وارش يسعى إلى تقليص دور الفيدرالي في الأسواق
لم يكن التدخل الأمريكي الأخير لدعم الين الياباني مجرد خطوة لمساندة أحد أهم الحلفاء الاقتصاديين لواشنطن، بل جاء في المقام الأول لحماية استقرار الأسواق المالية الأمريكية ومنع انتقال الضغوط إلى سوق سندات الخزانة، الذي يمثل العمود الفقري للنظام المالي العالمي.
وجاء التدخل المشترك بين الولايات المتحدة واليابان بعد وصول الين إلى أدنى مستوياته منذ نحو أربعة عقود أمام الدولار، متجاوزًا مستوى 164 ينًا للدولار، وهو ما أثار مخاوف من فقدان السيطرة على تقلبات سوق الصرف. وعلى إثر ذلك، نفذت طوكيو عمليات شراء واسعة للين، بينما شاركت واشنطن لأول مرة منذ سنوات طويلة في تدخل منسق لدعم العملة اليابانية.
ويكمن السبب الرئيسي وراء مشاركة الولايات المتحدة في أن اليابان تُعد أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأمريكية، بأرصدة تتجاوز 1.1 تريليون دولار. وفي حال اضطرت الحكومة اليابانية إلى بيع جزء كبير من هذه السندات لتوفير السيولة اللازمة لدعم الين، فإن ذلك كان سيؤدي إلى انخفاض أسعار السندات وارتفاع عوائدها، وهو ما يرفع تكلفة اقتراض الحكومة الأمريكية ويزيد الضغوط على الاقتصاد الأمريكي في وقت لا تزال فيه السياسة النقدية تواجه تحديات تتعلق بالتضخم وأسعار الفائدة.
ولهذا السبب، فضّلت واشنطن المشاركة المباشرة في التدخل، بما يخفف الحاجة إلى قيام اليابان بعمليات بيع واسعة لسندات الخزانة الأمريكية. كما تشير التقارير إلى أن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك نفذ جانبًا من العمليات نيابة عن وزارة الخزانة الأمريكية، عبر شراء الين باستخدام اليورو بدلاً من بيع الدولار، وهي آلية هدفت إلى دعم العملة اليابانية دون الإضرار بسياسة الولايات المتحدة القائمة على الحفاظ على قوة الدولار.
كما يعكس التدخل رسالة واضحة للأسواق بأن أكبر اقتصادين متحالفين في العالم مستعدان للتحرك بشكل منسق إذا تحولت تقلبات سوق العملات إلى تهديد للاستقرار المالي العالمي. فاستمرار ضعف الين قد يؤدي إلى اضطرابات في تدفقات رؤوس الأموال، وزيادة التقلبات في أسواق السندات والعملات، وارتفاع مخاطر انتقال العدوى إلى الأسواق العالمية.
ورغم أن التدخل أسهم في تحقيق تعافٍ سريع للين، الذي سجل مكاسب تجاوزت 3% خلال يومين قبل أن يواصل ارتفاعه، فإن معظم المحللين يرون أن هذا الدعم سيظل محدود الأثر ما دامت الفجوة الكبيرة في أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان قائمة. لذلك، يبقى استقرار الين على المدى الطويل مرتبطًا بتغير السياسات النقدية أكثر من ارتباطه بالتدخلات المباشرة في سوق الصرف.
وفي المجمل، يؤكد هذا التحرك أن إنقاذ الين لم يكن هدفًا يابانيًا فحسب، بل كان أيضًا خطوة أمريكية استباقية لحماية سوق سندات الخزانة، والحفاظ على استقرار الدولار، والحد من أي اضطرابات قد تمتد إلى النظام المالي العالمي، وهو ما يبرز الترابط العميق بين أسواق العملات والسندات في الاقتصاد العالمي.










