رسوم ترامب الجمركية فوق صفيح ساخن... والأسواق تترقب
يسود في الأوساط المالية مؤخراً تفسير يربح صعود الجنيه المصري مقابل الدولار بنسبة تقارب 7% خلال عام 2025 إلى "ضعف العملة الأمريكية عالمياً". ورغم أن هذا التفسير يبدو منطقياً للوهلة الأولى، إلا أنه يظل تفسيراً "قاصراً" وغير مكتمل الأركان؛ فلو كان ضعف الدولار هو المحرك الوحيد، لكان من المفترض أن نشهد انتفاضة جماعية لكافة العملات الناشئة، وهو ما لم يحدث.
فخ "التعميم": لماذا سقط الآخرون وصمد الجنيه؟
إذا نظرنا إلى خارطة العملات الناشئة في 2025، سنجد تفاوتاً صارخاً يكشف زيف مقولة "ضعف الدولار يرفع الجميع". ففي الوقت الذي كان فيه الدولار يتراجع، كانت الليرة التركية تهبط من مستويات 35 إلى 42 للدولار، والروبية الهندية تتراجع من 85 إلى 90، بينما استمر البيزو الأرجنتيني في نزيفه الحاد ليصل إلى مستويات 1450.
هذا التباين يثبت أن ضعف الدولار هو مجرد "فرصة"، والعملات القوية هي فقط من تملك "الجاهزية" لاستغلال هذه الفرصة.
معادلة التحول: كيف تقتنص "رؤوس الأموال الهاربة"؟
تتحرك الأموال الذكية بناءً على قرارين متتاليين، وليس قراراً واحداً:
- قرار التخارج: وهو الهروب من الأصول المقومة بالدولار نتيجة مخاوف سياسية (مثل إعادة توزيع الصين لمحفظة سندات الخزانة الأمريكية) أو اقتصادية (مثل القلق من سياسات الحماية التجارية).
- قرار الوجهة البديلة: وهنا تكمن العبقرية. المستثمر لا يبحث عن "العملة الضعيفة" بل عن "العائد الحقيقي والاستقرار".
مصر في 2025 نجحت في تقديم نفسها كوجهة بديلة مثالية، مستفيدة من تدني تقييمات الأصول، واستقرار الأوضاع النقدية والمالية بعد تنفيذ برنامج إصلاحي شاق انطلق في مارس 2024.
الجاهزية الهيكلية: الفرق بين 2022 و2025
يخطئ من ينسى درس التاريخ القريب؛ فبين أكتوبر 2022 وأكتوبر 2023، انخفض مؤشر الدولار (DXY) بنسبة حادة بلغت 12%. ومع ذلك، كان الجنيه المصري في حالة انهيار حينها. لماذا؟ لأن الاقتصاد لم يكن مهيأً، والسيولة كانت غائبة، والثقة في توحيد سعر الصرف لم تكن قد ترسخت بعد.
في 2025، اكتملت الصورة بفضل أربعة عوامل حاسمة:
- ثمار الإصلاح: النجاح في السيطرة على العجز المالي وتطبيق برنامج صندوق النقد.
- العوامل الخارجية: استفادة الميزان التجاري المصري من انخفاض أسعار النفط عالمياً.
- الضرائب والمنافسة: فرض ضرائب على اقتصادات آسيوية كبرى أدى لتحول بوصلة الاستثمارات.
- تآكل المنافسين: ارتفاع التضخم في تركيا جعل العائد على الجنيه المصري أكثر جاذبية (Real Yield).
الخلاصة إن ارتفاع الجنيه المصري ليس مجرد انعكاس لضعف الخصم (الدولار)، بل هو شهادة نجاح لبرنامج اقتصادي استطاع تحويل مصر من "منطقة خطر" إلى "مستقبل للاستثمارات الهاربة". المقولة الدقيقة يجب أن تكون: "ارتفع الجنيه لأن الدولار ضعف، ولأن مصر كانت مستعدة لاستقبال هذا الضعف وتحويله إلى قوة نقدية."
