حرب إيران تستنزف احتياطي النفط الأمريكي.. المخزونات عند أدنى مستوى منذ 1983
لم تعد موجة التراجع التي تضرب الأسواق العالمية مجرد تصحيح طبيعي بعد صعود طويل، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لثقة المستثمرين في الاقتصاد العالمي. فمن نيويورك إلى طوكيو، مروراً بالأسواق الخليجية، تكتسي شاشات التداول باللون الأحمر، وسط خروج واضح للسيولة من الأصول عالية المخاطر، وارتفاع مستويات القلق بشأن النمو العالمي، واستمرار الضغوط التضخمية، والتوترات الجيوسياسية.
وتتصدر أسهم التكنولوجيا المشهد، بعدما فقد عدد من الشركات الكبرى أكثر من 25% من قيمتها السوقية خلال أسابيع قليلة، بينما دخل مؤشر أشباه الموصلات الأمريكي مرحلة السوق الهابطة بعد انخفاض تجاوز 20% خلال شهر، في إشارة إلى أن المستثمرين بدأوا يعيدون تقييم المبالغة في تسعير شركات الذكاء الاصطناعي بعد موجة صعود تاريخية.
كما تعرض سهم SpaceX لضغوط غير مسبوقة بعد هبوطه إلى ما دون سعر الاكتتاب، فاقداً أكثر من 30% من أعلى مستوياته، وهو ما عزز حالة القلق بشأن تقييمات شركات النمو، ودفع المستثمرين إلى تسريع عمليات جني الأرباح في قطاع التكنولوجيا.
ولم تكن الأسواق الخليجية بمنأى عن هذه العاصفة، إذ تعرضت لموجة بيع قوية مع انسحاب جزء من السيولة الأجنبية والمحلية، ليتراجع مؤشر بورصة قطر إلى أدنى مستوياته في عدة أشهر، بينما فقد السوق المالية السعودية (تاسي) جزءاً كبيراً من مكاسبه السنوية، كما سجلت أسواق أبوظبي ودبي والكويت والبحرين وسلطنة عمان تراجعات جماعية، مع انخفاض أسهم البنوك والبتروكيماويات والعقار والطاقة. ويعكس هذا الأداء انتقال حالة العزوف عن المخاطرة من الأسواق العالمية إلى المنطقة، رغم استمرار قوة المؤشرات الاقتصادية لدول الخليج وارتفاع الفوائض المالية.
وفي الولايات المتحدة، انعكس الضغط على المؤشرات الرئيسية، حيث تراجع ناسداك بنحو 2.9% خلال الأسبوع، بينما انخفض S&P 500 بنسبة 1.55%، مع خسائر ملحوظة لأسهم التكنولوجيا الكبرى، في وقت يتجه فيه المستثمرون نحو القطاعات الدفاعية وأدوات الدخل الثابت.
أما في آسيا، فتتزايد المخاوف مع وصول الين الياباني إلى أحد أضعف مستوياته التاريخية أمام الدولار، نتيجة اتساع فجوة أسعار الفائدة، وهو ما يزيد الضغوط على الاقتصاد الياباني ويرفع تكلفة الواردات، كما انعكس سلباً على سوق الأسهم اليابانية.
العامل المشترك بين جميع هذه التطورات هو هروب السيولة. فالمستثمرون يفضلون الاحتفاظ بالنقد أو التوجه إلى السندات والملاذات الآمنة، في ظل ارتفاع العوائد واستمرار حالة عدم اليقين. كما أدى ارتفاع أسعار النفط مجدداً بفعل التوترات في الشرق الأوسط إلى إعادة المخاوف من عودة التضخم، وهو ما يقلص احتمالات خفض أسعار الفائدة ويزيد الضغوط على أسواق الأسهم.
ورغم حدة التراجعات، يرى العديد من المحللين أن ما يحدث يمثل إعادة تسعير واسعة للأصول بعد سنوات من الارتفاعات القياسية، إلا أن استمرار نزوح السيولة من أسواق الأسهم، خاصة التكنولوجيا والأسواق الناشئة والخليجية، قد يفتح الباب أمام موجة أكثر عمقاً إذا جاءت نتائج الشركات أو البيانات الاقتصادية أقل من التوقعات.
وتقف الأسواق العالمية والخليجية اليوم أمام مرحلة مفصلية؛ فإما أن تستعيد الثقة مع تحسن البيانات الاقتصادية واستقرار السياسات النقدية، أو تتسع دائرة التصحيح لتتحول إلى دورة هبوط أطول تعيد رسم خريطة الاستثمارات العالمية، وتغير موازين تدفقات رؤوس الأموال بين الأسواق المتقدمة والناشئة.

