عاجل: ارتفاع قوي لأسعار الذهب بعد تصريحات فيدرالي جديدة وبيانات
يدخل الذهب XAU/USD مرحلة شديدة الحساسية، بعدما تعرض لضغوط بيعية قوية دفعته إلى مستويات قرب 4,282 دولارًا للأونصة، في وقت لا تزال فيه البيئة النقدية الأمريكية تشكل العائق الأكبر أمام أي موجة صعود مستدامة. صحيح أن الذهب يستفيد تقليديًا من التوترات الجيوسياسية ومخاوف الأسواق، إلا أن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة يفرضان حاليًا معادلة مختلفة؛ فكلما ارتفعت العوائد الحقيقية وتراجعت احتمالات خفض الفائدة، زادت تكلفة الاحتفاظ بالذهب غير المدر للعائد. لذلك، أرى أن الحركة الحالية لا يمكن قراءتها من زاوية الملاذ الآمن وحدها، بل يجب وضعها ضمن معادلة الدولار والفائدة والتضخم وتوقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي.
والعنصر الأكثر أهمية في تقديري هو الدولار الأمريكي وعوائد السندات الأمريكية. استقرار مؤشر الدولار قرب 99.35 وارتفاع عائد السندات لأجل عشر سنوات إلى نحو 4.82% يمثلان ضغطًا مباشرًا على أسعار الذهب، لأن ارتفاع العائد يجعل الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية للمستثمرين. ومن وجهة نظري، لن يكون من السهل على الذهب بناء اتجاه صاعد قوي طالما بقيت العوائد عند هذه المستويات المرتفعة. لكن في المقابل، فإن أي تراجع واضح في عوائد الخزانة، خصوصًا إذا ترافق مع ضعف الدولار، قد يغير المعادلة بسرعة ويمنح سعر الذهب مساحة لاستعادة جزء كبير من خسائره الأخيرة. لذلك أعتقد أن حركة العوائد ستكون خلال المرحلة المقبلة مؤشرًا استباقيًا مهمًا لتحديد اتجاه XAU/USD.
وفي المقابل، تحمل بيانات سوق العمل الأمريكية الأخيرة رسالة تستحق المتابعة. فقد أظهرت بيانات ADP إضافة 38 ألف وظيفة فقط في أغسطس، مقارنة بتوقعات بلغت 47 ألفًا، وهو ما يشير إلى بعض التباطؤ في سوق العمل.
وبرأيي، لا تكمن أهمية الرقم في تأثيره المباشر على الذهب بقدر ما تكمن في قدرته على تغيير توقعات الأسواق تجاه الاحتياطي الفيدرالي وأسعار الفائدة الأمريكية. فإذا أكدت بيانات الوظائف غير الزراعية ضعف سوق العمل، فقد تبدأ الأسواق في إعادة تسعير احتمالات خفض الفائدة، وهو سيناريو سيكون إيجابيًا للذهب عبر الضغط على الدولار والعوائد. أما إذا جاءت بيانات الوظائف قوية بشكل مفاجئ، فسأعتبر ذلك عاملًا سلبيًا للذهب، لأنه قد يؤجل رهانات التيسير النقدي ويعيد العوائد إلى الارتفاع.
هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله، وهو التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران وما يرافقها من ارتفاع في أسعار النفط نتيجة المخاوف المتعلقة بمضيق هرمز. من منظور اقتصادي، ارتفاع النفط قد يكون سلاحًا ذا حدين بالنسبة للذهب؛ فمن جهة، يدعم الطلب على المعدن باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات عدم اليقين، ومن جهة أخرى قد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى إعادة إشعال التضخم، وبالتالي تقليص مساحة المناورة أمام الاحتياطي الفيدرالي لخفض الفائدة. وفي تقديري، إذا استمرت أسعار النفط في الصعود بقوة، فقد يتغلب تأثير التضخم والعوائد على تأثير الملاذ الآمن، وهو ما قد يحد من قدرة الذهب على تحقيق مكاسب قوية ومستدامة رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
أما فنيًا، فأرى أن الصورة الحالية تعكس اتجاهًا تصحيحيًا هابطًا وليس بالضرورة بداية لانهيار طويل الأمد. وصول الذهب إلى منطقة 4,280–4,300 دولار خلق حالة من التشبع البيعي على المدى القصير، وهو ما يفسر محاولات الارتداد الحالية. لكن حتى الآن، لا أرى ما يكفي فنيًا للحديث عن انعكاس صاعد مؤكد؛ فالسعر يحتاج أولًا إلى استعادة 4,436 دولارًا والثبات فوقها بإغلاق أربع ساعات حتى تتحسن البنية الفنية، ثم يأتي مستوى 4,527 دولارًا باعتباره الاختبار الأهم لتأكيد تحول الزخم. في حال تجاوز هذه المنطقة، سأرفع من احتمالات امتداد الصعود نحو 4,650–4,680 دولارًا، أما الفشل عند المقاومة فقد يعيد الضغط على مناطق الدعم مجددًا.
وبناءً على تداخل الصورة الاقتصادية مع الهيكل الفني، أميل حاليًا إلى تبني نظرة محايدة مائلة إلى الهبوط على المدى القصير، مع الحذر من البيع عند القيعان. توقعي الأساسي هو أن يبقى الذهب شديد الحساسية لبيانات الوظائف الأمريكية وحركة الدولار والعوائد، وأن تكون الفترة المقبلة مرحلة اختبار حقيقية لقوة المشترين. وإذا جاءت بيانات الوظائف أضعف من المتوقع، بالتزامن مع تراجع عوائد الخزانة والدولار، فأرى أن الذهب قد يمتلك محفزًا قويًا لاستعادة الاتجاه الصاعد. أما استمرار قوة سوق العمل وارتفاع العوائد، فسيرجح في رأيي إعادة اختبار 4,234 دولارًا وربما مستويات أدنى. وبعبارة واضحة، أعتقد أن بيانات الوظائف الأمريكية ستكون نقطة التحول الرئيسية للذهب؛ فالأسواق لا تحتاج حاليًا إلى مفاجأة ضخمة كي تتحرك بقوة، بل إلى إشارة واضحة تحدد المسار القادم للفائدة والدولار.









