عاجل: الذهب يصعد بأكثر من 1.4% بعد بيانات هامة..لماذا؟
لم يكن الهبوط الحاد الذي شهدته أسهم شركات أشباه الموصلات مجرد رد فعل على خبر تقني، بل كان انعكاساً لمخاوف المستثمرين من تحول استراتيجي قد يعيد رسم خريطة صناعة الرقائق العالمية. فقد أثارت الأنباء عن نجاح الصين في إنتاج آلات الطباعة الضوئية DUV محلياً موجة بيع واسعة، بعدما اعتبر المستثمرون أن بكين اقتربت من تجاوز أحد أهم القيود التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها منذ سنوات.
وكانت الأسواق قد تفاعلت سريعاً مع الخبر، إذ انخفض سهم إنفيديا بنسبة 4.37%، لتفقد الشركة نحو 300 مليار دولار من قيمتها السوقية في جلسة واحدة، فيما هبط سهم مايكرون بنسبة 4.69% بخسارة بلغت 82 مليار دولار، وتراجع سانديسك بنسبة 10.42%، وويسترن ديجيتال بنسبة 5.93%، وسيجيت بنسبة 5.59%، بينما خسرت إس كيه هاينكس الكورية 9.48% من قيمتها السوقية.لماذا يخشى المستثمرون؟
منذ عام 2022، اعتمدت الإستراتيجية الأميركية على حرمان الصين من الوصول إلى أحدث معدات تصنيع الرقائق، خاصة آلات EUV وDUV المتطورة، بهدف إبطاء تطور قطاع أشباه الموصلات الصيني. إلا أن نجاح الصين في تطوير بديل محلي يعني أن العقوبات قد تفقد جزءاً مهماً من فعاليتها.
صحيح أن آلات DUV لا تضاهي تقنيات EUV في تصنيع أحدث الشرائح بدقة 3 و2 نانومتر، لكنها قادرة على إنتاج نسبة كبيرة من الرقائق التجارية، بما في ذلك رقائق الذاكرة، ورقائق السيارات، والاتصالات، والإلكترونيات الصناعية، بل ويمكن استخدامها لإنتاج شرائح متقدمة عبر تقنيات التصنيع متعددة الأنماط، وإن كان ذلك بتكلفة أعلى.الخطر الحقيقي... فائض الإنتاج
تاريخ صناعة الذاكرة يؤكد أنها من أكثر الصناعات حساسية لدورات العرض والطلب. فعندما يرتفع الإنتاج العالمي بنسبة تتراوح بين 5% و10% فقط، قد تهبط الأسعار بأكثر من 20% أو 30% بسبب وفرة المعروض.
وهذا هو السيناريو الذي يقلق الأسواق حالياً. فإذا تمكنت الصين من بناء عشرات خطوط الإنتاج الجديدة خلال الأعوام المقبلة، فقد يتكرر ما حدث في دورات سابقة عندما انهارت أسعار رقائق DRAM وNAND، مما أدى إلى تراجع أرباح الشركات العالمية بشكل حاد.لماذا يشكل ذلك ضغطاً على إنفيديا؟
رغم أن إنفيديا لا تنتج رقائق الذاكرة، فإن وحدات معالجة الرسومات الخاصة بها تعتمد على ذواكر متطورة مثل HBM التي تصنعها شركات مثل إس كيه هاينكس ومايكرون.
وعندما يتوقع المستثمرون انخفاض أسعار الذاكرة أو زيادة المنافسة، فإنهم يخشون تراجع ربحية سلسلة الإمداد بأكملها، وهو ما ينعكس على تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي التي وصلت خلال العام الحالي إلى مستويات تاريخية.
كما أن أي تقدم صيني في تصنيع الرقائق يفتح الباب أمام تطوير معالجات محلية للذكاء الاصطناعي، وهو ما قد يقلل اعتماد الشركات الصينية مستقبلاً على المنتجات الأميركية، خاصة في ظل القيود المفروضة على تصدير الشرائح المتقدمة.المستفيد الأكبر... الصين
إذا نجحت بكين في توسيع إنتاج معدات DUVمحلياً، فإنها ستحقق عدة مكاسب استراتيجية:
- تقليل الاعتماد على الموردين الغربيين.
- تسريع بناء مصانع رقائق جديدة.
- رفع نسبة الاكتفاء الذاتي في أشباه الموصلات إلى مستويات قد تتجاوز 70% خلال السنوات المقبلة.
- تقليص فاتورة استيراد الرقائق، التي تجاوزت في بعض السنوات 400 مليار دولار.
- تعزيز مكانتها كمنافس عالمي في الصناعات التقنية المتقدمة.
هل انتهى التفوق الأميركي؟
الإجابة لا.
فالولايات المتحدة ما زالت تتفوق بوضوح في تصميم المعالجات، وبرمجيات التصميم الإلكتروني، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة عالية الأداء، إضافة إلى أن أحدث تقنيات التصنيع EUV لا تزال خارج متناول الصين حتى الآن.
لكن الفارق بين الجانبين بدأ يتقلص تدريجياً، وهو ما يعني أن المنافسة خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة ستكون أكثر شراسة، ليس فقط على مستوى التكنولوجيا، بل أيضاً على مستوى الأسعار، وهوامش الأرباح، والحصة السوقية.الخلاصة
ما شهدته الأسواق قد يكون أكثر من مجرد هبوط عابر في أسهم شركات التكنولوجيا. فإذا تمكنت الصين من تحويل إنتاج معدات DUV إلى صناعة واسعة النطاق، فإن العالم قد يكون أمام بداية مرحلة جديدة في حرب أشباه الموصلات، تنتقل فيها المنافسة من معركة العقوبات إلى معركة القدرات الصناعية.
وفي هذه الحالة، ستواجه الشركات الأميركية تحدياً مزدوجاً: الحفاظ على تفوقها التكنولوجي من جهة، والدفاع عن هوامش أرباحها في مواجهة منافس صيني يزداد قوة وقدرة على الإنتاج عاماً بعد عام. وهذا ما يفسر القلق الذي دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير القطاع بسرعة، إدراكاً منهم أن مستقبل صناعة الرقائق لن تحدده التكنولوجيا وحدها، بل أيضاً القدرة على الإنتاج والتوسع والسيطرة على سلاسل الإمداد العالمية.











