عاجل: صدور بيانات التضخم في الولايات المتحدة.. والأسواق تتفاعل
تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية منذ اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، حيث تشير البيانات الاقتصادية إلى أن الحرب الدائرة حالياً تمثل أكبر تهديد للاقتصادات الإقليمية خلال العقود الخمسة الماضية، ليس فقط بسبب اتساع نطاقها الجغرافي، بل أيضاً بسبب حجم الاقتصادات المتأثرة وتأثيرها المباشر على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وتكمن خطورة الأزمة الحالية في أنها تضرب كتلة اقتصادية تقترب من 4 تريليونات دولار، تشمل عشر دول تأثرت بشكل مباشر بالحرب، من بينها دول الخليج وإيران والعراق ولبنان وإسرائيل. وتمثل هذه الاقتصادات نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وما يقارب 3% من الاقتصاد العالمي، وهو حجم لم تشهده أي أزمة إقليمية سابقة منذ سبعينيات القرن الماضي.
وعلى عكس الأزمات السابقة التي كانت آثارها محصورة في دولة أو دولتين رئيسيتين، امتدت تداعيات الحرب الحالية إلى معظم دول الخليج المنتجة للطاقة، ما أدى إلى اضطرابات في إنتاج وتصدير النفط والغاز، إضافة إلى التأثير على حركة الشحن البحري والتجارة والطيران والاستثمار. ويعد مضيق هرمز محور هذه الأزمة، إذ يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه عاملاً مؤثراً على الاقتصاد العالمي بأكمله.
وتظهر المقارنات التاريخية أن المنطقة واجهت صدمات كبيرة خلال العقود الماضية، أبرزها الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، وغزو الكويت عام 1990، والغزو الأميركي للعراق عام 2003، وثورات الربيع العربي عام 2011. إلا أن الأزمة الحالية تتفوق على جميع تلك الأحداث من حيث حجم الاقتصادات المتضررة واتساع نطاق التأثير.
ففي عام 1980 انكمش الاقتصاد الإيراني بنحو 21.6% نتيجة الثورة الإسلامية والحرب مع العراق، ما أدى إلى انكماش اقتصاد المنطقة بأكثر من 1%. أما خلال غزو الكويت، فقد انكمش الاقتصاد الكويتي بنسبة 26.2% عام 1990 ثم 41% في عام 1991. وفي عام 2003 تراجع الاقتصاد العراقي بأكثر من 36% بسبب الحرب، بينما سجل الاقتصاد الليبي انكماشاً قياسياً بلغ 50% خلال أحداث عام 2011.
ورغم أن ارتفاع أسعار النفط ساعد المنطقة سابقاً على تجاوز العديد من الصدمات وتحقيق معدلات نمو قوية بلغت نحو 7% خلال حرب الخليج الأولى والثانية، فإن الظروف الحالية تبدو أكثر تعقيداً، إذ تواجه المنطقة في الوقت نفسه مخاطر تعطل الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد وحركة الطيران والاستثمار الأجنبي.
وفي المقابل، تبرز السعودية باعتبارها واحدة من أكثر الاقتصادات قدرة على الصمود أمام الأزمات الإقليمية. فقد نجحت المملكة تاريخياً في الحفاظ على نمو اقتصادي إيجابي خلال مختلف الصراعات، مستفيدة من استمرارية إنتاج النفط وقوة الطلب المحلي وتسارع برامج التنويع الاقتصادي. وتشير التقديرات الحالية إلى نمو الاقتصاد السعودي بنحو 3.1% خلال عام 2026 رغم التحديات الإقليمية.
ويبقى مستقبل اقتصاد المنطقة مرتبطاً بسرعة انتهاء الحرب وإعادة الاستقرار الأمني وعودة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز. فكلما طال أمد الصراع ارتفعت المخاطر على النمو والاستثمار والتوظيف، بينما يمكن أن يؤدي وقف التصعيد واستعادة تدفقات الطاقة إلى تعافٍ اقتصادي سريع نسبياً. ومع ذلك، تؤكد المؤشرات الحالية أن حرب إيران تمثل بالفعل أخطر اختبار اقتصادي يواجه الشرق الأوسط منذ نصف قرن، وقد تعيد رسم ملامح الاقتصاد الإقليمي لسنوات طويلة قادمة.
