عاجل: الذهب يصعد بأكثر من 1.4% بعد بيانات هامة..لماذا؟
لم يكن تراجع مؤشر الدولار الأمريكي مع بداية تداولات الأسبوع قرب 101.20 نقطة مجرد استجابة آنية لانخفاض أسعار النفط أو لانحسار التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران، بل يعكس إعادة تسعير واسعة للمخاطر من قبل المستثمرين، الذين انتقلوا سريعًا من التركيز على احتمالات اتساع الصراع إلى تقييم المسار القادم للسياسة النقدية الأمريكية. فعندما تتراجع المخاطر الجيوسياسية، ينخفض الطلب على الأصول الدفاعية، وفي مقدمتها الدولار، بينما تعود الأسواق إلى التركيز على البيانات الاقتصادية وقرارات الاحتياطي الفيدرالي باعتبارها المحرك الرئيسي لاتجاهات العملات والأسواق المالية.
ومن وجهة نظري، فإن الهدوء النسبي الذي شهدته المنطقة بعد توقف الأعمال العدائية أسهم في تهدئة المخاوف المتعلقة بإمدادات النفط العالمية، وهو ما انعكس مباشرة على تراجع أسعار الخام وانخفاض توقعات حدوث صدمة تضخمية جديدة. وخلال الأسابيع الماضية، كان المستثمرون يضيفون علاوة مخاطر إلى الدولار نتيجة تصاعد التوترات، باعتباره الملاذ الآمن الأول عالميًا، إلا أن انحسار هذه المخاطر دفع الأسواق إلى التخلي عن جزء من تلك المراكز الدفاعية، الأمر الذي أدى إلى تراجع مؤشر الدولار.
لكن في المقابل، أرى أن الأسواق قد تكون تبالغ في تفسير هذا التراجع على أنه بداية لاتجاه هابط طويل الأمد للدولار. فالعوامل الأساسية التي دعمت العملة الأمريكية خلال الأشهر الماضية لا تزال قائمة إلى حد كبير، وعلى رأسها متانة الاقتصاد الأمريكي مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة، واستمرار سوق العمل في إظهار مستويات من القوة، إضافة إلى بقاء معدلات التضخم أعلى من المستوى المستهدف للاحتياطي الفيدرالي، رغم التحسن النسبي الذي تحقق خلال الفترة الأخيرة.
ويكتسب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي هذا الأسبوع أهمية استثنائية، ليس بسبب توقعات تثبيت أسعار الفائدة، فهذه النتيجة أصبحت شبه محسومة في نظر الأسواق، وإنما بسبب الرسائل التي سيرسلها البنك المركزي بشأن الأشهر المقبلة. ففي تقديري، لن يكون قرار الفائدة بحد ذاته هو العامل المؤثر، بل ستكون لهجة رئيس الاحتياطي الفيدرالي والمؤشرات المتعلقة بمستقبل السياسة النقدية هي العنصر الأكثر تأثيرًا على الدولار والأسواق العالمية.
وإذا أشار الفيدرالي إلى استمرار المخاطر التضخمية وضرورة الإبقاء على السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول، فمن المرجح أن يستعيد الدولار جزءًا كبيرًا من خسائره سريعًا، خاصة إذا جاءت بيانات الناتج المحلي الإجمالي ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي أقوى من المتوقع. أما إذا أظهر البنك المركزي ميلًا أكثر وضوحًا نحو تخفيف السياسة النقدية خلال الاجتماعات المقبلة، فقد يتعرض الدولار لضغوط إضافية مع انتقال السيولة نحو العملات والأصول الأعلى مخاطرة.
وفي رأيي، فإن المستثمرين يرتكبون خطأ متكررًا يتمثل في التركيز على عامل واحد وإهمال بقية العوامل المؤثرة. فالأسواق لا تتحرك بناءً على حدث منفرد، وإنما وفق مزيج من المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية والنقدية. صحيح أن تراجع التوترات بين واشنطن وطهران ساهم في تقليص الطلب على الدولار، لكن استمرار هذا الاتجاه سيظل مرهونًا بقدرة الاقتصاد الأمريكي على الحفاظ على زخمه، وبكيفية تعامل الاحتياطي الفيدرالي مع الضغوط التضخمية خلال المرحلة المقبلة.
كما أن موسم إعلان نتائج أعمال الشركات الأمريكية الكبرى سيؤدي دورًا مهمًا في تحديد اتجاه الأسواق. فإذا جاءت الأرباح قوية، فإن ذلك سيعزز الثقة في الاقتصاد الأمريكي ويحد من الضغوط الواقعة على الدولار، بينما قد تؤدي النتائج الضعيفة إلى زيادة المخاوف بشأن تباطؤ النمو، وهو ما قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم للفائدة ولأداء العملة الأمريكية.
ومن زاوية أخرى، لا أعتقد أن ملف الشرق الأوسط قد خرج نهائيًا من دائرة التأثير على الأسواق. فالهدوء الحالي لا يعني بالضرورة انتهاء المخاطر، خاصة في ظل استمرار التوترات السياسية وإمكانية ظهور تطورات مفاجئة تعيد القلق إلى أسواق الطاقة. ولذلك فإن أي تصعيد جديد قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط مجددًا، وهو ما سينعكس على توقعات التضخم العالمية ويعيد الطلب على الدولار كملاذ آمن.
وعلى المدى القصير، أتوقع أن يتحرك مؤشر الدولار ضمن نطاق عرضي يميل إلى التقلب حتى تتضح نتائج اجتماع الاحتياطي الفيدرالي وصدور بيانات النمو والتضخم الأمريكية. أما على المدى المتوسط، فأرى أن الاتجاه سيظل مرهونًا بالفجوة بين أداء الاقتصاد الأمريكي ونظرائه، إذ لا يزال الدولار يستفيد من تفوق نسبي في معدلات النمو والعوائد مقارنة بالعديد من العملات الرئيسية.
وفي المجمل، أرى أن التراجع الحالي للدولار يمثل تصحيحًا طبيعيًا بعد موجة صعود مدفوعة بالمخاطر الجيوسياسية، وليس تحولًا جذريًا في الاتجاه العام للعملة الأمريكية. وإذا جاءت البيانات الاقتصادية الأمريكية متماسكة واستمر الاحتياطي الفيدرالي في تبني لهجة حذرة تجاه التضخم، فمن المرجح أن يستعيد الدولار زخمه خلال الأسابيع المقبلة.
أما إذا تزامن تراجع الضغوط الجيوسياسية مع تباطؤ اقتصادي واضح وتغير في موقف الفيدرالي نحو سياسة أكثر مرونة، فقد نشهد بداية مرحلة جديدة من الضعف النسبي للدولار، وهو السيناريو الذي ستراقبه الأسواق بدقة خلال النصف الثاني من العام.










