عاجل: النفط يتخلى عن مكاسبه بعد تقرير عن انفتاح ترامب على تخفيف العقوبات الإيرانية
«الشيء الوحيد الذي علينا أن نخاف منه هو الخوف نفسه.»
— فرانكلين روزفلت - عام 1933.
قال روزفلت هذه العبارة في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في التاريخ الاقتصادي الأمريكي، عندما لم تكن المشكلة فقط في البنوك التي انهارت، أو في البطالة، أو في تراجع الاقتصاد، وإنما في الخوف الذي أصاب الجميع ودفعهم إلى التصرف بطريقة جعلت الأزمة نفسها أكبر.
وهذه الفكرة يا صديقي لا تنطبق على الاقتصاد فقط، وإنما تكاد تكون واحدة من أهم القواعد لفهم الأسواق المالية؛ لأن السوق لا يتحرك دائماً بسبب الحدث نفسه، بل بسبب الطريقة التي يفسر بها المشاركون هذا الحدث، وحجم الخوف أو الطمع الذي يصنعه داخلهم.
الحرب مثال واضح على ذلك...
عندما تبدأ حرب أو يرتفع التوتر الجيوسياسي، أول فكرة تخطر في بال المستثمر التقليدي هي أن الذهب يجب أن يرتفع، باعتباره ملاذاً آمناً يلجأ إليه الجميع عندما يزداد الخوف؛ وهذه الفكرة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول إلى قاعدة ثابتة لا تقبل الاستثناء.
الأن السؤال الحقيقي ليس: هل هناك حرب؟
السؤال هو: كيف يخاف السوق من هذه الحرب؟
هل يخاف من انهيار اقتصادي؟ هل يخاف من ارتفاع التضخم؟ هل يخاف من نقص الطاقة؟ هل يخاف من ارتفاع أسعار النفط؟ أم يخاف من أن تدفع كل هذه العوامل البنوك المركزية إلى رفع الفائدة من جديد؟
الفرق بين هذه المخاوف كبير جداً، والنتيجة على الذهب قد تكون مختلفة تماماً في كل مرة.
فالحرب التي تدفع المستثمرين للهروب من الأسهم والعملات نحو الذهب قد ترفع سعره، لكن الحرب نفسها إذا رفعت أسعار النفط وأعادت التضخم إلى الواجهة، فقد تدفع البنوك المركزية إلى التشدد النقدي، وترفع عوائد السندات والدولار، وعندها قد يتحول الخوف نفسه من عامل يدعم الذهب إلى عامل يضغط عليه.
وهنا بالضبط نفهم لماذا لا يكفي أن نقول: هناك حرب، إذاً الذهب يجب أن يرتفع.
السوق لا يسعّر الحرب كخبر، بل يسعّر نتائجها؛ ولهذا فإن تراجع الذهب في الوقت الذي ما زالت فيه الحرب مستمرة لا يعني بالضرورة أن الذهب فقد مكانته، ولا يعني أن المستثمرين توقفوا عن الخوف، بل قد يعني شيئاً أكثر تعقيداً: أن نوع الخوف الذي يسيطر على السوق تغيّر.
ومن هنا سنحاول أن نفهم في هذا المقال لماذا يتراجع الذهب رغم الحرب، وما الذي يخشاه السوق فعلاً اليوم، وهل هذا التراجع يمثل تغيراً حقيقياً في الاتجاه، أم مجرد مرحلة طبيعية داخل دورة صعود أكبر.
آخر الأخبار وأثرها على السعر:
«الحرب هي مملكة عدم اليقين.»
— كارل فون كلاوزفيتز
هناك قاعدة أصبحت شبه راسخة لدى المستثمرين تقول إن الحرب تعني الخوف، والخوف يعني اللجوء إلى الذهب، وبالتالي من المفترض أن يرتفع الذهب كلما اشتعلت الحروب، لكن ما يحدث اليوم يبدو عكس هذه القاعدة تماماً؛ الحرب مستمرة، النفط يرتفع، والمخاطر السياسية ما زالت مرتفعة، بينما الذهب يتراجع.
وهنا يظهر السؤال الأهم: لماذا يتراجع الذهب رغم الحرب؟ آخر تطورات الحرب أعادت هذا السؤال بقوة إلى السوق في ظل مرحلة قد يرى فيها المستثمر الكلاسيكي أن المنطق يكسر.
خلال عطلة نهاية الأسبوع، رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقترحاً إيرانياً يهدف إلى التوصل إلى اتفاق وإنهاء الصراع وإعادة فتح مضيق هرمز، وقال إن المحادثات ستستمر، بينما لم تظهر إيران حتى الآن استعداداً واضحاً لتعديل شروطها.
النتيجة المباشرة كانت عودة المخاوف حول إمدادات الطاقة، وقفز خام برنت بنحو 3% ليتجاوز 107 دولارات للبرميل، وبذلك أصبح النفط أعلى بنحو 50% تقريباً من مستوياته قبل بداية الحرب في أواخر فبراير؛ وهنا بدأت الحرب تضغط على الذهب بطريقة مختلفة تماماً عن الصورة التقليدية.
المشكلة اليوم ليست أن المستثمر لم يعد يخاف من الحرب، وإنما أن الخوف نفسه تغير شكله.
استمرار ارتفاع النفط يعني ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج، وبالتالي عودة التضخم إلى الواجهة؛ والأسواق بدأت بالفعل تتعامل مع صدمة النفط على أنها قد تكون أطول من المتوقع، خصوصاً مع ارتفاع أسعار المنتجات المكررة وازدياد المخاوف من أن تتحول تكاليف الطاقة المرتفعة إلى تضخم أكثر ثباتاً داخل الاقتصاد، وهذا بالتحديد ما أعاد البنوك المركزية إلى التشدد.
الاحتياطي الفيدرالي كان قد رفع الفائدة في سبتمبر بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4.00%، وأشار صناع السياسة إلى أن استمرار التضخم قد يتطلب مزيداً من التشديد، والأسواق اليوم تسعّر احتمالاً يقارب 65%–70% لرفع آخر للفائدة في أكتوبر، بعدما كانت الحرب وارتفاع أسعار الطاقة أحد العوامل التي أعادت مخاطر التضخم إلى واجهة القرار النقدي الأمريكي؛ حتى مسؤولو الفيدرالي أنفسهم بدأوا يتعاملون بحذر أكبر مع صدمات العرض المرتبطة بالحرب، بعدما كان من المعتاد سابقاً اعتبارها مؤقتة وتجاهل أثرها في السياسة النقدية... والنتيجة ظهرت مباشرة في سوق السندات.
عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عاماً ارتفع إلى نحو 5.52%، قريباً من أعلى مستوياته منذ عام 2004، بينما ارتفع عائد السنتين بنحو 55 نقطة أساس خلال سبتمبر وحده مع إعادة تسعير الأسواق لمسار الفائدة الأمريكية؛ وفي الوقت نفسه، بقي الدولار قريباً من أعلى مستوياته في شهرين.
هنا أصبح لدينا سلسلة اقتصادية واضحة:
الحرب ترفع النفط، وارتفاع النفط يرفع مخاطر التضخم، والتضخم يعيد الفائدة إلى التشدد، وارتفاع الفائدة يرفع عوائد السندات والدولار، ثم ترتفع تكلفة الاحتفاظ بالذهب الذي لا يدفع عائداً.
لهذا تراجع الذهب في جلسة 28 سبتمبر بنحو 3% ووصل إلى قرابة 4,150 دولاراً للأونصة، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من سبعة أسابيع، كما أصبح منخفضاً بنحو 7% خلال سبتمبر؛ فالسوق، في هذه المرحلة، أعطى وزناً أكبر لارتفاع العوائد والفائدة والدولار من الوزن الذي أعطاه لطلب الملاذ الآمن الناتج عن الحرب، لكن هنا لا بد من التفريق بين سبب الهبوط الحالي وبين الهيكل الأساسي للذهب.
فالذهب لم ينتقل من مستويات قريبة من 2000 دولار إلى أكثر من 4000 دولار بسبب الحرب وحدها، وبالتالي لا أرى أن تراجعاً ناتجاً عن ارتفاع الفائدة والعوائد يكفي وحده للقول إن القصة الأساسية للذهب انتهت.
جزء مهم من الصعود خلال السنوات الأخيرة جاء من طلب البنوك المركزية، وإعادة توزيع الاحتياطيات، والبحث عن التحوط من مخاطر العملات والتضخم وعدم اليقين الجيوسياسي؛ وحتى في الربع الثاني من 2026 وحده، بلغت مشتريات البنوك المركزية الصافية نحو 289 طناً، وهو مستوى قياسي لذلك الربع، بينما أظهر مسح لمجلس الذهب العالمي أن 45% من البنوك المركزية المشاركة تتوقع زيادة حيازاتها من الذهب خلال الاثني عشر شهراً التالية.
لذلك يمكن القول إن ما نشهده اليوم هو ضغط نقدي قوي على الذهب، لكنه حتى الآن لا يكسر بالضرورة الهيكل الاقتصادي الذي نقل السعر من 2000 إلى أكثر من 4000 دولار، وإنما يحمل هذا التراجع ميزة لأن يكتسب السعر زخماً ملفتاً للنظر.
لماذا...؟ لأنه ما إن تنتهي الحرب، سنلتفت للدمار الاقتصادي الذي أحدثته، أي سندفع فاتورة الحرب بعد انتهائها... وهذا ما يجعلني في صف البنوك المركزية والمحافظ العملاقة التي تستغل كل تراجع لشراء الذهب.
التحليل الاقتصادي:
اقتصادياً، الذهب اليوم واقع تحت ضغط صراع على السيولة: الحكومة الأمريكية تحتاج تمويلاً ضخماً للعجز والدين، وقطاع الذكاء الاصطناعي يحتاج مئات المليارات لتمويل البنية التحتية، بينما الفيدرالي لا يستطيع ضخ السيولة بسهولة بسبب التضخم.
هذا الصراع يرفع عوائد السندات ويجعل الأموال السريعة (المضاربين) تتجه نحو الأصول التي تدفع عائداً، فيضغط على الذهب مؤقتاً؛ لكن استمرار هذا النموذج لفترة أطول قد يعيد الذهب للواجهة في اللحظة التي نكتشف فيها أن فاتورة الحرب أكبر مما كنا نظن.
الخلاصة:
آخر الأخبار توضح أن الحرب لم تعد تدعم الذهب مباشرة، لأن ارتفاع النفط أعاد مخاطر التضخم والتشدد النقدي، فارتفعت عوائد السندات والدولار وأصبح أثر الفائدة أقوى من أثر الخوف الجيوسياسي، وفي الوقت نفسه، دخل الاقتصاد في صراع أوسع على السيولة بين تمويل الحكومة الأمريكية والإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي، مما زاد تكلفة رأس المال وضغط على الذهب مؤقتاً.
ومع ذلك، هذا التراجع لا يكسر حتى الآن الهيكل الأساسي الذي دفع الذهب من قرب 2000 إلى أكثر من 4000 دولار، بل يؤجل الزخم إلى حين تغير ظروف السيولة والعوائد.
نظرة على السعر فنياً:
"لا قيمة لرجل الاقتصاد دون الإحصائيات" — الطبيب صالح
بلغ الانحراف المعياري التراكمي لسعر الذهب 250 دولاراً، وهذا يعني أن قابلية حركة الذهب بمقدار 250 دولاراً في جلسة سوق واحدة أمر طبيعي، وبلغ الانحراف السنوي 600 دولار، وعليه نقول إن 4800 دولار ضمن الاحتمال السنوي، وكذلك إن 4000 دولار ضمن الاحتمال السنوي.
إحصائياً، يتميز شهر 10 بسلوك تراكمي لسعر الذهب (أي عادة ما يتداول بشكل عرضي) ...؛ احتمالياً، ووفقاً لنموذج NDM، فإن مستوى 4800 – 5000 ضمن النطاق الاحتمالي الممكن في ظل نهاية العام، احتمال أن يكسر السعر مستوى 4000 هو 2.4%.
وفقاً لإليوت، فإن الموجة الرابعة التصحيحية تنتهي عند 3800 – 4000، وتبدأ بعدها موجة إليوت الخامسة التي تستهدف 4800 – 5000، شرط الحصول على الزخم الكافي إن وجد الطلب، وينعكس هذا الطلب من قبل البنوك حالياً، لكنه بحاجة لأن يهدأ النفط.
وفقاً لعلوم داو (Dow)، طالما أن السعر أعلى من 4000 يبقى زخم السعر إيجابياً، ويتأكد زخم استمرار الصعود بالإغلاق الأسبوعي أعلى 4317 دولاراً.
بلغ الفوليوم أسفل 4500 نحو مستويات غير مسبوقة، مما يجعل أسفلها مستويات تراكم جيدة.
الخلاصة:
قد نرى إعادة اختبار 4200 – 4000 ثم تداول عرضي ما بين 4317 – 4000 لفترة لا تقل عن شهر (خلال شهر 10)، ثم نرى انطلاقاً لسعر الذهب نحو 4800 مع نهاية شهر 12.
على المدى البعيد:
ما زلت أرى 4800 – 5000 في ظل هذا العام، وما زلت أرى 5500 – 6000 في ظل العام القادم.
رأي المستشار المالي:
عندما تصبح القاعدة في السوق مشاعاً (أي بمتناول الجميع) والجميع يعرفها جيداً، غالباً ما يتصرف السوق عكسها تماماً؛ أي عندما يتفق الجميع على الصعود فيشتري الذهب، يجد حينها صانع السوق أكبر فرصة لتسييل الشراء في اللحظة التي يفقد فيها الجميع الأمل ويبدأ بالشراء هو، لأنه لو تصرف على أساس المشاع لرفع من تكلفته.
لهذا تماماً أقول إن الذهب لا يتم التعامل معه بقاعدة ثابتة لا تكسر، وإنما قاعدة مرنة، مرونة تلك القاعدة تكون وفقاً للمشاعر السائدة، وما أراه الآن في السوق هو ما يعكس هذه القاعدة.
المستشار عمر جاسم آل صياح
للمزيد تابعني على حسابي على منصة X:
@Omarsyyah

— فرانكلين روزفلت - عام 1933.
قال روزفلت هذه العبارة في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في التاريخ الاقتصادي الأمريكي، عندما لم تكن المشكلة فقط في البنوك التي انهارت، أو في البطالة، أو في تراجع الاقتصاد، وإنما في الخوف الذي أصاب الجميع ودفعهم إلى التصرف بطريقة جعلت الأزمة نفسها أكبر.
وهذه الفكرة يا صديقي لا تنطبق على الاقتصاد فقط، وإنما تكاد تكون واحدة من أهم القواعد لفهم الأسواق المالية؛ لأن السوق لا يتحرك دائماً بسبب الحدث نفسه، بل بسبب الطريقة التي يفسر بها المشاركون هذا الحدث، وحجم الخوف أو الطمع الذي يصنعه داخلهم.
الحرب مثال واضح على ذلك...
عندما تبدأ حرب أو يرتفع التوتر الجيوسياسي، أول فكرة تخطر في بال المستثمر التقليدي هي أن الذهب يجب أن يرتفع، باعتباره ملاذاً آمناً يلجأ إليه الجميع عندما يزداد الخوف؛ وهذه الفكرة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول إلى قاعدة ثابتة لا تقبل الاستثناء.
الأن السؤال الحقيقي ليس: هل هناك حرب؟
السؤال هو: كيف يخاف السوق من هذه الحرب؟
هل يخاف من انهيار اقتصادي؟ هل يخاف من ارتفاع التضخم؟ هل يخاف من نقص الطاقة؟ هل يخاف من ارتفاع أسعار النفط؟ أم يخاف من أن تدفع كل هذه العوامل البنوك المركزية إلى رفع الفائدة من جديد؟
الفرق بين هذه المخاوف كبير جداً، والنتيجة على الذهب قد تكون مختلفة تماماً في كل مرة.
فالحرب التي تدفع المستثمرين للهروب من الأسهم والعملات نحو الذهب قد ترفع سعره، لكن الحرب نفسها إذا رفعت أسعار النفط وأعادت التضخم إلى الواجهة، فقد تدفع البنوك المركزية إلى التشدد النقدي، وترفع عوائد السندات والدولار، وعندها قد يتحول الخوف نفسه من عامل يدعم الذهب إلى عامل يضغط عليه.
وهنا بالضبط نفهم لماذا لا يكفي أن نقول: هناك حرب، إذاً الذهب يجب أن يرتفع.
السوق لا يسعّر الحرب كخبر، بل يسعّر نتائجها؛ ولهذا فإن تراجع الذهب في الوقت الذي ما زالت فيه الحرب مستمرة لا يعني بالضرورة أن الذهب فقد مكانته، ولا يعني أن المستثمرين توقفوا عن الخوف، بل قد يعني شيئاً أكثر تعقيداً: أن نوع الخوف الذي يسيطر على السوق تغيّر.
ومن هنا سنحاول أن نفهم في هذا المقال لماذا يتراجع الذهب رغم الحرب، وما الذي يخشاه السوق فعلاً اليوم، وهل هذا التراجع يمثل تغيراً حقيقياً في الاتجاه، أم مجرد مرحلة طبيعية داخل دورة صعود أكبر.
آخر الأخبار وأثرها على السعر:
«الحرب هي مملكة عدم اليقين.»
— كارل فون كلاوزفيتز
هناك قاعدة أصبحت شبه راسخة لدى المستثمرين تقول إن الحرب تعني الخوف، والخوف يعني اللجوء إلى الذهب، وبالتالي من المفترض أن يرتفع الذهب كلما اشتعلت الحروب، لكن ما يحدث اليوم يبدو عكس هذه القاعدة تماماً؛ الحرب مستمرة، النفط يرتفع، والمخاطر السياسية ما زالت مرتفعة، بينما الذهب يتراجع.
وهنا يظهر السؤال الأهم: لماذا يتراجع الذهب رغم الحرب؟ آخر تطورات الحرب أعادت هذا السؤال بقوة إلى السوق في ظل مرحلة قد يرى فيها المستثمر الكلاسيكي أن المنطق يكسر.
خلال عطلة نهاية الأسبوع، رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقترحاً إيرانياً يهدف إلى التوصل إلى اتفاق وإنهاء الصراع وإعادة فتح مضيق هرمز، وقال إن المحادثات ستستمر، بينما لم تظهر إيران حتى الآن استعداداً واضحاً لتعديل شروطها.
النتيجة المباشرة كانت عودة المخاوف حول إمدادات الطاقة، وقفز خام برنت بنحو 3% ليتجاوز 107 دولارات للبرميل، وبذلك أصبح النفط أعلى بنحو 50% تقريباً من مستوياته قبل بداية الحرب في أواخر فبراير؛ وهنا بدأت الحرب تضغط على الذهب بطريقة مختلفة تماماً عن الصورة التقليدية.
المشكلة اليوم ليست أن المستثمر لم يعد يخاف من الحرب، وإنما أن الخوف نفسه تغير شكله.
استمرار ارتفاع النفط يعني ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج، وبالتالي عودة التضخم إلى الواجهة؛ والأسواق بدأت بالفعل تتعامل مع صدمة النفط على أنها قد تكون أطول من المتوقع، خصوصاً مع ارتفاع أسعار المنتجات المكررة وازدياد المخاوف من أن تتحول تكاليف الطاقة المرتفعة إلى تضخم أكثر ثباتاً داخل الاقتصاد، وهذا بالتحديد ما أعاد البنوك المركزية إلى التشدد.
الاحتياطي الفيدرالي كان قد رفع الفائدة في سبتمبر بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4.00%، وأشار صناع السياسة إلى أن استمرار التضخم قد يتطلب مزيداً من التشديد، والأسواق اليوم تسعّر احتمالاً يقارب 65%–70% لرفع آخر للفائدة في أكتوبر، بعدما كانت الحرب وارتفاع أسعار الطاقة أحد العوامل التي أعادت مخاطر التضخم إلى واجهة القرار النقدي الأمريكي؛ حتى مسؤولو الفيدرالي أنفسهم بدأوا يتعاملون بحذر أكبر مع صدمات العرض المرتبطة بالحرب، بعدما كان من المعتاد سابقاً اعتبارها مؤقتة وتجاهل أثرها في السياسة النقدية... والنتيجة ظهرت مباشرة في سوق السندات.
عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عاماً ارتفع إلى نحو 5.52%، قريباً من أعلى مستوياته منذ عام 2004، بينما ارتفع عائد السنتين بنحو 55 نقطة أساس خلال سبتمبر وحده مع إعادة تسعير الأسواق لمسار الفائدة الأمريكية؛ وفي الوقت نفسه، بقي الدولار قريباً من أعلى مستوياته في شهرين.
هنا أصبح لدينا سلسلة اقتصادية واضحة:
الحرب ترفع النفط، وارتفاع النفط يرفع مخاطر التضخم، والتضخم يعيد الفائدة إلى التشدد، وارتفاع الفائدة يرفع عوائد السندات والدولار، ثم ترتفع تكلفة الاحتفاظ بالذهب الذي لا يدفع عائداً.
لهذا تراجع الذهب في جلسة 28 سبتمبر بنحو 3% ووصل إلى قرابة 4,150 دولاراً للأونصة، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من سبعة أسابيع، كما أصبح منخفضاً بنحو 7% خلال سبتمبر؛ فالسوق، في هذه المرحلة، أعطى وزناً أكبر لارتفاع العوائد والفائدة والدولار من الوزن الذي أعطاه لطلب الملاذ الآمن الناتج عن الحرب، لكن هنا لا بد من التفريق بين سبب الهبوط الحالي وبين الهيكل الأساسي للذهب.
فالذهب لم ينتقل من مستويات قريبة من 2000 دولار إلى أكثر من 4000 دولار بسبب الحرب وحدها، وبالتالي لا أرى أن تراجعاً ناتجاً عن ارتفاع الفائدة والعوائد يكفي وحده للقول إن القصة الأساسية للذهب انتهت.
جزء مهم من الصعود خلال السنوات الأخيرة جاء من طلب البنوك المركزية، وإعادة توزيع الاحتياطيات، والبحث عن التحوط من مخاطر العملات والتضخم وعدم اليقين الجيوسياسي؛ وحتى في الربع الثاني من 2026 وحده، بلغت مشتريات البنوك المركزية الصافية نحو 289 طناً، وهو مستوى قياسي لذلك الربع، بينما أظهر مسح لمجلس الذهب العالمي أن 45% من البنوك المركزية المشاركة تتوقع زيادة حيازاتها من الذهب خلال الاثني عشر شهراً التالية.
لذلك يمكن القول إن ما نشهده اليوم هو ضغط نقدي قوي على الذهب، لكنه حتى الآن لا يكسر بالضرورة الهيكل الاقتصادي الذي نقل السعر من 2000 إلى أكثر من 4000 دولار، وإنما يحمل هذا التراجع ميزة لأن يكتسب السعر زخماً ملفتاً للنظر.
لماذا...؟ لأنه ما إن تنتهي الحرب، سنلتفت للدمار الاقتصادي الذي أحدثته، أي سندفع فاتورة الحرب بعد انتهائها... وهذا ما يجعلني في صف البنوك المركزية والمحافظ العملاقة التي تستغل كل تراجع لشراء الذهب.
التحليل الاقتصادي:
اقتصادياً، الذهب اليوم واقع تحت ضغط صراع على السيولة: الحكومة الأمريكية تحتاج تمويلاً ضخماً للعجز والدين، وقطاع الذكاء الاصطناعي يحتاج مئات المليارات لتمويل البنية التحتية، بينما الفيدرالي لا يستطيع ضخ السيولة بسهولة بسبب التضخم.
هذا الصراع يرفع عوائد السندات ويجعل الأموال السريعة (المضاربين) تتجه نحو الأصول التي تدفع عائداً، فيضغط على الذهب مؤقتاً؛ لكن استمرار هذا النموذج لفترة أطول قد يعيد الذهب للواجهة في اللحظة التي نكتشف فيها أن فاتورة الحرب أكبر مما كنا نظن.
الخلاصة:
آخر الأخبار توضح أن الحرب لم تعد تدعم الذهب مباشرة، لأن ارتفاع النفط أعاد مخاطر التضخم والتشدد النقدي، فارتفعت عوائد السندات والدولار وأصبح أثر الفائدة أقوى من أثر الخوف الجيوسياسي، وفي الوقت نفسه، دخل الاقتصاد في صراع أوسع على السيولة بين تمويل الحكومة الأمريكية والإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي، مما زاد تكلفة رأس المال وضغط على الذهب مؤقتاً.
ومع ذلك، هذا التراجع لا يكسر حتى الآن الهيكل الأساسي الذي دفع الذهب من قرب 2000 إلى أكثر من 4000 دولار، بل يؤجل الزخم إلى حين تغير ظروف السيولة والعوائد.
نظرة على السعر فنياً:
"لا قيمة لرجل الاقتصاد دون الإحصائيات" — الطبيب صالح
بلغ الانحراف المعياري التراكمي لسعر الذهب 250 دولاراً، وهذا يعني أن قابلية حركة الذهب بمقدار 250 دولاراً في جلسة سوق واحدة أمر طبيعي، وبلغ الانحراف السنوي 600 دولار، وعليه نقول إن 4800 دولار ضمن الاحتمال السنوي، وكذلك إن 4000 دولار ضمن الاحتمال السنوي.
إحصائياً، يتميز شهر 10 بسلوك تراكمي لسعر الذهب (أي عادة ما يتداول بشكل عرضي) ...؛ احتمالياً، ووفقاً لنموذج NDM، فإن مستوى 4800 – 5000 ضمن النطاق الاحتمالي الممكن في ظل نهاية العام، احتمال أن يكسر السعر مستوى 4000 هو 2.4%.
وفقاً لإليوت، فإن الموجة الرابعة التصحيحية تنتهي عند 3800 – 4000، وتبدأ بعدها موجة إليوت الخامسة التي تستهدف 4800 – 5000، شرط الحصول على الزخم الكافي إن وجد الطلب، وينعكس هذا الطلب من قبل البنوك حالياً، لكنه بحاجة لأن يهدأ النفط.
وفقاً لعلوم داو (Dow)، طالما أن السعر أعلى من 4000 يبقى زخم السعر إيجابياً، ويتأكد زخم استمرار الصعود بالإغلاق الأسبوعي أعلى 4317 دولاراً.
بلغ الفوليوم أسفل 4500 نحو مستويات غير مسبوقة، مما يجعل أسفلها مستويات تراكم جيدة.
الخلاصة:
قد نرى إعادة اختبار 4200 – 4000 ثم تداول عرضي ما بين 4317 – 4000 لفترة لا تقل عن شهر (خلال شهر 10)، ثم نرى انطلاقاً لسعر الذهب نحو 4800 مع نهاية شهر 12.
على المدى البعيد:
ما زلت أرى 4800 – 5000 في ظل هذا العام، وما زلت أرى 5500 – 6000 في ظل العام القادم.
رأي المستشار المالي:
عندما تصبح القاعدة في السوق مشاعاً (أي بمتناول الجميع) والجميع يعرفها جيداً، غالباً ما يتصرف السوق عكسها تماماً؛ أي عندما يتفق الجميع على الصعود فيشتري الذهب، يجد حينها صانع السوق أكبر فرصة لتسييل الشراء في اللحظة التي يفقد فيها الجميع الأمل ويبدأ بالشراء هو، لأنه لو تصرف على أساس المشاع لرفع من تكلفته.
لهذا تماماً أقول إن الذهب لا يتم التعامل معه بقاعدة ثابتة لا تكسر، وإنما قاعدة مرنة، مرونة تلك القاعدة تكون وفقاً للمشاعر السائدة، وما أراه الآن في السوق هو ما يعكس هذه القاعدة.
المستشار عمر جاسم آل صياح
للمزيد تابعني على حسابي على منصة X:
@Omarsyyah











