عاجل: صدور بيانات اقتصادية أمريكية هامة للفيدرالي
من المتوقع أن يتخذ الاحتياطي الفيدرالي اليوم قرارًا بخفض أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، ليصل سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%.
وهذه الخطوة متوقعة منذ أسابيع، وقد استوعبتها الأسواق بالكامل. ما يهم الآن هو ما سيحدث لاحقاً — وسيعتمد ذلك على نبرة رئيس الفيدرالي جيروم باول أكثر من القرار نفسه.
أتوقع أن تكون نبرته ميّالة أكثر للتيسير النقدي، لكن هذا لا يعني أن الخفض القادم وشيك.
يبدو أن الفيدرالي مستعد للانتقال من مرحلة التحرك إلى مرحلة المراقبة، حيث سيتراجع لتقييم آثار قراراته الأخيرة. وأعتقد أنه قد لا يكون هناك خفض آخر للفائدة حتى ربيع أو حتى صيف عام 2026.
قد يثير هذا الاحتمال قلق المستثمرين الذين اعتادوا على سلسلة من القرارات السريعة، لكنه يعكس الواقع الجديد للبنك المركزي. فقد تباطأ التضخم، وبدأ الاقتصاد في التراجع، مما يتيح للفيدرالي أخيراً الانتقال من إطفاء نار التضخم إلى إدارة الاستقرار.
هذا لا يعني نهاية دورة التيسير النقدي، بل بداية مرحلة أبطأ وأكثر تروّياً.
يكمن السر في بيانات التضخم التي تروي القصة. فقد بلغ مؤشر أسعار المستهلك (CPI) 3%، في حين وصل التضخم الأساسي إلى 3.1%. هذه الأرقام كانت ستُعتبر مرتفعة بشكل مقلق قبل عامين، لكنها اليوم تُعد تقدماً مقبولاً نحو الهدف الطويل الأمد للاحتياطي الفيدرالي.
ولا شك أن الأسعار ما زالت ترتفع بوتيرة تفوق رغبة صانعي السياسة النقدية، إلا أن الاتجاه الحالي بات مستقراً وقابلاً للتنبؤ، وهو ما يمنح الفيدرالي مساحة للتوقف والتقييم.
لكن القلق الحقيقي انتقل الآن إلى سوق العمل. فقد تباطأت وتيرة التوظيف بشكل ملحوظ، إذ لم يُضف الاقتصاد سوى 22 ألف وظيفة جديدة في أغسطس، بينما ارتفع معدل البطالة إلى 4.3%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2021. لا تشير هذه الأرقام إلى أزمة وشيكة، لكنها تعكس هشاشة واضحة في سوق العمل.
ويبدو أن المهمة المزدوجة للاحتياطي الفيدرالي — تحقيق استقرار الأسعار وضمان أعلى معدل للتوظيف — تميل حالياً نحو الشق الثاني. فبعد أن تراجع خطر التضخم، أصبحت العمالة المحرك الأساسي للسياسة النقدية في المرحلة المقبلة.
وباتت تقارير الأجور، ومعدلات المشاركة في القوى العاملة، وفرص العمل الجديدة، بمثابة البوصلة الجديدة للأسواق. ويدرك جيروم باول هذه الحقيقة جيداً، لذلك من المرجح أن تعكس تصريحاته الليلة هذا التحول بوضوح.
و من المتوقع أن يشير باول إلى التقدم المحرز في كبح التضخم، مع التأكيد على أهمية التمهّل والتحلي بالصبر بينما يواصل سوق العمل تباطؤه التدريجي.
بمجرد أن يعلن مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن السياسة النقدية لم تعد تقييدية، فإنه يدخل مرحلة جديدة تعتمد على الثبات والترقب، وهي المرحلة التي يبدو أننا بلغناها الآن. فقد أصبحت السياسة النقدية محايدة إلى حد كبير، ولن يُقدم الفيدرالي على خفض جديد للفائدة إلا إذا أظهرت البيانات تراجعاً واضحاً في التوظيف أو تباطؤاً ملموساً في النمو الاقتصادي.
أما المستثمرون، فعليهم التكيف مع هذا الإيقاع الجديد البطيء. فخلال العام الماضي، ساد الاعتقاد بأن خفض الفائدة سيستمر بوتيرة منتظمة، غير أن هذا التصور بدأ يتغير. وستحتاج الأسواق إلى إعادة تقييم توقعاتها، خصوصاً في القطاعات الأكثر تأثراً بمعدلات الفائدة مثل التكنولوجيا والعقارات.
ورغم أن هذا التوقف قد يؤدي إلى تقلبات مؤقتة في الأسواق، فإنه في الوقت نفسه يساهم في بناء أساس أكثر متانة للنمو المستقبلي. فالتباطؤ في وتيرة قرارات السياسة النقدية يمنح الاقتصاد فرصة للتماسك والتوازن.
وسيكون الصبر العامل الحاسم للمستثمرين في المرحلة القادمة، إذ يُتوقع أن تشهد الأشهر المقبلة استقراراً نسبياً في أسواق الأسهم والسندات، مع انخفاض مستويات التقلب ووضوح الاتجاهات الاقتصادية بشكل أكبر.
أما التأثير الأبرز فسيظهر في أسواق العملات. فاتباع الفيدرالي نهجاً أكثر حذراً وصبراً يعني أن الدولار الأمريكي سيبقى قوياً لفترة أطول، وهو ما قد يضغط على الأسواق الناشئة على المدى القصير. لكن عندما تنتهي هذه المرحلة ويعود البنك إلى سياسة التيسير النقدي، سيبدأ الدولار في التراجع مجدداً، مما سيمنح الأصول عالية المخاطر عالمياً دفعة إيجابية جديدة.
ويبقى السؤال الأهم الآن: ما هي النبرة التي سيستخدمها جيروم باول في مؤتمره الصحفي؟
فإذا ركّز على بيانات سوق العمل وأهميتها، فستفهم الأسواق أن الفيدرالي سيُبقي السياسة النقدية مستقرة دون خفض إضافي قريب. أما إذا أشار إلى مخاطر تباطؤ النمو الاقتصادي، فقد تفسر الأسواق ذلك على أنه احتمال لخفض جديد للفائدة في أوائل العام المقبل.
وفي كلتا الحالتين، ستكون لغة باول وتوجيهاته بنفس أهمية القرار نفسه.
من المرجح أن يتخذ الفيدرالي موقفاً حذراً ومحافظاً، مفضلاً الاعتماد على البيانات الفعلية بدلاً من التوقعات أو المشاعر العامة قبل اتخاذ أي خطوة جديدة. وهذا يعني أن فترة التوقف الحالية قد تطول، وربما لا يشهد السوق خفضاً جديداً للفائدة قبل الربع الثاني من عام 2026، أو حتى بعد ذلك.
الفيدرالي يدرك أن الوقت الآن في صالحه، وأن الصبر أصبح أداة السياسة النقدية الأهم في هذه المرحلة.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن هذا الواقع الجديد يتطلب قرارات أكثر توازناً وانتقائية بدلاً من التسرع والمضاربة. فخلال العام الماضي، ارتفعت الأسواق بدعم من توقعات بتيسير نقدي سريع، لكن الاختبار الحقيقي سيبدأ عندما يتباطأ الفيدرالي في خطواته. والفائزون سيكونون أولئك الذين يستعدون لدورة اقتصادية طويلة ومستقرة، لا لمن يراهنون على تحفيز مؤقت وسريع.
لقد انتهى عصر التغييرات الطارئة والمفاجئة في أسعار الفائدة، لتحل محله مرحلة من إعادة التوازن الدقيقة، تهدف إلى الحفاظ على النمو دون إشعال موجة تضخمية جديدة.
والخفض المتوقع اليوم يحمل رمزية واضحة؛ فهو إشارة إلى انتهاء مرحلة التشديد النقدي، لكنه في الوقت نفسه تذكير بأن الخطوة التالية لن تأتي قريباً.
من المرجح أن يلتزم الفيدرالي بالهدوء، يتجنب الضغوط السياسية، ويترك البيانات الاقتصادية تقود قراراته.
وبالنسبة للمستثمرين، تبقى الرسالة الأوضح: استعدوا لفترة استقرار ممتد في السياسة النقدية.
