عاجل: أسعار الذهب العالمية تتراجع بحوالي 4% وتهبط دون 4,000 دولار
أصبحت النظرة المستقبلية للذهب أكثر تعقيدا في ظل التغيرات المتسارعة في المشهدين الجيوسياسي والاقتصادي. فبينما ساهم تراجع التوترات الجيوسياسية في تقليص الطلب على الملاذات الآمنة، ما شكّل ضغطا على أسعار الذهب على المدى القصير، لا تزال هناك عوامل هيكلية طويلة الأجل تدعم المعدن النفيس. ونتيجة لذلك، يبدو الذهب وكأنه عالق بين قوتين متعارضتين تحدّان من احتمالات هبوطه وصعوده في الوقت نفسه.
يتمثل العامل الأول الضاغط على الذهب في انحسار المخاطر الجيوسياسية. فعلى مر التاريخ، استفاد الذهب من فترات عدم اليقين والصراعات والأزمات المالية. ومع تراجع هذه المخاطر، يميل المستثمرون إلى التحول نحو الأصول ذات المخاطر الأعلى، ما يقلل الطلب على الذهب كملاذ آمن.
كما أدى تراجع التوترات إلى انخفاض علاوة المخاطر التي كانت مدمجة في أسعار النفط. ورغم تراجع أسعار النفط من مستوياتها المرتفعة الأخيرة، فمن غير المرجح أن تشهد هبوطا حادا، إذ لا تزال أساسيات العرض والطلب العالمية متماسكة نسبيًا. لذلك قد تستقر أسعار النفط في نطاق يتراوح بين 72 و74 دولارا للبرميل.
ورغم أن هذه المستويات أقل من تلك التي سجلها النفط خلال فترات التوتر الجيوسياسي، فإنها لا تزال مرتفعة بما يكفي للتأثير على تكاليف النقل والتصنيع والسلع الاستهلاكية. وإذا استمرت هذه الضغوط، فقد يصبح التضخم أكثر صمودا مما تتوقعه البنوك المركزية حاليا.
وهنا يعود التركيز إلى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي يعمل وفق هدفين رئيسيين: استقرار الأسعار وتحقيق أقصى قدر من التوظيف. وتشير بيانات سوق العمل الأخيرة إلى استمرار متانة الاقتصاد الأمريكي، ما يقلل المخاوف المتعلقة بالتوظيف ويمنح صناع القرار مساحة أكبر للتركيز على مكافحة التضخم.
وفي حال استمر التضخم عند مستويات مرتفعة، فقد تبدأ الأسواق في تسعير احتمالات تبني سياسة نقدية أكثر تشددًا. ومن المعروف أن ارتفاع أسعار الفائدة يزيد من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالأصول التي لا تدر عائدا مثل الذهب، كما يدعم قوة الدولار الأمريكي، وهما عاملان سلبيان تقليديا بالنسبة للمعادن الثمينة.
إضافة إلى ذلك، يعتقد بعض المستثمرين أن الاحتياطي الفيدرالي قد يتبنى نهجا أكثر انضباطا وأقل ميلا إلى توجيه الأسواق مسبقا مقارنة بما اعتادت عليه الأسواق في السنوات الأخيرة. فبدلًا من الاعتماد المكثف على التوجيه المستقبلي، قد يترك البنك المركزي للبيانات الاقتصادية وقرارات السياسة النقدية مهمة توجيه توقعات المستثمرين. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فقد نشهد حالة من عدم اليقين بشأن مسار أسعار الفائدة، وربما إجراءات أكثر تشددًا إذا استمرت الضغوط التضخمية.
وفي هذه الحالة، قد يتعرض الذهب لمزيد من الضغوط على المدى القصير.
لكن هذه ليست سوى جهة واحدة من الصورة.
فأحد التحديات الرئيسية للنظرة السلبية تجاه الذهب يتمثل في احتمال أن ترى الأسواق أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يؤدي فقط إلى زيادة التضخم، بل يساهم أيضًا في إبطاء النمو الاقتصادي. وإذا بدأت التكاليف المرتفعة بالتأثير سلبًا على النشاط الاقتصادي، فقد يعود المستثمرون إلى الذهب باعتباره وسيلة للتحوط وملاذًا آمنًا في أوقات التباطؤ وعدم اليقين.
وعلاوة على ذلك، هناك مجموعة من العوامل الهيكلية التي تواصل دعم الذهب على المدى الطويل.
فالبنوك المركزية حول العالم تواصل زيادة احتياطياتها من الذهب ضمن استراتيجيات تنويع الأصول. كما أن المخاوف المتعلقة باستخدام العملات الاحتياطية كأداة ضغط جيوسياسي والعقوبات المالية دفعت العديد من الدول إلى تقليل اعتمادها على الأصول الاحتياطية التقليدية وزيادة حيازاتها من الذهب.
في الوقت نفسه، تستمر مستويات الدين السيادي في الارتفاع لدى العديد من الاقتصادات المتقدمة. وتفرض هذه الديون المتزايدة ضغوطًا متنامية على المالية العامة وأسواق السندات، خصوصًا إذا طالب المستثمرون بعوائد أعلى لتعويض المخاطر المالية. وقد يؤدي ذلك تدريجيًا إلى تراجع الثقة بالسندات الحكومية والعملات الورقية كوسائل لحفظ القيمة.
كما أن حالة عدم الاستقرار السياسي والمالي في أوروبا تعزز من جاذبية المعادن الثمينة. فالمخاوف المتعلقة بالأوضاع المالية في فرنسا، والتحديات الاقتصادية في المملكة المتحدة، إضافة إلى التوترات السياسية المتفرقة في القارة الأوروبية، كلها عوامل تساهم في تعزيز الطلب على الأصول البديلة.
أما اليابان، فتواجه مزيجًا فريدًا من التحديات يتمثل في ارتفاع الدين العام إلى مستويات قياسية، وعودة الضغوط التضخمية، وتزايد المخاوف بشأن استقرار سوق السندات. وتدعم هذه العوامل فكرة البحث عن مخازن للقيمة لا تعتمد بشكل مباشر على التزامات الحكومات.
ومن المهم أيضًا التوقف عند الفضة.
فالفضة لا تُعد فقط معدنًا ثمينًا، بل تمثل أيضا مادة أساسية في العديد من الصناعات الحديثة. ويتزايد الطلب عليها بفضل استخدامها في الطاقة الشمسية، وأشباه الموصلات، وشرائح الذاكرة، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والإلكترونيات المتقدمة، وتقنيات التحول نحو الطاقة النظيفة.
ومع استمرار نمو الطلب الصناعي، قد تواصل أسعار الفضة ارتفاعها. ويمكن أن تنتقل هذه الزيادات إلى تكاليف الإنتاج في العديد من القطاعات، ما يساهم في خلق ضغوط تضخمية إضافية على الاقتصاد العالمي. وفي مثل هذا السيناريو، قد تجد البنوك المركزية نفسها مضطرة للإبقاء على السياسات النقدية المتشددة لفترة أطول.
وهنا تظهر مفارقة مهمة؛ فالعوامل نفسها التي تدعم الطلب على المعادن الثمينة قد تساهم أيضًا في ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة، ما يحد من قدرة الذهب على تحقيق مكاسب كبيرة على المدى القصير.
لذلك يبدو الذهب اليوم وكأنه يتحرك بين أرضية دعم قوية وسقف مقاومة قوي.
فعلى جانب الدعم، نجد مشتريات البنوك المركزية، وارتفاع مستويات الدين العالمي، والمخاوف بشأن العملات الورقية، والتوترات الجيوسياسية، وعدم الاستقرار المالي. أما على الجانب الآخر، فإن التضخم المستمر واحتمالات ارتفاع أسعار الفائدة يشكلان عامل ضغط يحد من صعود الأسعار.
وفي نهاية المطاف، قد يكون المستثمرون مقبلين على مرحلة يصبح فيها الحفاظ على القوة الشرائية أكثر أهمية من أي وقت مضى. وفي مثل هذه البيئة، قد يلعب الذهب المادي (physical) دورا متزايد الأهمية في الحفاظ على الثروة وتنويع المحافظ الاستثمارية، خصوصًا في عالم يتسم بارتفاع مستويات الدين، وعدم اليقين النقدي، وتكرار المخاطر الجيوسياسية والمالية.
ورغم أن تقلبات الأسعار على المدى القصير تبقى أمرًا طبيعيًا، فإن المبررات طويلة الأجل للاحتفاظ بالأصول الملموسة لا تزال قوية. ولذلك، قد لا يكون مستقبل الذهب صعوديًا أو هبوطيًا بشكل مطلق، بل قد يتحدد من خلال الصراع المستمر بين عوامل الدعم الهيكلية والضغوط الناتجة عن السياسة النقدية.


