بنك باركليز يتوقع تثبيتاً "مطولاً" لأسعار الفائدة من الفيدرالي
ثمة لحظات في عالم الاقتصاد تكون فيها بيانات واحدة كفيلة بتغيير مجرى النقاش بالكامل.
وأعتقد أن تقرير الوظائف الأمريكي الأخير قد يكون واحداً من تلك اللحظات.
طوال معظم العام الماضي، تحرّك المستثمرون وفق افتراض بسيط نسبياً: إذا تباطأ الاقتصاد الأمريكي بما يكفي، فسيستجيب الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة.
غير أن تقرير التوظيف لشهر يونيو يوحي بأن هذا الافتراض لم يعد صامداً.
أضاف الاقتصاد الأمريكي 57,000 وظيفة فحسب في يونيو، متخلفاً بفارق كبير عن التوقعات. كما جرى تعديل أرقام الأشهر السابقة نحو الانخفاض بشكل حاد. وتراجع متوسط النمو الشهري في الوظائف خلال العام الماضي إلى 36,000 وظيفة فحسب.
في الظروف الاعتيادية، كان من شأن هذا التقرير أن تفسّره الأسواق فوراً باعتباره إشارة واضحة على اقتراب التيسير النقدي.
ثمة مشكلة واحدة فحسب.
لا يزال التضخم يتجاوز 4%.
قبل أيام قليلة من صدور تقرير الوظائف، ارتفع مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي إلى 4.1%، أي أكثر من ضعف المستهدف الذي يسعى إليه البنك المركزي.
هذا، في رأيي، هو السيناريو الكابوسي الذي كان الاحتياطي الفيدرالي يأمل بشدة في تجنّبه.
الاقتصاد يتباطأ.
لكن التضخم لا يزال مرتفعاً بعناد.
وهذا يضع صانعي السياسات في مأزق بين مشكلتين دون حل واضح في الأفق.
في مطلع هذا العام، كان المستثمرون يتجادلون حول عدد المرات التي سيخفض فيها الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة خلال عام 2026. توقّع بعضهم ثلاثة أو أربعة تخفيضات، فيما رجّح آخرون دورة تيسير عدوانية مع تراجع النمو.
أما اليوم، فيطرح المستثمرون سؤالاً مختلفاً تماماً.
هل بإمكان الاحتياطي الفيدرالي خفض الفائدة أصلاً إذا ظل التضخم عند هذا المستوى المرتفع؟
هذا، في نظري، هو المفاجأة الحقيقية لعام 2026.
على مدى العامين الماضيين، استمر المستثمرون في التقليل من تعقيد هذه الدورة الاقتصادية. مرة بعد مرة، تنبأت الأسواق بالركود. ومرة بعد مرة، توقعت انخفاضاً سريعاً في التضخم وعودة وشيكة إلى أسعار فائدة منخفضة.
ومرة بعد مرة، اضطرت إلى إعادة النظر في تلك الافتراضات.
ما نشهده اليوم ليس بيئة اقتصادية اعتيادية.
سوق العمل يفقد زخمه بوضوح. تباطأ التوظيف بشكل حاد في يونيو. وجرى تعديل مكاسب التوظيف السابقة نحو الانخفاض. وتُظهر قطاعات عديدة من الاقتصاد نمواً ضئيلاً أو معدوماً.
ومع ذلك، يظل التضخم مصدر إزعاج بالغ لصانعي السياسات.
وهذا يخلق مشكلة لا للاحتياطي الفيدرالي وحده، بل للمستثمرين والشركات والمستشارين الماليين في شتى أنحاء العالم.
كثير من استراتيجيات الاستثمار وخطط الأعمال وتقييمات الأصول بُنيت على افتراض أن أسعار الفائدة المنخفضة ستعود بسرعة نسبية.
وهذا الافتراض يستحق الآن إعادة تقييم جدية.
لا يعني هذا أن الاحتياطي الفيدرالي سيرفع أسعار الفائدة من هنا. أعتقد أن النتيجة الأرجح تبقى فترة مطوّلة من السياسة النقدية التقييدية، في حين يحاول صانعو السياسات تحديد ما إذا كان التضخم أو الضعف الاقتصادي سيمثّل التهديد الأكبر في نهاية المطاف.
لكنني أعتقد أن على المستثمرين إدراك أن العلاقة التقليدية بين الضعف الاقتصادي والتيسير النقدي باتت أقل وضوحاً بكثير مما كانت عليه.
يدرك الاحتياطي الفيدرالي أن المصداقية هي أثمن أصوله.
يعلم المسؤولون أن الإعلان المبكر عن انتصار التضخم ينطوي على خطر خلق مشكلة أكبر لاحقاً. كما يعلمون أن تجاهل مؤشرات الضعف الاقتصادي يحمل مخاطره بدوره.
لهذا السبب أعتقد أن الاحتياطي الفيدرالي يواجه اليوم واحدة من أصعب معادلات التوازن التي مرّت عليه منذ سنوات.
القصة اللافتة لعام 2026 ليست مجرد أن الاقتصاد الأمريكي يتباطأ.
بل إن الاقتصاد الأمريكي قد يتباطأ، ومع ذلك يظل المستثمرون في حالة من الغموض إزاء توقيت وحجم تخفيضات أسعار الفائدة المستقبلية.
وهذا الغموض له ثقله.
إذ يؤثر في قرارات الاستثمار التجاري، واستراتيجيات تخصيص رأس المال، وتقييمات الأسهم، وتكاليف اقتراض الحكومات، وثقة المستثمرين.
والحقيقة أن السيناريو الكابوسي للاحتياطي الفيدرالي ربما يكون قد وصل فعلاً.
اقتصاد يفقد زخمه.
وتضخم لا يزال مرتفعاً بعناد.
ولا مخرج سهلاً في الأفق.
