انهيار سهم أحد عمالقة وول ستريت.. والخسائر تصل إلى 13%
قد يكون الذهب معدن صامت، لكنه في هذا الأسبوع تكلم بصوتٍ أعلى من كل محافظ البنوك المركزية. لم يكن صعوده صعوداً عابراً، ولا كان تراجعه تراجعاً ارتجالياً. وما بين يوم الجمعة ويوم الأحد، تحولت حركة الذهب إلى مرآة حقيقية تعكس حال الاقتصاد العالمي، والتوتر السياسي، والمزاج النقدي الأميركي الذي يغيّر اتجاهات الأسواق كما تغيّر الرياح اتجاه البحر في لحظة غير محسوبة.
اليوم ـ الأحد ـ يستقر الذهب حول 4 085.825 دولاراً للأونصة، بعد أيام متوترة شهد خلالها صعوداً سريعاً قادته حالة عدم اليقين، ثم تراجعات محسوبة بفعل رسائل متشددة من الاحتياطي الفدرالي. وفي جلسة الجمعة، بلغ الذهب قرابة 4 215 دولاراً للأونصة تقريباً قبل أن يفقد جزءاً من زخمه.
فماذا حدث؟ ولماذا تعاند الأسواق الفيدرالي؟ وهل ما نراه حالياً فورة سعرية عابرة أم بداية مسار استراتيجي طويل يمهّد لمرحلة جديدة في عالم الاستثمار؟
أولاً: تحولات يوم الجمعة… الشرارة التي بدأت القصة
يوم الجمعة كان اليوم الذي كشف هشاشة المزاج العالمي. فبينما كانت التوقعات تميل لصعود مستمر بقيادة المخاوف الاقتصادية، خرج عدد من مسؤولي الاحتياطي الفدرالي بتصريحات تحمل نبرة واضحة: "لا يوجد مبرر لخفض الفائدة الآن". هذه الجملة لوحدها كفيلة بإشعال نصف أسواق العالم وإطفاء النصف الآخر.
الذهب، الذي كان يتجه إلى تسجيل أسبوع أخضر بامتياز، ارتفع في بداية جلسة الجمعة مقترباً من أعلى مستوياته القياسية، ولامس تقريباً 4 215 دولاراً للأونصة. عندها بدا وكأنه مستعد لاختراق سقف جديد يصعب تجاهله. لكن مع بداية صدور تصريحات الفيدرالي، انقلب المشهد.
تراجعت العقود الآجلة، وخفت الاندفاع، وبدأ المستثمرون في موازنة المخاطر من جديد. وعلى الرغم من التراجع، بقي الذهب متجهاً إلى مكاسب أسبوعية تجاوزت 4%، وهو رقم لا يمكن التقليل من أهميته في ظرف اقتصادي ضبابي.
ثانياً: خلال يومي السبت والأحد… الصورة تتضح
بين الجمعة والأحد لم يتوقف الحديث العالمي عن الذهب. فالأسواق قد أغلقت، لكن الأرقام والمحللين لم يغلقوا دفاترهم. وخلال اليومين الماضيين، اتضح ما يلي:
- مستويات 4 000 دولار أصبحت أرضاً حقيقية للذهب وليست مجرد رقم نفسي.
- السعر الحالي حول 4 085.825 دولار يعكس تمسك المضاربين والمستثمرين الاستراتيجيين بالمعدن.
- التصحيح الذي حدث لم يكن انهياراً بل كان إعادة تموضع.
- الفيدرالي لم يقدّم أي بوادر تخفيف، لكن الأسواق لم تبِع الذهب بشكل عدواني، وكأنها تقول: "ربما أنتم متشددون، لكن العالم غير مطمئن".
- الإغلاق الحكومي الأميركي الطويل ترك آثاراً لا تُمحى في المزاج الاقتصادي، وأعاد الذهب إلى واجهة المشهد كملاذ يتقدم عندما تتساقط الأوراق.
ثالثاً: لماذا بقي الذهب مرتفعاً رغم تشدد الفيدرالي؟
سؤال وجيه. من المفترض أن يؤدي تشديد السياسة النقدية وارتفاع العوائد إلى ضغط كبير على الذهب، لأنه أصل لا يدر أي فائدة. لكن الواقع غير ذلك. لماذا؟
1. العالم يعيش لحظة عدم يقين اقتصادي
الأسواق لم تعد تثق بقدرة الاقتصاد العالمي على الاستمرار في نمو ثابت. وتباطؤ النشاط التجاري الأميركي بعد الإغلاق الحكومي وضع علامات استفهام كثيرة.
2. المستثمرون الكبار يوسّعون مراكز التحوط
البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية زادت مشترياتها من الذهب خلال الأشهر الماضية، ووجود هذه القوة الشرائية الضخمة يقلل من تأثير موجات البيع القصيرة.
3. التضخم الحقيقي ما زال خطراً
حتى لو انخفضت أرقام التضخم الرسمية، فإن الأسعار على الأرض لا تزال مرتفعة. وهذا يدفع الكثير من المستثمرين إلى الحفاظ على مراكز ذهبية لا تقل عن 10 إلى 20% من محافظهم طويلة الأمد.
4. الدولار ليس في أفضل حالاته
الدولار يتحرك صعوداً وهبوطاً، لكن قوته غير مستقرة منذ أسابيع. وهذا الارتباك يعطي الذهب نافذة تنفّس.
5. الأسواق تشكك في قدرة الفيدرالي على الاستمرار في التشدد
تصريحات الفيدرالي قوية، لكن أرقامه ليست بالقوة نفسها. بيانات النمو، الاستهلاك، سوق العمل، كلها بدأت تُظهر إشارات تباطؤ. الأسواق تعي ذلك جيداً.
رابعاً: هل يعكس الذهب أزمة قادمة؟ أم مجرد موجة عابرة؟
بكل صراحة، الذهب عادة لا يكذب. قد يبالغ أحياناً، لكنه لا يكذب. وعندما يصعد بقوة في وقت تَعد فيه البنوك المركزية بتشديد أكبر، فهذا يعني أن المستثمرين لا يشعرون بالراحة، وأن هناك شيئاً تحت السطح لا يراه الجميع.
الاحتمالات الأقرب هي:
- تباطؤ اقتصادي عالمي في الربع الأول من 2026 إذا استمرت التشديدات الأميركية.
- اضطرابات محتملة في أسواق السندات بسبب تضخم الديون الحكومية.
- تحولات سياسية دولية قد تزيد الطلب على الملاذات الآمنة.
من منظور استراتيجي، اتجاه الذهب ليس صدفة، بل إشارة.
خامساً: من زاوية خبير تحليل استراتيجي… ماذا تعني الأسعار الحالية؟
حين يصل الذهب إلى 4 000 دولار ثم يبقى فوقها لعدة أيام رغم كل الضغوط، فهذه ليست حركة مضاربية، بل "تأسيس قاع جديد". هذا النوع من القيعان عادة ما يسبق موجات صعود أكبر.
البعض قد يتساءل: هل يمكن أن يعود الذهب إلى 3 700 أو 3 800 دولار؟ طبعاً يمكن. الأسواق لا تخضع لمزاج شاعر. لكنها اليوم تقول شيئاً واحداً: 4 000 دولار ليست سقفاً، بل نقطة انطلاق جديدة في خارطة أسعار الذهب.
سادساً: ما الذي تغيّر فعلياً بين الجمعة والأحد؟
حتى لا نطيل السرد النظري، نلخص المتغيرات الفعلية:
- لم تصدر بيانات اقتصادية مفاجئة.
- لم يُعلن الفيدرالي أي شيء جديد خلال يومي العطلة.
- الأسعار لم تنخفض إلى مستويات تُقلِق المتداولين.
- الذهب احتفظ بأغلب مكاسبه الأسبوعية.
- المزاج العالمي ما زال حذراً، وهذا أهم عامل يدعم الذهب فعلياً.
بمعنى آخر: التراجع الأخير كان "تنفيس ضغط" وليس تغيير اتجاه.
سابعاً: ما الذي قد يحدث هذا الأسبوع؟
سنسجّل هنا تحليلاً استراتيجياً يقرأ الاتجاه بعيداً عن التمنيات:
السيناريو الأول: الذهب يعود لكسر 4 150 – 4 200
إذا ظهرت بيانات اقتصادية سلبية أو ألمح الفيدرالي لتخفيف التشدد، فإن الذهب سيعود سريعاً للصعود لأن أساس القلق موجود.
السيناريو الثاني: الذهب يتراجع إلى 3 980 – 4 020
هذا وارد إذا ارتفع الدولار وعوائد السندات بشكل مفاجئ، لكن هذا التراجع لن يكون انهياراً بل جزءاً من حركة طبيعية للسوق.
السيناريو الثالث: الاستقرار بين 4 050 و4 100
هذا هو السيناريو الأكثر واقعية الآن، لأن الأسواق تحتاج وضوحاً أكبر قبل اتخاذ اتجاه جديد.
ثامناً: قراءة خاصة للمستثمر الكويتي والخليجي
هنا نأتي للنقطة التي تهمك فعلياً:
- الذهب بالدولار يختلف عن الذهب بالدينار، لذلك سعر الصرف يلعب دوراً كبيراً.
- الأسواق الخليجية عموماً تميل للذهب كمخزن قيمة وليس كأداة مضاربة، ما يجعل الشراء طويل الأجل أقل خطراً.
- في بيئة عالمية غير مستقرة، إبقاء جزء من الأصول في الذهب أمر منطقي.
- لكن يجب ألا يزيد الذهب عن 20-25% من المحفظة، لأن التنويع أهم من أي أصل واحد.
- المستثمر الكويتي يتأثر أكثر بتقلب الدولار، لذلك مراقبة ديناميكيات العملتين مهمة.
تاسعاً: لماذا يُعتبر الذهب اليوم أداة استراتيجية وليس مجرد ملاذ؟
الذهب تحوّل من "ملاذ" إلى "ركن أساسي" في إدارة المخاطر، والسبب:
- عدم استقرار سياسات الفيدرالي.
- اتساع فجوة المديونية في العالم.
- نمو الطلب الفعلي من البنوك المركزية.
- ضعف الثقة في الاقتصاد العالمي بعد سلسلة أزمات.
باختصار: الذهب أصبح وسيلة توازن اقتصادية أكثر منه وسيلة خوف.
عاشراً: خلاصة رئيس التحرير
لا نريد أن نغرق في التجميل، ولا نريد أن نبالغ في التحذير. لكن الحقيقة أنّ الذهب اليوم في مرحلة مفصلية.
هو ليس في فقاعة.
وليس في انهيار.
بل في مرحلة انتقالية تُعيد تشكيل أسواق الملاذات الآمنة منذ عقد على الأقل.
