عاجل: الذهب يسقط من القمة عقب تصريحات ترامب - لا تلتقط سكين الذهب الهابطة
شهدت البيتكوين تصحيحاً حاداً خلال الأسابيع الماضية، ما أثار قلق المستثمرين، إلا أن هذا الهبوط قد يكون بمثابة التحضير لانتعاش أوسع في الأسواق. فمع الضغوط التي تتعرض لها الأصول ذات المخاطر المرتفعة، يبدو حجم تراجع البيتكوين أقل كإشارة تحذيرية وأكثر كإشارة مبكرة لما قد يحدث لاحقاً.
شهدت العملات الرقمية موجة بيع قوية مع بداية الأسبوع؛ فقد تراجعت البيتكوين بما يصل إلى 6% في جلسة واحدة، بينما هبطت الإيثريوم بأكثر من 7%. وتمثل هذه التحركات امتداداً للهبوط الذي بدأ مطلع أكتوبر، حين تمت تصفية مراكز رافعة مالية بقيمة تقارب 19 مليار دولار نتيجة ارتفاع التقلبات وتتابع عمليات التصفية في أسواق المشتقات.
من ذروة أوائل أكتوبر قرب 124 ألف دولار، هبطت البيتكوين بنحو 30%، وتم تداولها مؤخراً قرب 87 ألف دولار. في المقابل، لم تشهد الأصول التقليدية أي إعادة تسعير مماثلة؛ فقد تراجع مؤشر ناسداك 100 بنحو 4% فقط عن أعلى مستوى له، كما انخفض الذهب بالنسبة نفسها تقريباً منذ ذروته في منتصف أكتوبر.
وهذا التباين مهم، إذ إن البيتكوين استوعبت أشهر من التصحيح في بضعة أسابيع فقط، بينما شهدت الأسهم والذهب تراجعات طفيفة نسبياً. وعندما تعيد الأسواق التوازن بهذه الطريقة، فإن ذلك غالباً ما يغير من حجم الفرص المتاحة في الاتجاه الصاعد.
أصبحت البيتكوين تتصرف بشكل متزايد كأصل عالي الحساسية تجاه شهية المخاطرة عالمياً، وخصوصاً تجاه أسهم التكنولوجيا الأمريكية. فقد ارتبطت حركتها بسلوك مؤشر ناسداك، ولكن مع تقلبات أكبر بكثير؛ فعندما ارتفعت أسهم التكنولوجيا مطلع العام، قفزت البيتكوين بقوة. وعندما فقدت الزخم، كانت البيتكوين أول من يتراجع وبحدة أكبر.
هذا التفاعل المبالغ فيه يروي قصة مهمة. فالبيتكوين يبدو وكأنه يعمل كمؤشر متقدّم، لا مجرد تابع سلبي. إذ يتحرك مبكراً وبسرعة، ليعكس التغيرات في السيولة ونفسيات المستثمرين قبل أن تظهر هذه التحولات بوضوح في الأسواق التقليدية.
كما أن موجة البيع الأخيرة كان لها جانب ميكانيكي واضح. فقد تراكمت الرافعة المالية بقوة خلال أواخر الصيف مع صعود الأسعار إلى مستويات جديدة. وبمجرد أن انعكس الزخم، جاءت نداءات الهامش لتسرّع الهبوط. وتُظهر بيانات المشتقات انخفاضاً حاداً في عدد العقود المفتوحة خلال أكتوبر، ما يشير إلى أن الجزء الأكبر من المضاربات المبالغ فيها قد جرى التخلص منه بالفعل.
هذه العملية مؤلمة لكنها غالباً ضرورية. فالأسواق المدفوعة بالرافعة المالية تصبح هشّة، وعندما تُزال هذه الرافعة يتحسن اكتشاف الأسعار ويصبح معظم من يبقون في السوق أكثر إصراراً. تاريخياً، الفترات التي تلي موجات التصفية الكبيرة تكون عادة أكثر استقراراً من الفترات المضطربة التي سبقتها.
أما على صعيد الاقتصاد الكلي، فالصورة تبدو أقل سلبية مقارنة بما كانت عليه في بداية الربع. فقد استقرت عوائد السندات بعد ارتفاعها السابق الذي ضيّق الأوضاع المالية. كما بدأت بيانات النمو بالتراجع لكن دون انهيار، ما يخفف المخاوف من هبوط حاد. كذلك هدأت تقلبات العملات. فرغم استمرار حالة عدم اليقين، فإن الإحساس بضغط التشديد المستمر تراجع.
البيتكوين يستجيب بسرعة لهذه التغيرات الطفيفة. فهو لا يحتاج إلى إشارة واضحة لعودة الشهية للمخاطرة؛ فمجرد انخفاض التوترات الاقتصادية قد يكون كافياً لجذب الطلب من جديد، خصوصاً بعد أن تم التخلص من المراكز المبالغ فيها.
ويُعد الذهب مثالاً مفيداً للمقارنة. فقد استفاد من التدفقات الدفاعية أثناء موجة التصحيح، لكن دوره مختلف. فالذهب يحافظ على القيمة في أوقات عدم اليقين، لكنه لا يقود عادة موجات التعافي عندما يبدأ المستثمرون بالعودة إلى الأصول المرتبطة بالنمو. وفي فترات الانتعاش السابقة، غالباً ما ينتقل رأس المال أولاً من الملاذات الآمنة إلى الأصول ذات العوائد الأعلى.
البيتكوين يقع أقرب إلى فئة أصول النمو في هذا التسلسل، مع احتفاظه في الوقت ذاته بسردية الندرة التي تميّزه عن الأسهم. فهو يمنح فرصة للمشاركة في تعافي المخاطر دون الارتباط بدورات الأرباح أو الهوامش أو الميزانيات. هذا المزيج يمنحه تفوقاً غير متماثل عندما تتحسن المعنويات.
الهيكل الداخلي لسوق البيتكوين نفسه لا يزال داعماً. فالأرصدة الموجودة في المنصّات تقترب من أدنى مستوياتها منذ سنوات، ما يشير إلى انخفاض ضغط البيع على المدى القريب. كما أن حاملي البيتكوين على المدى الطويل ظلوا ثابتين رغم التقلبات، ما يعكس استمرار القناعة. وتواصل المؤسسات دخول السوق عبر المنتجات المنظمة، مما يعزز دور البيتكوين داخل المحافظ الاستثمارية المتنوعة بدلاً من اعتباره مجرد أصل مضاربي هامشي.
وحتى مستويات الأسعار بدأت تشكل تأثيراً على نفسية السوق. فالمتداولون يراقبون المناطق الفنية المهمة، ليس بدافع التعلق بالتحليل الفني بحد ذاته، بل لأنها تحدد غالباً مستوى الثقة. فالصمود فوق المتوسطات طويلة المدى بعد هبوط كبير يمكن أن يغيّر التوقعات بسرعة.
لقد امتصّت البيتكوين قدراً من الهبوط يفوق بكثير ما شهده كل من ناسداك أو الذهب. وهذا وحده يعيد تشكيل المسار المحتمل للأمام. ففي سيناريو تستقر فيه الأصول الخطرة ثم تبدأ بالتعافي، لن تحتاج البيتكوين إلى استعادة قممها السابقة كي تتفوق؛ حتى ارتداد معتدل قد يمنحها مكاسب نسبية تفوق ما يمكن أن تحققه الأسهم أو الأصول الدفاعية في الفترة نفسها.
رغم أن التصحيح الحالي كان قاسياً، فإنه كان حاسماً أيضاً. فقد تمت إزالة الفائض، وأنجزت التقلبات مهمتها. وإذا عادت شهية المخاطرة، تبدو البيتكوين مؤهلة ليس فقط للمشاركة في التعافي، بل لقيادته.
