عاجل: الانقسام يسيطر على محضر اجتماع الفيدرالي..والأسواق تتحرك بقوة
المشهد الحالي للجنيه المصري أمام الدولار يتشكل من تداخل عوامل أساسية ومالية وسلوكية في آنٍ واحد. فعلى مستوى السعر، يتحرك زوج USD/EGP قرب 47.11 جنيه للدولار، وهو مستوى يقع في الجزء الأدنى نسبيًا من نطاق الـ52 أسبوعًا بين 46.83 و51.72، ما يعني أن الجنيه استعاد جزءًا من قوته مقارنة بذروة ضعف سابقة، لكنه لم يدخل بعد في مسار قوة هيكلي طويل الأجل.
هذا التوازن الحساس يعكس صراعًا بين تدفقات دولارية داعمة، في مقدمتها تحويلات العاملين بالخارج، وبين طلب محلي مستمر على الدولار لأغراض الاستيراد والتحوط.
من الزاوية الأساسية، تُعد قفزة تحويلات المصريين بالخارج إلى نحو 37.5 مليار دولار خلال 11 شهرًا بزيادة 42.5% رقمًا استثنائيًا بكل المقاييس.
هذه الزيادة تعني متوسط تدفق شهري يقارب 3.4 مليار دولار، مع وصول نوفمبر وحده إلى 3.6 مليار دولار.
بهذه الوتيرة، تصبح التحويلات أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، متفوقة على كثير من المصادر التقليدية في بعض الفترات.
هذه التدفقات تعزز سيولة الدولار في الجهاز المصرفي، وتُخفف الضغط على سعر الصرف، وتمنح البنك المركزي مساحة لإدارة السوق دون استنزاف كبير للاحتياطيات.
لذلك، أي عامل قد يؤثر نفسيًا أو فعليًا على سلوك المغتربين في التحويل يصبح مؤثرًا في سوق الصرف.
هنا يأتي قرار إلغاء الإعفاء الاستثنائي من جمارك الهواتف المحمولة الواردة من الخارج.
القرار في ظاهره تنظيمي ومرتبط بضبط السوق ومكافحة التهريب وحماية الحصيلة الجمركية، لكنه في نظر شريحة من العاملين بالخارج يمس إحدى القنوات غير الرسمية التي كانوا يستخدمونها لتعظيم قيمة تحويلاتهم، سواء عبر إرسال أجهزة بدل النقد أو عبر نشاط تجاري جانبي بإعادة بيع الهواتف في السوق المحلي.
إذا أدى القرار إلى شعور بالاستياء أو تقليل الحوافز غير المباشرة للتحويل، فقد نرى تباطؤًا نسبيًا في نمو التحويلات، لا بالضرورة هبوطًا حادًا، لكن فقدان جزء من الزخم الاستثنائي المسجل في 2025.
ماليًا، ارتفاع التحويلات بهذا الشكل يدعم ميزان المدفوعات ويُحسّن نظرة المستثمرين للأصول المقومة بالجنيه، خاصة أدوات الدين المحلية ذات العائد المرتفع.
كل مليار دولار إضافي من التحويلات يُخفف فجوة التمويل الخارجي ويقلل الحاجة للاقتراض أو التشديد على الواردات.
لكن في المقابل، استمرار عجز تجاري كبير واحتياجات استيرادية للغذاء والطاقة والسلع الوسيطة يُبقي الطلب الهيكلي على الدولار قائمًا، ما يفسر لماذا يتحسن الجنيه ببطء وليس بشكل قفزات قوية.
فنيًا، الصورة أكثر تعقيدًا وتُظهر تناقضًا بين الأطر الزمنية.
في المدى القصير، المؤشرات تميل للإيجابية للدولار أمام الجنيه: RSI عند 58.9 في منطقة داعمة للزخم الصاعد دون تشبع شراء، وMACD في إشارة شراء، وADX قرب 39 يدل على قوة في الاتجاه الحالي.
كذلك، 9 من 12 متوسطًا متحركًا تعطي إشارة شراء، مع تمركز السعر فوق MA5 وMA10 وMA20 وMA50، ما يعني أن الزخم القصير والمتوسط يميل لصالح الدولار.
في المقابل، وجود السعر قرب أو دون بعض المتوسطات الأطول مثل MA200 حول 47.18 يشير إلى منطقة مقاومة هيكلية قد تحد من صعود سريع.
انخفاض ATR نسبيًا يعكس تراجع التقلبات، أي أن السوق في حالة هدوء نسبي وتجميع. هذا غالبًا يسبق حركة أكبر لاحقًا، لكن اتجاهها يعتمد على الأخبار والتدفقات.
قراءة STOCHRSI في منطقة فائض بيع توحي بإمكانية ارتداد صاعد قصير للدولار، وهو ما يتماشى مع ملاحظة أن الدولار بعد هبوطه أمام الجنيه عاد للصعود قليلًا.
النظرة المستقبلية الأقرب هي سيناريو تحرك عرضي مائل لصعود محدود للدولار بين منتصف 46 وأواخر 47، ما لم يظهر محفز قوي جديد.
استمرار نمو التحويلات قرب مستويات 3–3.5 مليار دولار شهريًا سيدعم استقرار الجنيه ويمنع تدهورًا كبيرًا.
أما إذا تباطأت التحويلات أو زاد الطلب الاستيرادي أو ظهرت ضغوط خارجية على الأسواق الناشئة، فقد نرى اختبارًا لمناطق 48–49 تدريجيًا.
على المدى المتوسط، الاتجاه الحقيقي للجنيه سيتحدد بثلاثة ملفات: استدامة تدفقات التحويلات، مسار التضخم والفائدة الحقيقية في مصر، وقدرة الاقتصاد على جذب استثمار أجنبي مباشر وليس فقط تدفقات مالية ساخنة. إذا نجحت السياسات في تحويل جزء من الدولارات الداخلة إلى استثمارات إنتاجية، يمكن للجنيه أن يتحرك في نطاق أكثر استقرارًا بل وربما أقوى. أما إذا بقي الاعتماد على التدفقات قصيرة الأجل، فسيظل السعر حساسًا لأي تغير في المعنويات.
باختصار، الجنيه مدعوم حاليًا بأرقام تحويلات قوية جدًا، لكن فنيًا الدولار لم يفقد زخمه بعد، لذلك الصورة الأقرب هي توازن هش: لا انهيار للجنيه ولا قوة كبيرة، بل إدارة دقيقة للسعر ضمن نطاقات محسوبة.
