الفيدرالي يهدد الذهب

تم النشر 26/10/2026, 15:39
«الاستقرار يولّد عدم الاستقرار. »
— هايمان مينسكي
 
من أخطر المفارقات في تاريخ الاقتصاد أن العلاج الذي يُستخدم لإنقاذ النظام المالي قد يكون هو نفسه السبب في أزمته القادمة.
 
 فرفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم قد يُضعف الاقتصاد، وخفضها لإنقاذ الاقتصاد قد يعيد التضخم، وبين القرارين قد تنهار أسواق وتتشكل ثروات، دون أن تتغير القيمة الحقيقية للأصول بالقدر الذي تتغير به أسعارها.
 
وهذه المفارقة تحديداً قد تتجسد اليوم في الذهب؛ ففي ظل تضخم الديون الأمريكية، وتصاعد النزاعات الاقتصادية والعسكرية، وتزايد المخاوف من فقاعة الذكاء الاصطناعي، قد يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه مضطراً إلى رفع أسعار الفائدة أو إبقائها مرتفعة، رغم ما قد يسببه ذلك من ضغوط على النمو والأسواق.
 
والمفارقة الأكبر أن الفيدرالي قد يدفع الذهب نحو انهيار سعري مؤقت، قبل أن يضطر لاحقاً إلى خفض الفائدة لإنقاذ الاقتصاد من نتائج سياسته نفسها، فيصبح أحد أهم المحركات لصعود الذهب نحو قمم تاريخية جديدة.
 
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل نحن أمام نهاية دورة صعود الذهب، أم أمام تصحيح قد يصنعه الفيدرالي بنفسه، قبل أن يصبح السبب في انطلاق موجة صعود أكبر خلال عام 2027؟
 
آخر الأخبار وأثرها على السعر
 
في ظل النزاعات الأخيرة ما بين إيران، الولايات، روسيا أو كرانيا، لم تعد المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي محصورة في الحروب العسكرية، وإنما امتدت إلى التجارة والطاقة والتكنولوجيا والتمويل، بعدما أصبحت هذه الأدوات جزءاً من الصراع بين القوى الاقتصادية الكبرى.
 
 ففي ظل استمرار التنافس الأمريكي الصيني على الرقائق والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة، تتزايد أهمية السيطرة على سلاسل الإمداد، خصوصاً أن الصين تمتلك نفوذاً مهماً في معالجة المعادن اللازمة للصناعات المتقدمة، ما يجعل أي تصعيد تجاري قادراً على تهديد النمو ورفع تكاليف الإنتاج.

وفي المقابل، ما زالت الحرب في الشرق الأوسط تفرض ضغوطاً على أسواق الطاقة، بينما لم تنجح التحركات الدبلوماسية المتعلقة بالحرب الروسية الأوكرانية حتى الآن في معالجة الخلافات الأساسية بين الأطراف.
 
 والمشكلة الاقتصادية هنا أن استمرار هذه المواجهات قد يُبقي أسعار الطاقة وتكاليف الإنتاج مرتفعة، حتى في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي، ما يضع البنوك المركزية أمام معادلة شديدة التعقيد:
إما مواجهة التضخم بفائدة مرتفعة تزيد الضغوط على الديون والأسواق، أو تخفيف السياسة النقدية والمخاطرة بعودة الضغوط التضخمية.

(توتر جيو-اقتصادي = نزاع عسكري = امتداد أثر هذا النزاع على الطاقة = ارتفاع النفط = تضخم = رفع الفائدة = يضغط على الذهب)
 
وهنا تظهر المفارقة التي قد تضغط على الذهب؛ فبينما يُفترض أن تدعم الحروب والمخاطر الاقتصادية الطلب عليه، فإن التضخم الناتج عنها قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تشديد سياسته النقدية، وهو ما قد يضغط على الذهب من خلال ارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار.
 
 فقد رفع الفيدرالي الفائدة في سبتمبر بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4.00%، ومع اقتراب اجتماعه يومي 27 و28 أكتوبر، يتوقع معظم الاقتصاديين تثبيت الفائدة مؤقتاً، لكن 94 من أصل 100 اقتصادي في استطلاع رويترز يرجحون التثبيت في أكتوبر، بينما يتوقع جميع المشاركين رفعها مجدداً في ديسمبر.
 
 كما تشير التقديرات إلى استمرار التضخم فوق مستهدف الفيدرالي البالغ 2%، ما يعني أن دورة التشديد النقدي قد لا تكون انتهت بعد.
 
وعليه، فإن الخطر على الذهب لا يكمن في الحروب نفسها، وإنما في رد فعل الفيدرالي تجاه التضخم الذي قد تسببه هذه الحروب.

 فإذا استمرت أسعار الطاقة بالارتفاع وتبعتها زيادات جديدة للفائدة، فقد يتعرض الذهب لتصحيح أعمق من مستوى 4000 رغم استمرار العوامل الاقتصادية التي تدعم قيمته على المدى الطويل.

ومع ذلك فإن الضغط من قبل الفائدة على الذهب لا يعدو عن كونه ضغط مؤقت، لأنه في نهاية المطاف لا بد أن تنتهي الحروب أو لا بد أن ينخفض النفط ( كما ذكرتُ في مقال سابق لي بعنوان نقطة الخنق )، حينها تماماً ستضطر إلى أن تسارع الحكومة لمعالجة الخسائر التي تكبدتها إثر الحرب.
 
 وهذا ما سيدفع بالفيدرالي تحديداً لخفض سريع للفائدة مشابه تماماً لكل مرحلة تخفض فيها أسعار الفائدة خفضاً سريعاً بعد كل حرب وهذا ما سيدفع بالذهب العودة لأسعاره الحقيقة، وأن يسعّر الأزمة، ويسعّر فاتورة الحرب، بدافع من رفع الفائدة.

باختصار، قد تضغط أسعار الفائدة المرتفعة على الذهب حالياً، لكنها قد تصبح أحد أهم أسباب صعوده لاحقاً؛ إذ لا أرجّح أن يرفع الفيدرالي الفائدة لأكثر من مرة إضافية بعد الرفع الأخير.

وذلك لأن استمرار الحرب وارتفاع النفط نحو 120–140 دولاراً قد يعيدان إشعال التضخم، ويدفعان الفيدرالي لمزيد من التشديد النقدي، ما يزيد تكلفة الديون ويضغط على النمو الاقتصادي.
 
 وهنا قد نصل إلى نقطة الخنق الاقتصادي؛ حيث تتراجع أرباح الشركات، وتتعثر استثمارات الذكاء الاصطناعي المثقلة بالديون، وقد تبدأ فقاعة مالية بالانفجار، في سيناريو يشبه أزمتي دوت كوم 2000 والرهن العقاري 2008.
 
 لكن إذا تسببت هذه الضغوط بانكماش اقتصادي وتراجع الطلب على النفط، ثم انخفضت أسعاره وانحسرت الضغوط التضخمية، فقد يجد الفيدرالي نفسه مضطراً إلى خفض الفائدة بقوة لاحتواء الركود وأزمة السيولة، بعد أن أصبحت مخاطر الانكماش أكبر من مخاطر التضخم.
 
 وهنا تكمن المفارقة؛ فالسياسة النقدية التي قد تضغط على الذهب مؤقتاً ستكون هي نفسها أحد المحركات المحتملة لصعوده لاحقاً نحو 5500 دولار أو أكثر وفق السيناريو الفني والاقتصادي الذي أعتمده.
 
التحليل الاقتصادي
 
تُظهر المؤشرات الاقتصادية الأمريكية مفارقة قد تشكل مصدر ضغط إضافي على الذهب خلال المرحلة المقبلة؛ فرغم ارتفاع تكلفة الاقتراض، ما زال الاقتصاد الأمريكي يُظهر قدرة واضحة على النمو، مع وصول تقديرات الناتج المحلي وفق نموذج GDPNow إلى 3.5%، واستقرار البطالة عند 4.2%، بينما يشير مؤشر التضخم البالغ 2.3% في البيانات المرفقة إلى استمرار الضغوط السعرية فوق مستهدف الفيدرالي البالغ 2%.
 
 وفي المقابل، ارتفعت عوائد سندات الخزانة لأجل عامين إلى 4.697%، ولعشر سنوات إلى 4.986%، ولثلاثين عاماً إلى 5.308%، ما يعكس ارتفاع تكلفة التمويل وتشدد الأوضاع المالية.
 
 وإذا طبقنا قاعدة جون تايلور (Taylor Rule)، بافتراض تضخم 2.3%، وفائدة حقيقية محايدة قدرها 2%، وفجوة ناتج تساوي صفراً، فإن الفائدة التقديرية تبلغ نحو 4.45%، وهي أعلى من النطاق الحالي للفائدة الأمريكية البالغ 3.75%–4.00%.
 
 وهذا لا يعني حتمية رفع الفائدة، لكنه يشير إلى أن البيانات لا تدعم التيسير النقدي السريع؛ ومع ترجيح تثبيت الفائدة في اجتماع 27–28 أكتوبر، تبقى احتمالات رفعها لاحقاً قائمة، خصوصاً إذا استمر التضخم بالتسارع.
 
 وهنا يظهر الخطر على الذهب؛ فاستمرار الفائدة المرتفعة والعوائد الحقيقية القوية قد يدفع المستثمرين نحو السندات والدولار على حساب الذهب، ما يزيد احتمالات استمرار التصحيح السعري، رغم بقاء العوامل الاقتصادية والجيوسياسية الداعمة له على المدى الطويل.
 
نظرة على السعر  

"لا قيمة لرجل الاقتصاد دون الإحصائيات" 
الطبيب صالح 

1. بلغ الانحراف المعياري التراكمي لسعر الذهب 211$، وهذا يعني قابلية حركة الذهب 211$ في جلسة سوق واحدة أمر طبيعي، وبلغ الانحراف السنوي 552$ وعليه نقول إن 4800$ ضمن الاحتمال السنوي وكذلك إن 4000$ ضمن الاحتمال السنوي.
 
2. إحصائياً يتميز الشهران 11، 12 بأداء إيجابي على سعر الذهب.
 
3. احتمالياً ووفقاً لنموذج NDM، فإن مستوى 4800 – 4900 $ ضمن النطاق الاحتمالي الممكن لهذا العام.
 
4. أسوأ سيناريو للذهب وفقاً للاحتمال الرياضي هذا العام هو 3660$ وهو مرهون بكسر 3800 $.
 
5. احتمال ان يكسر السعر مستوى 4200 – 4000$ هو 5%، واحتمال أن يكسر السعر مستوى 4000$ بينما يبلغ 1%.
 
6. وفقاً لنظرية إليوت، الموجة الرابعة التصحيحية تنتهي عند 3800 – 4000 $، وتبدأ بعدها موجة إليوت الخامسة التي تستهدف 4800 – 5000 $، بشرط توفر الزخم الكافي _ وجد طلب.
 
7. وفقاً لنظرية DOW، ما دام السعر أعلى من 4000 $، يبقى الزخم إيجابياً؛ ويتأكد استمرار الصعود بالإغلاق الأسبوعي فوق 4100 $، وما دام السعر أعلى من 3800$ يبقى الاتجاه إيجابياً.
 
8. فنياً، قد يستهدف النفط مستوى 140 $، وهذا قد يدعم ارتفاع الذهب بعد بدء مرحلة «نقطة الخنق» التي تحدثت عنها سابقاً.
 
الخلاصة

قد نرى استمرار تراجع الذهب نحو 4000 – 3800 وتداول عرضي لفترة، قبل أن نتحدث عن موجة  صعود نستعيد فيها مستوى 4500، خلال الشهر 11.
 
على المدى البعيد
 
ما زلت حتى هذه اللحظة أرى أن دورة الذهب لم تنتهي على المدى البعيد، ولكن من البديهي أن تكون رحلة الصعود تلك شاقة، خصوصاً أنه بدئ من مستويات 1600$ للأونصة، ولهذا لا أستبعد أبداً استعادة قممه السابقة خلال النصف الأول من العام القادم.
 
 
رأي المستشار المالي

وهنا تحديداً يا صديقي لا تكمن البراعة في الشراء بقدر ما هي البراعة في معرفة توقيت الشراء الأمثل وما هو المعدن الذي يلحق بمركب الذهب، وفي الختام تذكر أن الفيدرالي قد يكون تهديداً للذهب وهذا طبيعي لأن الذهب أحد أكبر خصوم الدولار، لكن لا يمكن قطعاً أن تكون نهاية الذهب على يد الدولار.
 

المستشار عمر آل صياح
للمزيد تابعني على حسابي على منصة X  
@Omarsyyahالتحليل الفنيالتحليل الفنيالتحليل الاحصائي

أحدث التعليقات

أعجبني
قم بتثبيت تطبيقاتنا
تابعونا على
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.