عاجل: يو بي إس يرى الذهب منهارًا لهذا المستوى - سيناريوهات الهبوط
شهدت أسواق المعادن الثمينة خلال اليومين الماضيين واحدة من أعنف موجات الهبوط السعري في تاريخها الحديث، بعدما تراجعت أسعار الذهب من مستوى 5602 دولار للأونصة إلى حدود 4895 دولار، أي بخسارة تجاوزت 12 في المئة خلال 48 ساعة فقط. هذا التراجع الحاد، الذي تزامن مع هبوط مماثل في أسعار الفضة، أثار موجة واسعة من القلق والتكهنات حول مستقبل المعدن الأصفر، ودفع كثيرين للحديث عن انهيار غير مسبوق.
لكن القراءة المتأنية لما حدث تكشف أن ما جرى لا يرتبط بانهيار في القيمة الاقتصادية للذهب، بقدر ما يعكس اضطرابا فنيا حادا ناتجا عن تفاعلات معقدة داخل سوق المشتقات المالية، وعلى رأسها عقود الخيارات وضغط جاما.
أولا، ما الذي حدث فعلا في السوق؟
الهبوط لم يكن تدريجيا ولا مبنيا على تغير مفاجئ في العوامل الأساسية مثل التضخم أو السياسة النقدية، بل جاء على شكل موجة بيع سريعة وعنيفة. هذا النمط من الحركة غالبا ما يكون ناتجا عن عوامل ميكانيكية داخل السوق، وليس عن تغيير في النظرة الاستثمارية طويلة الأجل تجاه الذهب.
خلال الأسابيع السابقة، تمركزت كميات ضخمة من عقود الخيارات على مستويات سعرية قريبة من القمة التاريخية للذهب. ومع بداية التراجع وكسر مستويات فنية مهمة، دخل السوق في ما يعرف بدائرة البيع القسري، حيث اضطرت المؤسسات التي تقوم بدور صانع السوق إلى تنفيذ عمليات بيع متسارعة لتغطية مخاطرها الناتجة عن هذه العقود.
ثانيا، دور عقود الخيارات في تسريع الهبوط
عقود الخيارات لا تعكس فقط توقعات المستثمرين، بل تفرض سلوكا إجباريا على الأطراف المقابلة لها. عندما يتحرك السعر بسرعة عكس التمركزات القائمة، يجد صانعو السوق أنفسهم مضطرين إلى البيع في السوق الفوري أو العقود الآجلة للحفاظ على توازن محافظهم.
هذا النوع من البيع لا يكون بدافع القناعة بأن الذهب فقد قيمته، وإنما بدافع إدارة المخاطر. ومع زيادة حدة الحركة، يتحول البيع من منظم إلى اندفاعي، ما يخلق فجوة سعرية واسعة كما حدث بين 5602 و4895 دولار للأونصة.
ثالثا، ضغط جاما ولماذا كان حاسما
العامل الأخطر في هذه الموجة كان ما يعرف بضغط جاما. جاما تقيس مدى حساسية دلتا عقود الخيارات لتغير السعر، وكلما اقترب السعر من مستويات خيارات كبيرة مفتوحة، زادت سرعة التفاعل.
في الحالة الحالية، كسر الذهب مستويات محورية مليئة بعقود الخيارات، ما أجبر صناع السوق على زيادة البيع بشكل متسارع مع كل نقطة هبوط جديدة. النتيجة كانت تضخيما للحركة السلبية بشكل يفوق ما تبرره الأساسيات الاقتصادية.
بمعنى آخر، السوق لم يكن يقيّم الذهب من جديد، بل كان يعيد توازن أدوات مالية معقدة في وقت ضيق جدا.
ويبقى السؤال الأهم هو هل تغيرت أساسيات الذهب؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات قوية على تغير جوهري في العوامل الأساسية الداعمة للذهب.
التضخم العالمي ما زال أعلى من مستهدفات البنوك المركزية في عدة اقتصادات كبرى. عدم اليقين الجيوسياسي لم يتراجع. الدين السيادي العالمي مستمر في الارتفاع.
كل هذه العوامل تاريخيا تشكل بيئة داعمة للذهب على المدى المتوسط والطويل. ما حدث هو صدمة سيولة، وليس إعادة تسعير للقيمة الجوهرية.
خامسا، ما الفرق بين المستثمر والمضارب في هذه اللحظة؟
المضارب يرى في هذا الهبوط تهديدا مباشرا لمراكزه قصيرة الأجل، وقد يكون مجبرا على الخروج بخسارة.
أما المستثمر، فالأهم بالنسبة له هو سؤال واحد: هل تغير سبب امتلاكه للذهب؟
إذا كان الهدف هو التحوط من المخاطر النقدية أو الحفاظ على القوة الشرائية على المدى الطويل، فإن مثل هذه الهزات غالبا ما تكون جزءا طبيعيا من دورة السوق، بل وأحيانا تخلق فرصا لإعادة بناء المراكز بأسعار أقل.
الهبوط الحاد للذهب من 5602 إلى 4895 دولار للأونصة خلال يومين لا يمكن قراءته كفشل للذهب كأصل تحوطي، بل كنتاج مباشر لتشابك معقد بين عقود الخيارات وضغط جاما وسيولة السوق.
التاريخ يظهر أن مثل هذه الحركات العنيفة غالبا ما تكون انعكاسا لاضطراب فني مؤقت، وليس تغييرا دائما في الاتجاه.
الخطأ الأكبر في مثل هذه اللحظات ليس الهبوط نفسه، بل اتخاذ قرار استثماري طويل الأجل تحت ضغط الذعر قصير الأجل.
