عاجل: هجمات جديدة من الولايات المتحدة على إيران.. النفط ينفجر والذهب يسقط
هناك رواية تتكرر حاليًا مع اقتراب الذهب من منطقة مقاومة مهمة على الرسم اليومي قرب 4,800–4,850 دولار.
ومضمونها، باختصار، أن «صانع السوق» يقوم برفع الذهب تدريجيًا نحو هذه المنطقة، ثم عندما يصل إليها سيبدأ بالبيع والتصريف على المتداولين الذين اشتروا في المستويات المرتفعة.
ولو أردنا تصوير هذه الرواية بشكل ساخر، فالمشهد سيكون تقريبًا كالتالي:
صانع السوق يجلس أمام شاشة TradingView، يرسم خطًا عند 4,850 دولار، ثم يسأل كل فترة:
أين وصل الذهب؟
فيأتيه الجواب:
لم يصل بعد.
فيقول:
ارفعوه قليلًا.
ثم عندما يصل السعر إلى الخط:
ممتاز… الآن ابدأوا التصريف.
المشهد مضحك، لكن المشكلة الحقيقية ليست في السخرية منه.
المشكلة أن هذه الرواية تخلط بين حقيقة فنية قابلة للملاحظة وبين ادعاء سببي لا توجد عليه أدلة كافية.
نعم، 4,800–4,850 منطقة فنية مهمة
على الرسم اليومي، توجد بالفعل منطقة مقاومة تستحق المراقبة قرب 4,800–4,850 دولار.
هذه النقطة ليست محل خلاف.
المقاومة الفنية مفهوم مشروع: منطقة سبق أن ظهر عندها عرض، أو فشل السعر في الاستمرار بالصعود، ولذلك قد يراقبها المتداولون عند عودة السعر إليها.
لكن وجود المقاومة يسمح لنا بالقول:
قد يظهر عرض عند هذه المنطقة.
ولا يسمح لنا بالقفز مباشرة إلى نظرية المؤامرة :
هناك جهة ترفع الذهب عمدًا إلى هذه المنطقة لكي تبيع على المتداولين.
الجملة الأولى فرضية فنية.
أما الثانية فهي ادعاء عن نية وسلوك جهة معينة، ولذلك تحتاج إلى دليل مختلف تمامًا.
أين المشكلة في مفهوم صانع السوق هنا؟
مصطلح Market Maker له معنى حقيقي في الأسواق المالية، وليس خرافة بحد ذاته.
المشكلة تبدأ عندما يتحول المصطلح إلى شخصية شبه أسطورية تستخدم لتفسير كل حركة سعرية.
سوق الذهب العالمي ليس سوقًا صغيرًا تتحكم به جهة واحدة.
وفق بيانات مجلس الذهب العالمي، بلغ متوسط حجم التداول العالمي في الذهب نحو 361 مليار دولار يوميًا خلال 2025، موزعًا بين سوق لندن خارج البورصة OTC، والعقود والمشتقات في أسواق مثل COMEX، وأسواق ومراكز تداول أخرى حول العالم.
كما أن السوق يضم بنوكًا، وصناديق استثمار، ومؤسسات، وبنوكًا مركزية، ومستثمرين أفرادًا، ومنتجين، ومستخدمين تجاريين، ومتداولين في المشتقات.
كما أن اكتشاف سعر الذهب لا يحدث في غرفة واحدة أو على منصة واحدة. لندن تمثل مركزًا رئيسيًا لتداول OTC، بينما تلعب COMEX دورًا مهمًا في اكتشاف السعر عبر سوق المشتقات، إضافة إلى مراكز التداول الآسيوية وعلى رأسها شنغهاي.
لذلك فإن اختصار كل هذه المنظومة في عبارة:
صانع السوق يرفع الذهب إلى 4,850 ثم سيبيع
يتطلب إجابات لا يقدمها أصحاب الرواية عادة:
من هي هذه الجهة تحديدًا؟
ما البيانات التي تثبت أنها تقوم حاليًا بالشراء بهدف دفع السعر إلى مستوى محدد؟
كيف تم تحديد 4,850 باعتباره مستوى التصريف المقصود؟
وما الدليل على أن الهدف من الحركة الحالية هو التصريف أصلًا؟
وجود خط مقاومة على الرسم لا يجيب عن أي من هذه الأسئلة.
الفرق بين تحليل هبوطي ورواية هبوطية
هذا لا يعني أن الذهب لا يمكن أن يهبط.
بل توجد حاليًا حجج اقتصادية وفنية محترمة يمكن بناء سيناريو هبوطي عليها.
إذا قال محلل مثلًا إن الدولار الأميركي بدأ يستعيد قوته، فهذه فرضية قابلة للقياس.
وإذا قال إن العوائد الحقيقية الأميركية ترتفع، فهذه أيضًا حجة يمكن اختبارها؛ لأن ارتفاع العوائد يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصل لا يولد دخلًا مثل الذهب.
وإذا توقع استمرار تشدد السياسة النقدية أو ارتفاع توقعات أسعار الفائدة، فهذه فرضية ماكرو اقتصادية واضحة.
كما يمكن مراقبة تدفقات صناديق الذهب ETF لمعرفة ما إذا كان الطلب الاستثماري يتوسع أم ينكمش.
ويمكن دراسة أثر أسعار النفط من زاويتين:
ارتفاع النفط قد يرفع التضخم، وقد يؤدي إلى إعادة تسعير توقعات الفائدة والعوائد، كما يمكن أن يضغط على الاقتصادات المستوردة للطاقة وسيولتها.
مجلس الذهب العالمي نفسه يقسم محركات عائد الذهب إلى مجموعات أساسية تشمل النمو الاقتصادي، والمخاطر وعدم اليقين، وتكلفة الفرصة المرتبطة بأسعار الفائدة والعملات، والزخم.
وفي توقعاته للنصف الثاني من 2026، يضع المجلس سيناريو هبوطيًا واضحًا يقوم على اقتصاد أكثر قوة، وعوائد أعلى، وأسواق أكثر هدوءًا. كما أن سيناريو ارتفاع الفائدة، وصعود العوائد، وقوة الدولار، وتحسن شهية المخاطرة يُعد بيئة سلبية نسبيًا للذهب.
هذه هي النقطة الأساسية:
يمكن أن نتوقع هبوط الذهب.
لكن يجب أن نميز بين سبب نستطيع قياسه وبين قصة نستطيع فقط روايتها.
المقاومة ليست أمر بيع
أحد الأخطاء الشائعة في التعامل مع التحليل الفني هو الانتقال من:
هذه مقاومة.
إلى:
إذن يجب أن ينخفض السعر منها.
المقاومة ليست حكمًا على المستقبل.
هي منطقة يصبح عندها سلوك السعر أكثر أهمية.
عندما يصل الذهب إلى 4,800–4,850، السؤال المهني ليس:
هل وصل صانع السوق إلى المكان الذي يريد التصريف منه؟
بل:
هل ظهر عرض فعلي؟
هل فشل السعر في الاحتفاظ بالتداول فوق المنطقة؟
هل ظهرت شموع رفض ذات دلالة ضمن السياق؟
هل انكسرت البنية الصاعدة؟
هل ضعف الزخم؟
هل بدأت حركة الدولار أو العوائد في العمل ضد الذهب؟
هل تغيرت تدفقات المستثمرين؟
وهل تغيرت الأسباب الأساسية التي دفعت السعر إلى هذه المنطقة أصلًا؟
إذا بدأت هذه المتغيرات في التحول، يصبح لدينا سيناريو هبوطي يمكن الدفاع عنه.
أما مجرد وصول السعر إلى خط أفقي فلا يكفي وحده لمعرفة اتجاه الحركة التالية.
مشكلة النظريات التي لا يمكن إثبات خطئها
هناك اختبار بسيط يمكن تطبيقه على أي نظرية تداول:
ما الذي يجب أن يحدث في السوق حتى أعترف بأن نظريتي كانت خاطئة؟
طبق هذا السؤال على رواية «صانع السوق».
إذا هبط الذهب من 4,850:
«حدث التصريف كما توقعنا.»
إذا اخترق 4,850:
«هذا اختراق كاذب وفخ للمشترين.»
إذا وصل إلى 5,000:
«كان يحتاج إلى جمع السيولة الموجودة فوق المقاومة.»
وإذا استمر بالصعود:
«لم ينتهِ من التجميع بعد.»
هنا تظهر المشكلة المنهجية.
إذا استطاعت النظرية تفسير كل نتيجة ممكنة بعد حدوثها، فمن الصعب اعتبارها فرضية تحليلية قابلة للاختبار.
التحليل الجيد يجب أن يعرّض صاحبه لاحتمال أن يكون مخطئًا.
أما النظرية التي تصبح صحيحة في الصعود والهبوط والاختراق والفشل في الاختراق، فهي لا تقدم للمتداول ميزة تحليلية حقيقية.
الخطر الحقيقي: محاولة اصطياد القمم
المشكلة لا تتوقف عند طريقة تفسير السوق.
هذه الروايات قد تؤدي إلى سلوك تداول خطر: محاولة اصطياد القمة قبل أن يؤكد السوق وجودها.
كون 4,850 مقاومة سابقة لا يعني أنها ستكون قمة الحركة الحالية.
قد يصل الذهب إليها ويهبط.
وقد يدخل في تذبذب حولها.
وقد يخترقها ويتجه نحو مستويات أعلى.
المعلومة الوحيدة المتاحة مسبقًا هي أن المنطقة جديرة بالمراقبة.
أما معرفة أنها ستكون قمة جديدة فلا تصبح ممكنة لمجرد وجود قمة قديمة عند المستوى نفسه.
وتاريخ الأسواق مليء بأمثلة مؤلمة لمتداولين حاولوا الوقوف أمام اتجاهات قوية لأن السعر أصبح في نظرهم «مرتفعًا جدًا» أو «منخفضًا جدًا».
السوق لا يحتاج إلى العودة إلى القيمة التي نعتبرها نحن عادلة، ولا إلى الانعكاس من مستوى لمجرد أنه واضح بصريًا على الرسم.
المشكلة في الادعاء بمعرفة سبب الحركة ونوايا المشاركين من دون امتلاك دليل يثبت ذلك.
ملاحظة:هذا المقال لأغراض تحليلية وتعليمية، ولا يمثل توصية بالشراء أو البيع.
فراس حاج حسن
مستشار قرارات استثمارية
عضو معتمد في CISI – المعهد البريطاني للأوراق المالية والاستثمار









