مسؤولو الفيدرالي يرفعون نبرة التحذير..التضخم يشعل الجدل ويعزز احتمالات رفع الفائدة
تدخل أسعار الفضة مرحلة مفصلية مع تزايد الضغوط الناتجة عن التصعيد العسكري الأمريكي ضد إيران، وهو تطور أعاد المخاطر الجيوسياسية إلى واجهة الأسواق العالمية ودفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم في الأصول المختلفة. وبينما حافظت الفضة على تداولاتها قرب مستوى 60 دولارًا للأونصة بعد موجة بيع قوية، أرى أن الأسواق لا تتعامل فقط مع الأحداث السياسية، وإنما مع مزيج معقد من العوامل يشمل أسعار النفط، وتوقعات التضخم، وسياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وهو ما يجعل المرحلة الحالية واحدة من أكثر الفترات حساسية بالنسبة للمعدن الأبيض.
وبرأيي، فإن التراجع الأخير في أسعار الفضة لا يعكس تغيرًا جوهريًا في الاتجاه الصاعد الذي سيطر على السوق خلال الأشهر الماضية، بل يمثل عملية جني أرباح وتصحيح فني جاءت بعد وصول الأسعار إلى منطقة مقاومة تاريخية قرب 60 دولارًا للأونصة. فمن المعتاد أن تواجه الأسواق عمليات بيع مكثفة عند المستويات القياسية، خصوصًا عندما تتزامن مع ارتفاع حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي، وهو ما شهدناه بوضوح عقب الضربات الأمريكية الأخيرة وإلغاء بعض الإعفاءات المتعلقة بصادرات النفط الإيرانية.
واللافت في المشهد الحالي أن ارتفاع أسعار النفط قد يتحول إلى سلاح ذي حدين بالنسبة للفضة. فمن ناحية، يؤدي صعود النفط إلى زيادة الضغوط التضخمية عالميًا، وهو ما يدعم الطلب على المعادن الثمينة باعتبارها أدوات للتحوط من تآكل القوة الشرائية. ومن ناحية أخرى، فإن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو عامل يحد عادة من مكاسب المعادن التي لا توفر عائدًا دوريًا. لذلك أعتقد أن المستثمرين يبالغون أحيانًا في ربط الفضة بالأحداث الجيوسياسية وحدها، بينما يبقى مسار السياسة النقدية الأمريكية هو العامل الأكثر تأثيرًا على الاتجاه المتوسط للسوق.
ومن وجهة نظري، فإن مستوى 60 دولارًا لا يمثل مجرد مقاومة فنية، بل يعكس أيضًا حاجزًا نفسيًا يحتاج السوق إلى محفزات قوية لتجاوزه. وحتى في حال استمرار التوترات في الشرق الأوسط، فإن اختراق هذا المستوى يتطلب في رأيي تراجعًا واضحًا في توقعات الفائدة الأمريكية أو ظهور بيانات اقتصادية تؤكد تباطؤ الاقتصاد الأمريكي بصورة أكبر مما هو متوقع. وفي غياب هذه العوامل، فإن احتمالات استمرار التصحيح تبقى قائمة.
ولا أستبعد أن تمتد موجة التراجع نحو مستوى 55 دولارًا للأونصة، بل إن اختبار منطقة 50 دولارًا يظل سيناريو واردًا إذا جاءت بيانات التضخم أو سوق العمل الأمريكية أقوى من التوقعات، أو إذا تبنى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي لهجة أكثر تشددًا خلال اجتماعاتهم المقبلة. ومع ذلك، فإنني لا أنظر إلى هذا السيناريو باعتباره بداية سوق هابطة، وإنما أراه فرصة لإعادة بناء المراكز الاستثمارية عند مستويات سعرية أكثر جاذبية، خاصة للمستثمرين أصحاب الرؤية طويلة الأجل.
وفي المقابل، لا تزال العوامل الأساسية الداعمة للفضة قوية. فالطلب الصناعي المرتبط بقطاعات الطاقة النظيفة، والخلايا الشمسية، والإلكترونيات، يواصل النمو بوتيرة مستقرة، في حين أن المعروض العالمي لا يشهد الزيادة نفسها، وهو ما يحافظ على توازن إيجابي في السوق. لذلك أرى أن أي ضغوط قصيرة الأجل ناتجة عن السياسة النقدية أو الأحداث الجيوسياسية لن تغير الصورة الاستراتيجية للفضة ما لم يحدث تباطؤ اقتصادي عالمي حاد يؤثر بصورة مباشرة في الطلب الصناعي.
كما أن المستثمرين ينبغي ألا يغفلوا عن أن الأسواق تمر حاليًا بمرحلة تتسم بسرعة تغير المعطيات. فقد تتحول الأخبار السياسية خلال ساعات إلى عامل ثانوي إذا صدرت بيانات اقتصادية أمريكية تغير توقعات أسعار الفائدة، والعكس صحيح. ولهذا أعتقد أن إدارة المخاطر أصبحت أكثر أهمية من محاولة توقع القمم والقيعان، لأن التقلبات الحالية قد تستمر لفترة أطول مما يتوقعه كثير من المتعاملين.
وفي تقديري، ستبقى توقعات أسعار الفضة خلال الأسابيع المقبلة رهينة ثلاثة متغيرات رئيسية: مسار التصعيد في الشرق الأوسط، واتجاه أسعار النفط، ورسائل الاحتياطي الفيدرالي بشأن مستقبل السياسة النقدية. وإذا هدأت التوترات بالتزامن مع تزايد احتمالات خفض الفائدة، فقد تعود الفضة لاختبار مستوى 60 دولارًا وربما تسجيل قمم جديدة لاحقًا. أما إذا استمرت الضغوط التضخمية وتصاعدت المخاطر السياسية، فإن التصحيح نحو 55 أو حتى 50 دولارًا سيظل احتمالًا قائمًا قبل استئناف الاتجاه الصاعد. ومن هذا المنطلق، أرى أن ما نشهده اليوم ليس نهاية دورة الصعود، بل مرحلة إعادة توازن ستحدد نقطة الانطلاق التالية للمعدن الأبيض.
