عاجل: صدور بيانات اقتصادية أمريكية هامة.. وحركة بالأسواق
يشهد الاقتصاد العالمي اليوم مرحلة انتقالية تُعد من أكثر المراحل تعقيداً في الدورة الاقتصادية، إذ تشير غالبية المؤشرات إلى أن العالم غادر مرحلة التوسع القوي التي أعقبت جائحة كورونا، لكنه لم يدخل بعد في ركود اقتصادي شامل. وبدلاً من ذلك، يقف الاقتصاد العالمي في المنطقة الفاصلة بين الذروة وبداية الانكماش، وهي المرحلة التي تتباطأ فيها معدلات النمو، بينما تستمر الضغوط التضخمية وتبقى أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبياً.
وتُظهر بيانات المؤسسات الاقتصادية الدولية أن النمو العالمي يتجه إلى الاستقرار عند مستويات تتراوح بين 2.8% و3.2% خلال عام 2026، وهو أقل من متوسط النمو التاريخي الذي كان يدور حول 3.7% قبل الجائحة. ويعكس هذا التباطؤ فقدان الاقتصاد العالمي جزءاً كبيراً من زخمه، لكنه لا يصل حتى الآن إلى مرحلة الانكماش الحاد أو الركود.
في المقابل، تراجع التضخم بشكل واضح مقارنة بذروته في عامي 2022 و2023، إلا أنه لم يعد بعد إلى المستويات المستهدفة من قبل البنوك المركزية، الأمر الذي يدفعها إلى الإبقاء على سياسة نقدية متشددة وعدم التسرع في خفض أسعار الفائدة. وقد أدى استمرار الفائدة المرتفعة إلى زيادة تكلفة الاقتراض، وتباطؤ الاستثمار، وضعف الطلب على التمويل، وهو ما بدأ ينعكس تدريجياً على النشاط الاقتصادي في معظم الاقتصادات الكبرى.
ورغم هذه الضغوط، لا تزال أسواق العمل، وخاصة في الولايات المتحدة، تتمتع بقدر من القوة، حيث حافظت معدلات البطالة على مستويات منخفضة نسبياً، الأمر الذي دعم الإنفاق الاستهلاكي ومنع الاقتصاد من الانزلاق إلى ركود فعلي. إلا أن سوق العمل يُعد مؤشراً متأخراً، ما يعني أن أي تدهور اقتصادي قد يظهر لاحقاً إذا استمرت الضغوط الحالية.
كما بدأت أرباح الشركات في التباطؤ نتيجة ارتفاع تكاليف التمويل والطاقة والأجور، في حين حافظت شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على أداء قوي ساهم في استمرار مؤشرات الأسهم قرب مستوياتها القياسية. وهذه المفارقة بين قوة الأسواق المالية وتباطؤ الاقتصاد الحقيقي تُعد إحدى السمات البارزة للمرحلة الحالية من الدورة الاقتصادية.
وتزداد الصورة تعقيداً بفعل التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة، إذ إن أي ارتفاع جديد في أسعار النفط أو تعطل في سلاسل الإمداد قد يعيد الضغوط التضخمية ويؤخر دورة خفض أسعار الفائدة، ما يزيد احتمالات تحول التباطؤ الحالي إلى ركود اقتصادي.
وبناءً على مجمل المؤشرات، فإن الاقتصاد العالمي لا يعيش مرحلة توسع كما كان الحال بعد الجائحة، ولا يمر أيضاً بركود شامل، بل يقف في مرحلة الذروة المتأخرة وبداية الانكماش. وستحدد الأشهر المقبلة مسار الدورة الاقتصادية؛ فإذا واصل التضخم تراجعه وبدأت البنوك المركزية في خفض الفائدة تدريجياً مع الحفاظ على قوة سوق العمل، فقد ينجح العالم في تحقيق ما يُعرف بـ"الهبوط الناعم". أما إذا تجددت الضغوط التضخمية أو تصاعدت المخاطر الجيوسياسية، فقد تتجه الدورة الاقتصادية نحو ركود أكثر وضوحاً، لتبدأ مرحلة جديدة من إعادة التوازن للاقتصاد العالمي والأسواق المالية.

