ترامب يكشف تفاصيل اتفاق مقترح مع إيران لتجنب هجوم عسكري
يواصل زوج الدولار الأمريكي/الين الياباني جذب اهتمام الأسواق العالمية في ظل تداخل العوامل الاقتصادية والنقدية التي تدفع العملتين في اتجاهين متعاكسين. فبينما يواصل الاقتصاد الأمريكي الاستفادة من ارتفاع العوائد واستمرار متانة النشاط الاقتصادي، تحاول اليابان استعادة بعض الزخم الداخلي وسط ضغوط تضخمية وتحديات مالية متزايدة. وجاءت أحدث البيانات اليابانية لتضيف عنصرًا جديدًا إلى هذا المشهد، بعدما أظهرت مفاجأة إيجابية في إنفاق الأسر خلال شهر مايو، إلا أن السؤال الأهم من وجهة نظري هو ما إذا كانت هذه البيانات كافية لتغيير الاتجاه الصاعد للدولار مقابل الين، أم أنها مجرد تحسن مؤقت لن ينجح في كسر هيمنة الفجوة الواسعة في السياسات النقدية بين البلدين.
فقد أظهرت البيانات الاقتصادية الصادرة اليوم أن الإنفاق الأسري السنوي في اليابان تراجع بنسبة 0.4% فقط مقارنة بتوقعات بانخفاض 2.3%، بينما ارتفع الإنفاق الشهري بنسبة 3.7% مقابل توقعات بلغت 1.4%، وهو ما يعكس تحسنًا واضحًا في الطلب المحلي مقارنة بما كانت تتوقعه الأسواق. وبرأيي، فإن هذه الأرقام تحمل رسالة إيجابية بشأن قدرة المستهلك الياباني على الصمود رغم ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية خلال الفترات الماضية، كما أنها تعكس أن السياسات الحكومية الداعمة بدأت تؤتي بعض ثمارها، وهو ما قد يمنح بنك اليابان قدرًا أكبر من الثقة في استمرار مسار التطبيع التدريجي للسياسة النقدية. ومع ذلك، فإن هذا التحسن وحده لا يبدو كافيًا لإحداث تحول جذري في مسار الين طالما بقيت العوامل الخارجية أكثر تأثيرًا.
وفي المقابل، جاءت مراجعة غولدمان ساكس لتوقعاته لزوج الدولار/الين لتؤكد أن المؤسسات المالية العالمية لا تزال ترى أن الاتجاه العام يصب في مصلحة الدولار. فقد رفع البنك أهدافه إلى 162 خلال ثلاثة أشهر، و163 خلال ستة أشهر، و165 خلال عام، مستندًا إلى استمرار ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وانخفاض احتمالات دخول الاقتصاد الأمريكي في ركود، إلى جانب توقعاته بأن بنك اليابان سيواصل رفع أسعار الفائدة بوتيرة بطيئة للغاية. ومن وجهة نظري، فإن هذه الرؤية تبدو منطقية في ظل استمرار الفارق الكبير بين العوائد الأمريكية واليابانية، وهو العامل الذي لا يزال يمثل المحرك الرئيسي لتدفقات رؤوس الأموال نحو الدولار على حساب الين.
ورغم أن الأسواق تتحدث مجددًا عن احتمالات تدخل السلطات اليابانية لدعم العملة، خاصة بعد اقتراب الدولار/الين من أعلى مستوياته منذ عقود، فإنني أعتقد أن أي تدخل محتمل سيظل محدود التأثير ما لم يتزامن مع تغير حقيقي في الأساسيات الاقتصادية. وتجربة التدخلات السابقة أثبتت أن تأثيرها كان مؤقتًا، حيث عاد الزوج سريعًا إلى الاتجاه الصاعد بمجرد انتهاء الضغوط المباشرة على السوق. لذلك، فإن التدخل اللفظي أو حتى المباشر قد يبطئ وتيرة الصعود، لكنه لن يكون قادرًا على عكس الاتجاه طالما بقي الاحتياطي الفيدرالي متمسكًا بسياسة نقدية أكثر تشددًا مقارنة ببنك اليابان.
ومن زاوية أخرى، أرى أن مستقبل الدولار/الين سيظل مرتبطًا أيضًا بتطورات الاقتصاد الأمريكي خلال الأسابيع المقبلة. فإذا استمرت بيانات التضخم وسوق العمل في إظهار مرونة الاقتصاد الأمريكي، فمن المرجح أن تبقى عوائد السندات مرتفعة، وهو ما سيدعم استمرار تدفقات المستثمرين نحو الدولار. أما إذا بدأت مؤشرات التباطؤ الاقتصادي في الظهور بشكل أوضح، فقد نشهد إعادة تسعير لتوقعات أسعار الفائدة الأمريكية، الأمر الذي قد يمنح الين فرصة لالتقاط الأنفاس وتصحيح جزء من خسائره، حتى وإن ظل الاتجاه العام يميل لصالح الدولار على المدى المتوسط.
وفي تقديري، فإن التحسن الأخير في بيانات الإنفاق الياباني يمثل إشارة إيجابية تستحق المتابعة، لكنه لا يرقى حتى الآن إلى مستوى التحول الاقتصادي القادر على تغيير اتجاه سوق العملات. فاستدامة قوة الين تتطلب رؤية نمو أكثر اتساعًا، وارتفاعًا مستدامًا في الأجور، واستمرار التضخم بالقرب من مستهدف بنك اليابان، بما يسمح بتسريع وتيرة تشديد السياسة النقدية. وحتى يتحقق ذلك، ستظل العملة اليابانية تواجه ضغوطًا ناجمة عن اتساع فجوة العوائد مع الولايات المتحدة، وهو ما يحد من تأثير أي بيانات إيجابية منفردة.
لذلك، أميل إلى الاعتقاد بأن الاتجاه الصاعد لزوج الدولار الأمريكي/الين لا يزال هو السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال الفترة الحالية، مع إمكانية تسجيل فترات من التراجع التصحيحي نتيجة تدخلات رسمية أو عمليات جني أرباح، لكنها على الأرجح لن تغير الصورة العامة للسوق. ومن وجهة نظري، فإن أي هبوط للزوج سيظل فرصة لإعادة تقييم مراكز الشراء ما لم نشهد تحولًا واضحًا في سياسة الاحتياطي الفيدرالي أو انتقال بنك اليابان إلى دورة أكثر جرأة في رفع أسعار الفائدة. وحتى ذلك الحين، ستبقى قوة الدولار مدعومة بالعوائد المرتفعة، بينما سيواصل الين البحث عن محفزات اقتصادية حقيقية تمكنه من استعادة جزء من خسائره أمام العملة الأمريكية.










