انهيار الذهب والفضة بين الميكانيكا المالية والهلع السعري

تم النشر 01/02/2026, 12:39

شهدت أسواق المعادن الثمينة خلال اليومين الماضيين واحدة من أعنف موجات الهبوط السعري في تاريخها الحديث، بعدما تراجعت أسعار الذهب من مستوى 5602 دولار للأونصة إلى حدود 4895 دولار، أي بخسارة تجاوزت 12 في المئة خلال 48 ساعة فقط. هذا التراجع الحاد، الذي تزامن مع هبوط مماثل في أسعار الفضة، أثار موجة واسعة من القلق والتكهنات حول مستقبل المعدن الأصفر، ودفع كثيرين للحديث عن انهيار غير مسبوق.

لكن القراءة المتأنية لما حدث تكشف أن ما جرى لا يرتبط بانهيار في القيمة الاقتصادية للذهب، بقدر ما يعكس اضطرابا فنيا حادا ناتجا عن تفاعلات معقدة داخل سوق المشتقات المالية، وعلى رأسها عقود الخيارات وضغط جاما.

أولا، ما الذي حدث فعلا في السوق؟

الهبوط لم يكن تدريجيا ولا مبنيا على تغير مفاجئ في العوامل الأساسية مثل التضخم أو السياسة النقدية، بل جاء على شكل موجة بيع سريعة وعنيفة. هذا النمط من الحركة غالبا ما يكون ناتجا عن عوامل ميكانيكية داخل السوق، وليس عن تغيير في النظرة الاستثمارية طويلة الأجل تجاه الذهب.

خلال الأسابيع السابقة، تمركزت كميات ضخمة من عقود الخيارات على مستويات سعرية قريبة من القمة التاريخية للذهب. ومع بداية التراجع وكسر مستويات فنية مهمة، دخل السوق في ما يعرف بدائرة البيع القسري، حيث اضطرت المؤسسات التي تقوم بدور صانع السوق إلى تنفيذ عمليات بيع متسارعة لتغطية مخاطرها الناتجة عن هذه العقود.

ثانيا، دور عقود الخيارات في تسريع الهبوط

عقود الخيارات لا تعكس فقط توقعات المستثمرين، بل تفرض سلوكا إجباريا على الأطراف المقابلة لها. عندما يتحرك السعر بسرعة عكس التمركزات القائمة، يجد صانعو السوق أنفسهم مضطرين إلى البيع في السوق الفوري أو العقود الآجلة للحفاظ على توازن محافظهم.

هذا النوع من البيع لا يكون بدافع القناعة بأن الذهب فقد قيمته، وإنما بدافع إدارة المخاطر. ومع زيادة حدة الحركة، يتحول البيع من منظم إلى اندفاعي، ما يخلق فجوة سعرية واسعة كما حدث بين 5602 و4895 دولار للأونصة.

ثالثا، ضغط جاما ولماذا كان حاسما

العامل الأخطر في هذه الموجة كان ما يعرف بضغط جاما. جاما تقيس مدى حساسية دلتا عقود الخيارات لتغير السعر، وكلما اقترب السعر من مستويات خيارات كبيرة مفتوحة، زادت سرعة التفاعل.

في الحالة الحالية، كسر الذهب مستويات محورية مليئة بعقود الخيارات، ما أجبر صناع السوق على زيادة البيع بشكل متسارع مع كل نقطة هبوط جديدة. النتيجة كانت تضخيما للحركة السلبية بشكل يفوق ما تبرره الأساسيات الاقتصادية.

بمعنى آخر، السوق لم يكن يقيّم الذهب من جديد، بل كان يعيد توازن أدوات مالية معقدة في وقت ضيق جدا.

ويبقى السؤال الأهم هو هل تغيرت أساسيات الذهب؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات قوية على تغير جوهري في العوامل الأساسية الداعمة للذهب.

التضخم العالمي ما زال أعلى من مستهدفات البنوك المركزية في عدة اقتصادات كبرى. عدم اليقين الجيوسياسي لم يتراجع. الدين السيادي العالمي مستمر في الارتفاع.

كل هذه العوامل تاريخيا تشكل بيئة داعمة للذهب على المدى المتوسط والطويل. ما حدث هو صدمة سيولة، وليس إعادة تسعير للقيمة الجوهرية.

خامسا، ما الفرق بين المستثمر والمضارب في هذه اللحظة؟

المضارب يرى في هذا الهبوط تهديدا مباشرا لمراكزه قصيرة الأجل، وقد يكون مجبرا على الخروج بخسارة.

أما المستثمر، فالأهم بالنسبة له هو سؤال واحد: هل تغير سبب امتلاكه للذهب؟

إذا كان الهدف هو التحوط من المخاطر النقدية أو الحفاظ على القوة الشرائية على المدى الطويل، فإن مثل هذه الهزات غالبا ما تكون جزءا طبيعيا من دورة السوق، بل وأحيانا تخلق فرصا لإعادة بناء المراكز بأسعار أقل.

الهبوط الحاد للذهب من 5602 إلى 4895 دولار للأونصة خلال يومين لا يمكن قراءته كفشل للذهب كأصل تحوطي، بل كنتاج مباشر لتشابك معقد بين عقود الخيارات وضغط جاما وسيولة السوق.

التاريخ يظهر أن مثل هذه الحركات العنيفة غالبا ما تكون انعكاسا لاضطراب فني مؤقت، وليس تغييرا دائما في الاتجاه.

الخطأ الأكبر في مثل هذه اللحظات ليس الهبوط نفسه، بل اتخاذ قرار استثماري طويل الأجل تحت ضغط الذعر قصير الأجل.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.