوبر لم يكن انهيارًا بقدر ما كان ولادة طبيعية بعد حمل كاذب.
فكما أن الارتفاعات غير المنطقية لا تدوم، كذلك لا يستمر الانخفاض بلا أساس. فقد تحركت الأسواق لإعادة التوازن بعد موجة من التقييمات المبالغ فيها.
ومن الناحية التاريخية، كل دورة صعود قوية يعقبها تصحيح بنسبة تتراوح بين 15% إلى 25% — وهو ما يتوافق تمامًا مع التراجع الحالي من 4,381 إلى حدود 4,082 دولار.
ففي عام 2011 مثلًا، عندما بلغت الفضة نحو 49 دولارًا، هبطت لاحقًا إلى أقل من 30 دولارًا خلال أشهر. وفي 2020، ارتفع الذهب إلى 2,070 دولارًا قبل أن يتراجع إلى 1,680 دولارًا في أقل من عام.
إذن ما نشهده الآن ليس ظاهرة جديدة، بل جزء من ديناميكية السوق الطبيعية.

قراءة فنية  للمدى القريب
من الناحية الفنية، يُتوقع أن يعود الذهب إلى منطقة الدعم بين 3,700 و3,800 دولار للأونصة في الأسابيع المقبلة، وربما يختبر مستوى 3,300 دولار في حال استمرار غياب المحفزات الاقتصادية الإيجابية.
أما الفضة، فمن المرجح أن تتراجع نحو 42 أو حتى 39 دولارًا للأونصة لتجد توازنًا جديدًا بعد الارتفاع المفرط الأخير.
ورغم ذلك، فإن السيناريو الصعودي لا يزال قائمًا في حال تحقق أحد الشروط التالية:

  • انتهاء الإغلاق الحكومي الأمريكي الذي يضغط على الأسواق.
  • صدور بيانات سلبية من سوق العمل الأمريكي تُشير إلى تباطؤ، مما قد يدفع الفيدرالي لتخفيف السياسة النقدية.
  • إعلانات رسمية من الاحتياطي الفيدرالي حول خفض أسعار الفائدة، وهو العامل الوحيد القادر على إعادة إشعال الطلب على الذهب بقوة.
  • وبناءً على المؤشرات الحالية، يُرجح أن تكون قمة 2025 عند مستوى 4,381 دولارًا للأونصة، إلا إذا طرأ تحول جوهري في سياسات الفيدرالي أو في التضخم الأمريكي.


بين الواقع الاقتصادي والعاطفة
الذهب لم يفقد بريقه، لكنه خرج من حالة الغيبوبة العاطفية التي سيطرت على المستثمرين خلال الأسابيع الماضية.
الأسواق لا تصعد بالعواطف ولا تستقر بالخوف — بل تتوازن حين تعود الثقة إلى الأرقام لا إلى الانطباعات.
ومثلما كان الارتفاع مدفوعًا بالعاطفة، جاء التصحيح ليعيد الانضباط إلى السوق، في إشارة إلى أن العقل الاقتصادي يعود دومًا لينتصر على العاطفة النفسية.
وبين القمة 4,381 والدعم عند 3,700، يبقى الذهب في انتظار حدثٍ جوهري يعيد رسم مساره القادم — فإما دورة صعود جديدة مبنية على حقائق، أو استقرار طويل يُعيده إلى قيمه العادلة.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.