ترامب يكشف تفاصيل اتفاق مقترح مع إيران لتجنب هجوم عسكري
رغم استمرار المؤشرات الأمريكية بالقرب من مستوياتها القياسية، فإن ما يجري تحت السطح يرسم صورة مختلفة تماماً. فبدلاً من خروج الأموال من السوق، تشير حركة القطاعات إلى أن المستثمرين يعيدون توزيع محافظهم بشكل مكثف، منتقلين من القطاعات التي حققت مكاسب ضخمة خلال العامين الماضيين إلى قطاعات أكثر دفاعية واستفادة من الدورة الاقتصادية الحالية.
ويبرز قطاع أشباه الموصلات كأوضح مثال على هذه الظاهرة. فبعد الارتفاعات الاستثنائية التي سجلتها شركات الرقائق بدعم طفرة الذكاء الاصطناعي، بدأت عمليات جني الأرباح تتزايد مع ارتفاع التقييمات وتزايد المخاوف من تباطؤ نمو الأرباح مستقبلاً، إضافة إلى القلق من زيادة الطاقة الإنتاجية العالمية، خصوصاً مع توسع الصين في تصنيع معدات الرقائق وتقنيات الإنتاج المحلية، وهو ما قد يضغط على هوامش الربحية وأسعار رقائق الذاكرة خلال السنوات المقبلة.
لكن هل يعني ذلك أن المستثمرين يغادرون السوق؟
الأرقام تشير إلى عكس ذلك. فبدلاً من التخارج الكامل، تتجه السيولة إلى قطاعات أخرى تبدو أقل سعراً وأكثر جاذبية من حيث التقييمات. ويكفي النظر إلى أداء القطاعات منذ بداية العام لفهم الصورة؛ إذ ارتفع مؤشر قطاع الطاقة بأكثر من 30% مدعوماً بارتفاع أسعار النفط وتحسن أرباح الشركات، بينما تراجع مؤشر قطاع السلع الأساسية بنحو 7% نتيجة ضعف الطلب العالمي وتباطؤ النشاط الصناعي.
كما شهدت أسهم شركات التأمين والبنوك والخدمات المالية تدفقات استثمارية متزايدة، مستفيدة من ارتفاع عوائد السندات واستمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبياً، وهو ما يدعم ربحية هذه المؤسسات مقارنة بشركات النمو التي تعتمد على توقعات الأرباح المستقبلية.
هذا التباين الكبير بين القطاعات يكشف أن المستثمرين لم يعودوا يشترون السوق بأكمله كما حدث في بداية موجة الذكاء الاصطناعي، بل أصبحوا أكثر انتقائية، حيث تنتقل السيولة من القطاعات مرتفعة التقييم إلى القطاعات التي ما زالت تتداول عند مضاعفات ربحية أقل وتتمتع بتدفقات نقدية مستقرة.
ومن هنا، فإن اتساع الفجوة في الأداء بين القطاعات يعد مؤشراً مهماً على دخول السوق مرحلة جديدة من الدورة الاستثمارية، وهي مرحلة تدوير السيولة (Sector Rotation) وليس مرحلة هروب رؤوس الأموال. فالتاريخ يظهر أن الأسواق الهابطة غالباً ما تتسم بانخفاض جماعي لمعظم القطاعات، بينما ما نشهده اليوم هو صعود قطاعات يقابله تصحيح في قطاعات أخرى، وهو سلوك يعكس إعادة تموضع المحافظ الاستثمارية أكثر من كونه فقداناً للثقة في السوق.
وعليه، فإن الهدوء الذي تبدو عليه مؤشرات وول ستريت قد يكون مضللاً؛ فالمعركة الحقيقية لم تعد بين المشترين والبائعين، بل بين القطاعات نفسها. وفي المرحلة المقبلة، قد يعتمد أداء المحافظ الاستثمارية بدرجة أكبر على اختيار القطاع الصحيح، وليس مجرد البقاء داخل السوق، لأن السيولة لم تغادر وول ستريت، بل غيّرت عنوانها .









