الذهب .. بين التيسير الحذر ومخاطر السياسة العالمية

تم النشر 30/10/2025, 09:02

 

في مساء الأربعاء 29 أكتوبر 2025، أعلن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عن خفض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى نطاق 3.75–4.00%، في خطوة هدفت إلى دعم النمو الاقتصادي وسط إشارات تباطؤ في بعض المؤشرات الأمريكية.

وبالرغم من أن هذا القرار عادةً ما يُعتبر داعمًا لأسعار الذهب، إلا أن المعدن النفيس خالف التوقعات وواصل الهبوط، في مفارقة أثارت تساؤلات المستثمرين والمحللين حول الأسباب الكامنة وراء هذا السلوك غير التقليدي للأسواق.

 

أولاً: ما جرى في اجتماع 29 أكتوبر 2025

 

قرر الفيدرالي خفض سعر الفائدة الأساسي (فائدة «فيدرال فاندز») بمقدار 25 نقطة أساس (0.25%) ليصبح النطاق 3.75% – 4.00%. ويعد هذا الخفض الثاني على التوالي في عام 2025، وجاء بعد مؤشرات تباطؤ في سوق العمل وتراجع محدود في الاستهلاك.

البيان الرسمي للفيدرالي أوضح أن القرار جاء "في ضوء تحول في توازن المخاطر"، في إشارة إلى ارتفاع احتمالات التباطؤ أكثر من احتمالات التضخم المفرط.

 

على صعيد التصويت الداخلي، سجّل الاجتماع معارضتين بارزتين:

 

ستيفن ميرن (Stephen I. Miran): طالب بخفض أكبر بمقدار 50 نقطة أساس.

جيفري شميد (Jeffrey R. Schmid): فضل الإبقاء على الفائدة دون تغيير.

 

وفي المؤتمر الصحفي، صرّح جيروم باول بعدة تصريحات رئيسية مهمة:

 

"لا نرى أن الضعف في سوق العمل يتسارع" – تعكس هذه العبارة تماسك سوق العمل نسبيًا، وأن التباطؤ الاقتصادي لم يصل إلى مستوى يبرر خفضًا كبيرًا للفائدة.

"خفض ديسمبر ليس مضمونًا بعد" – الفيدرالي ينتظر بيانات أوضح قبل اتخاذ أي خطوات تيسيرية إضافية.

"البيانات الاقتصادية الأخيرة غير مكتملة بسبب تعطّل بعض التقارير الرسمية نتيجة الإغلاق الجزئي للحكومة" – يوضح سبب حذر الفيدرالي في تفسير المؤشرات الاقتصادية واتخاذ القرار.

كما أعلن باول عن إيقاف سياسة تقليص الميزانية العمومية (QT) بدءًا من ديسمبر، أي أن الفيدرالي لن يقلّص حيازته من السندات بعد الآن، في خطوة اعتُبرت ميسّرة نسبيًا لكنها لا تعني دورة تيسير كاملة.

 

الخلفية الاقتصادية للقرار

 

يواجه الاقتصاد الأمريكي حاليًا توازنًا دقيقًا بين النمو والتضخم، ما جعل قرار الفيدرالي حساسًا للغاية.

سوق العمل: رغم بعض علامات التباطؤ في وتيرة خلق الوظائف، لا يزال سوق العمل قويًا نسبيًا، حيث حافظت معدلات البطالة على مستويات منخفضة، وفقًا لتصريح جيروم باول: "لا نرى أن الضعف في سوق العمل يتسارع". هذا يشير إلى أن الاقتصاد لم يدخل مرحلة ركود حقيقي، وأن الطلب على العمالة لا يزال مستقرًا، ما يقلّل من حاجة الفيدرالي إلى خفض حاد للفائدة.

التضخم: بقي التضخم عند حوالي 3%، أعلى من الهدف الرسمي للفيدرالي البالغ 2%. هذه النسبة تعكس استمرار ضغوط الأسعار على المستهلكين، الأمر الذي يفرض على الفيدرالي موازنة دقيقة بين التيسير النقدي لدعم النمو والحذر من ارتفاع التضخم.

البيانات الاقتصادية العامة: تأثرت بعض المؤشرات بالإغلاق الجزئي للحكومة، مما حدّ من قدرة الفيدرالي على تقييم صحة الاقتصاد بشكل كامل. هذا الواقع يجعل أي خفض للفائدة خطوة حذرة ومؤقتة، حيث ينتظر صانعو القرار بيانات أكثر وضوحًا قبل الالتزام بدورة تيسير أطول.

هذه الخلفية الاقتصادية توضح أن الفيدرالي يسير بين مطرقة تباطؤ الاقتصاد وسندان التضخم المستمر، ما يفسر طبيعة خفض الفائدة الحالي باعتباره خطوة محدودة ومراقَبة، وليست بداية لدورة تيسير واسعة.

 

لماذا لم يدعم القرار أسعار الذهب؟

 

القرار كان متوقعًا بالكامل: الأسواق كانت قد سعّرت خفض الفائدة خلال الأسابيع السابقة، ما قلّل عنصر المفاجأة عند الإعلان.

نبرة الفيدرالي جاءت متشددة (Hawkish Tone): تصريح باول بأن خفض ديسمبر ليس مضمونًا، والتأكيد على ثبات سوق العمل، أعطى الأسواق إشارة أن دورة التيسير ليست مفتوحة بعد.

قوة الدولار الأمريكي: ارتفاع مؤشر الدولار (DXY) جعل الذهب أقل جاذبية للمستثمرين الدوليين.

جني أرباح وتصحيح فني: الذهب شهد موجة صعود قوية قبل الإعلان، دفع العديد من المستثمرين لجني الأرباح فور صدور القرار.

 

ربط تصريحات باول بحركة الذهب والدولار

تصريحات جيروم باول، مثل قوله: "لا نرى أن الضعف في سوق العمل يتسارع" و*"خفض ديسمبر ليس مضمونًا"*، كانت محور رد فعل الأسواق الفوري:

ارتفاع الدولار الأمريكي: المستثمرون عززوا المراكز بالدولار بدلاً من الذهب، ما جعل المعدن الأصفر أقل جاذبية.

ضغط على الذهب: حتى مع خفض الفائدة، لم ير المستثمرون دعماً كافياً لتحفيز صعود المعدن، خاصة بعد موجة الصعود السابقة وجني الأرباح.

تقلبات فنية قصيرة المدى: الذهب شهد حركة هبوط تصحيحية مدفوعة بالبيانات والبيئة الحذرة التي رسمها الفيدرالي، دون أن يفقد دعمه على المدى المتوسط.

باختصار، تصريحات باول عززت تفوق الدولار على الذهب مؤقتًا وجعلت الأسواق أكثر حذرًا تجاه أي توقعات لتيسير أوسع.

البعد الجيوسياسي — لقاء الكبار

في سياق متزامن مع قرار الفيدرالي، أكدت وكالات الأنباء أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيلتقي نظيره الصيني شي جينبينغ في مدينة بوسان – كوريا الجنوبية، يوم الخميس، على هامش قمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (APEC). ويُعد هذا الاجتماع الأول منذ فترة من التوترات التجارية والتكنولوجية بين أكبر اقتصادين في العالم.

الاجتماع يحمل عدة أبعاد هامة للأسواق:

تهدئة التوترات التجارية: أي مؤشرات على حل جزئي للنزاعات التجارية بين الولايات المتحدة والصين قد تقلل المخاطر على النمو العالمي، مما يقلل الطلب على الذهب كملاذ آمن.

المخاطر السياسية والاستراتيجية: تصريحات ترامب الأخيرة حول استئناف اختبارات الأسلحة النووية أضافت عنصراً من عدم اليقين، قد يدفع المستثمرين للبحث عن أصول آمنة، بما في ذلك الذهب.

تأثير مباشر على الأسواق المالية: نجاح اللقاء قد يؤدي إلى تعزيز معنويات الأسواق الأسهم والعملات المرتبطة بالنمو، بينما أي إخفاق أو تصعيد محتمل قد يدعم الذهب ويزيد من جاذبيته كملاذ آمن.

الذهب اليوم يقف أمام قوتين متناقضتين: الفائدة المنخفضة التي قد تدعمه مقابل تحسن المناخ الجيوسياسي المتوقع الذي قد يقلل الطلب عليه. أي تحرك ملموس في اتجاه الاتفاق التجاري أو التوتر العسكري سيحدد الاتجاه القادم للذهب في الأيام المقبلة.

نجاح المباحثات: قد يؤدي إلى تراجع الذهب مع انخفاض الطلب على الملاذات الآمنة.

فشل المباحثات أو تصعيد التوتر: قد يعيد الذهب للصعود بقوة نحو مستويات المقاومة الرئيسة.

ما حدث في 29 أكتوبر لم يكن مجرد خفض تقليدي للفائدة، بل كان تيسيرًا حذرًا مع مراقبة دقيقة للبيانات الاقتصادية.

تصريحات جيروم باول عززت فهم الأسواق للقرار كإشارة على تيسير محدود وليس دورة خفض واسعة، في حين أن المناخ الجيوسياسي العالمي يبقي الذهب أمام قوة متناقضة بين الدعم والضغط.

هبوط الذهب  منطقي، لكن الاتجاه القادم سيعتمد على نتائج لقاءات ترامب–شي وما إذا كان الفيدرالي سيؤكد بداية دورة خفض جديدة أو سيبقي الحذر قائمًا.

"الذهب اليوم يقف على حافة السكين بين آمال النمو ومخاوف السياسة، وكل قرار عالمي أو اقتصادي قد يحركه فجأة نحو القمة أو القاع.

 

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.