لماذا قد تعود التوترات حول هرمز والتجارة في 2027
منذ عامين، اعتمد مجلس الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم عبر تقليص السيولة وتشديد الأوضاع المالية. لكن مع تباطؤ الاقتصاد وارتفاع تكلفة خدمة الدين الأمريكي، بدأ سؤال جديد يفرض نفسه: هل يمكن امتصاص السيولة من الأسواق بوسائل أقل تكلفة من رفع أسعار الفائدة؟
خلال الأشهر الأخيرة، شهدت الأسواق موجة اهتمام غير مسبوقة بالاكتتابات والطروحات الخاصة للشركات العملاقة، وفي مقدمتها سبيس إكس وOpenAI، إلى جانب شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الأخرى التي تستقطب مليارات الدولارات من المستثمرين العالميين. ورغم أن بعض هذه الشركات لا يزال في الأسواق الخاصة، فإن حجم الطلب عليها يكشف عن شهية استثمارية هائلة قادرة على إعادة توجيه رؤوس الأموال بعيدًا عن الأصول التقليدية.
انتقال السيولة
عندما تظهر فرص استثمارية ذات معدلات نمو مرتفعة، يبدأ المستثمرون في بيع جزء من محافظهم في الذهب والفضة وصناديق النقد، وحتى بعض السندات، لإعادة توجيه الأموال نحو الأسهم والاكتتابات الجديدة. وبذلك لا تختفي السيولة، لكنها تنتقل من الأصول الدفاعية إلى أسواق رأس المال، وهو ما يخفف الضغوط التضخمية الناتجة عن فائض النقد المتداول.
ويمنح هذا السيناريو الاقتصاد الأمريكي ميزة مهمة، إذ يُمتص جزء من السيولة دون الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة بصورة إضافية، ما يقلل الضغوط على الحكومة الأمريكية التي تواجه مستويات قياسية من الدين العام.
لماذا الدولار؟
عندما تتدفق رؤوس الأموال العالمية للمشاركة في الطروحات الأمريكية، يرتفع الطلب على الدولار لتمويل تلك الاستثمارات، ما يمنح العملة الأمريكية دعمًا مؤقتًا حتى دون رفع أسعار الفائدة. كما أن قوة الدولار تضغط عادة على أسعار السلع المقومة به، وفي مقدمتها النفط والمعادن.
النفط... الحلقة التالية
إذا تزامن انتقال السيولة مع انحسار المخاطر الجيوسياسية واستمرار زيادة الإنتاج العالمي، فقد يتعرض النفط لضغوط هبوطية خلال الأسابيع التالية. وينعكس انخفاض أسعار الطاقة سريعًا على تكاليف النقل والإنتاج، ليصبح أحد أهم العوامل المساعدة على تراجع التضخم.
وفي هذا السيناريو، قد يهبط معدل التضخم الأمريكي من مستوياته الحالية إلى حدود 3.8% خلال نحو شهرين، إذا اجتمعت عدة عوامل في وقت واحد، أبرزها:
-
انخفاض أسعار النفط.
-
قوة الدولار.
-
تراجع أسعار الشحن.
-
استمرار تباطؤ الطلب الاستهلاكي.
-
انتقال جزء من السيولة إلى أسواق الأسهم والاكتتابات.
هل هي سياسة مقصودة؟
لا توجد أدلة رسمية على أن الحكومة الأمريكية تنظم الاكتتابات باعتبارها أداة من أدوات السياسة النقدية، لكن من اللافت أن ازدهار أسواق رأس المال يوفر وسيلة طبيعية لاستيعاب السيولة. فكلما زادت الطروحات الكبرى، ارتفعت قدرة السوق على جذب الأموال التي كانت تبحث عن ملاذات استثمارية أخرى.
ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار أسواق المال شريكًا غير مباشر للسياسة النقدية، إذ تساعد على إعادة توزيع السيولة داخل الاقتصاد بدلًا من تركها تغذي الطلب الاستهلاكي أو المضاربات في السلع.
الخلاصة
قد لا تكون الاكتتابات العملاقة بديلًا رسميًا عن رفع أسعار الفائدة، لكنها قد تؤدي دورًا مكملًا في امتصاص السيولة، ودعم الدولار، وتهدئة أسعار السلع. وإذا ترافق ذلك مع تراجع أسعار النفط، فقد يصبح الوصول إلى معدل تضخم يقارب 3.8% خلال الأسابيع المقبلة سيناريو ممكنًا، وإن ظل مرهونًا بتطورات أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس: كم مرة سيرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة؟ بل: هل أصبحت وول ستريت نفسها إحدى أدوات امتصاص السيولة في الاقتصاد الأمريكي؟
